كوريا الشمالية.. التهديد حقيقي والتنفيذ شبه مستحيل

الجمعة 2017/10/06

ليست الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة الأميركية وعدد من الدول الغربية من جهة، وبين كوريا الشمالية من جهة أخرى، إلا نتيجة حتمية لمواقف مسبقة لتلك الدول من النظام السياسي القائم في كوريا الشمالية، قبل أن تتمحور حول برنامجها النووي الذي لا يحظى بموافقة المجتمع الدولي. ذلك أن الصراع على هذا المستوى لم يبرح نطاق الصراع الذي ميز مرحلة الحرب الباردة. وهذا ما يدل عليه وجود كوريتين: جنوبية وشمالية، رغم أن مرحلة الحرب الباردة قد انتهت في صيغتها التقليدية، إلا أن البعض من نتائجها ظل يقاوم التراجع، لأنه يجد تغذيته في سلوك عدد من الدول التي تتصرف انطلاقا من مصالحها الإستراتيجية مع واقع ما بعد الحرب الباردة بعقلية تلك الحرب، رغم كل ما تحاول به تغليف هذا السلوك من مفردات التعاون والتعايش والحرص على الأمن والسلم العالميين.

وبهذا المعنى فإن إصرار الدول المناوئة للنظام القائم في كوريا الشمالية على إسقاطه، وهو من العناصر الأساسية لسياساتها خلال الحرب الباردة مع المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة، سابق لموقفها من برنامجها النووي. وليس ممكنا حل مشكل هذا البرنامج إلا إذا تم إيجاد حل للمشكل الأساس، وهو مسألة قبول التعايش مع نظام مختلف بغض النظر عن الموقف السلبي العام منه ومن سياساته الداخلية أو غيرها. على اعتبار أن تصعيد التوتر ورفع نبرة تهديد هذا الكيان من قبل الولايات المتحدة إلى درجة التلويح باستخدام السلاح النووي ذاته، كما ذهب إلى ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه أمام دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة، لا يمكن أن يسهل مأمورية المجتمع الدولي في السعي إلى حل هذه المشكلة، وإنما يدفع بيونغ يانغ إلى المزيد من التشدد في موقفها من برنامجها بحجة ضرورة امتلاك القوة الرادعة لكل من يرغب في تدميرها، كما ركز على ذلك عدد من الخبراء. بل إن دولا وازنة داخل المجتمع الدولي تعارض منهجية التهديد العسكري، بما في ذلك فرنسا وروسيا التي سبق لمسؤوليها أن أكدوا أن التهديد العسكري الأميركي لكوريا الشمالية يدفع بها إلى الإصرار على برنامجها النووي، ولو أدى بها ذلك إلى أن تعتمد العشب لتأمين غذائها على حد تعبير وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف. ويرى الروس وغيرهم من الدول التي لا تشاطر السلوك الأميركي التصعيدي أن الكيفية التي تم بها التوصل إلى الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني ينبغي أن تكون نموذجا في التعامل مع برنامج كوريا الشمالية.

صحيح أن الولايات المتحدة تحاول، من خلال فرض العقوبات على كوريا الشمالية والاستعانة بالضغط الصيني عليها، فتح مخارج غير مسلحة للأزمة مع بيونغ يانغ، غير أن قراءة متأنية للسلوك السياسي لهذه الأخيرة، تدل على أنها لا تستبعد فرضية لجوء واشنطن إلى قوة السلاح النووي لتغيير المعادلات في المنطقة على حساب كوريا الشمالية، لذلك فهي مصرة على أن تكون المخارج واضحة منذ البداية رافضة التفاوض تحت تهديد يستهدف وجودها.

ولا يمكن تجاهل أن روسيا والصين تشعران، وإن بتفاوت، بأن تصعيد التوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ وإمكانية اندلاع نزاع مسلح بينهما، يشكل خطرا محدقا بها هي كذلك، وبالتالي فإنهما لم تألوا جهدا في العمل على معالجة الأزمة بالطرق السلمية.

ولا يغير من هذا التوجه كون روسيا والصين قد وقعتا على تشديد العقوبات الأممية على كوريا الشمالية، ذلك أنهما تعتقدان أن الضغط المدروس يمكن أن يؤدي إلى نتائج ملموسة شريطة عدم إغلاق أبواب الحوار مع بيونغ يانغ، على اعتبار أن هذا الأسلوب الذي برهن على نجاعته بخصوص البرنامج النووي الإيراني كفيل بتحقيق نتائج إيجابية في هذه الحالة أيضا. غير أن تشدد الولايات المتحدة واعتماد أسلوب التهديد بإفناء كوريا الشمالية وإلغائها من الخارطة لا يساعد على الوصول إلى نهاية النفق بخصوص هذه الأزمة النووية الكبرى.

وفِي كل الأحوال، فإن واشنطن قد لا تقوم بأي خطوة عسكرية فورية ومباشرة، قد تطلق شرارة حرب نووية وخيمة العواقب على شبه الجزيرة الكورية واليابان والصين وروسيا، لأن هذه البلدان لن ينتظر منها في هذه الحالة، غير الدفاع عن نفسها بكل الوسائل، الأمر الذي يعني انزلاق العالم إلى حرب عالمية مدمرة. وهذا التقدير يقوم على عاملين أساسيين هما: أولا، عدم وجود أي اصطفاف غربي تقليدي وراء الولايات المتحدة حول هذا الموقف الأقصى، وهو ما تم التعبير عنه بوضوح من قبل عدد من الدول العظمى مثل فرنسا على منصة الأمم المتحدة.

وثانيا إدراك واشنطن أن كوريا الشمالية قد خطت خطوات نوعية بخصوص برنامجها النووي الأمر الذي يجعل المبادرة بالهجوم العسكري مغامرة غير محسوبة، لأن هذا قد ينطوي على مفاجآت خطيرة قد تغير مجرى الأحداث بشكل كبير. وهو ما أكده رئيس الدبلوماسية الروسية لافروف عندما استبعد احتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية لكوريا الشمالية، لأن واشنطن تدرك تماما أن الوضع ليس مماثلا للوضع العراقي، عندما كانت الولايات المتحدة متيقنة أن العراق لا يملك أي أسلحة للدمار الشامل. أما في حالة كوريا فإن القيادة الأميركية تدرك يقينا أن بيونغ يانغ تمتلك أسلحة نووية كما قال لافروف.

فهل يمكن القول إن هذا التصعيد بين الولايات المتحدة وبين كوريا الشمالية لا يعدو كونه تصعيدا كلاميا بحيث يصبح التلويح باستخدام القوة النووية مجرد وسيلة لردع بيونغ يانغ عن الاستمرار على نهجها الحالي، وبالتالي محاولة لتغيير سلوكها تجاه جارتها الجنوبية واليابان؟ من الصعب اختزال الأمر بهذه الطريقة إذ لو كان الأمر كذلك لما أثير كل هذا التخوف حول إمكانية الانزلاق إلى حرب جديدة في المنطقة من قبل دولها ومختلف دول العالم.

وإذا كان هذا الخطر داهما وممكن التحول إلى خطر فعلي، فلا يسع المحلل السياسي في ظل معادلات الواقع الحالي غير القول إنه تهديد حقيقي غير أن تنفيذه قد يرقى إلى المستحيل في الوقت الراهن على الأقل.

كاتب مغربي

9