كوكبنا الهرم إلى متى يعيل البشرية

الجمعة 2017/01/13

بون (ألمانيا)- “احتاجت البشرية إلى مئة ألف عام لتصل بعددها إلى مليار نسمة. واحتاجت إلى نصف قرن وصولا إلى العام 1970 لتصل بعددها إلى ملياري نسمة، وخلال نحو 70 عاما وصل عدد البشرية إلى 7.4 مليار نسمة، أي موارد ستكفي لهذا العدد الهائل المتنامي كل ثانية؟”، تقرع هذه الحقيقة التي افتتح بها فيلم “انفرنو”، من بطولة توم هانكس، ناقوس خطر سمعه الجميع لكن لم يعيروه اهتماما، بشأن كوكبنا الهرم وإلى متى سيقدر على إعالة سكانه؟

الأرض تتآكل وتنضب مواردها وتتلف خصوبتها والمياه الصالحة للشرب والزراعة تقل، والغذاء الطبيعي بات أغلى من بعض المعادن الثمينة، والغطاء النباتي وحزام الغابات يتناقص بسرعة خيالية، وكل الاستهلاك الجائر ينتهي في مكبات القمامة. والأخطر هو غزو البلاستيك. فكل عام تنتج البشرية أكثر من 300 مليون طن من البلاستيك والمطاط الصناعي والألياف واللدائن لصناعة الحقائب وقناني مياه الشرب وأجزاء وإطارات السيارات والمليارات من الأشياء الأخرى. وما يعاد تصنيعه من هذه الكمية هو عشرها، والباقي يتراكم فوق الأرض كفضلات ملّوثة سمية غير قابلة للتلف على مدى قرون.

نجحت أوروبا في سياسة تدوير البلاستيك إلى حد ما؛ كما تعيد تدوير البعض من الفضلات الخطرة عن طريق تسهيلات ضريبية وإنتاجية تقدم لمنتجي البلاستيك والمصانع التي تستفيد منه. فالفرد الأوروبي، الذي يملك سيارة واحدة، يدفع ضريبة سنوية تصل إلى 16 يورو لتدوير إطارات السيارة على وجه الخصوص، وهو تحدّ صعب جدا لأن تدوير الإطارات مضرّ بالهواء والتربة إلى حد كبير، كما أنّه مكلف وبطيء.

ومشكلة خزن إطارات السيارات يلمسها الأوروبيون بشكل واضح، فليخزن أربعة إطارات لمدة ستة أشهر يدفع مالك السيارة 60 دولارا أو 60 يورو في أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي الغربية، وفي لندن 60 باوند إسترليني، (ويرتفع الرقم في سويسرا). وهذه المبالغ تدفع فقط للتخزين، أمّا إتلاف أو إعادة تدوير الإطارات، فمسألة معقدة جدا ويجري استقطاع كلفتها من مالكي السيارات شهريا ضمن أجور التأمين بسبب احتواء إطارات السيارة على معادن ومواد متنوعة يجب انتزاعها قبل التدوير. وتنحصر معظم آثار المبادرات الدولية، التي تطلقها الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني عبر العالم، في حدود أوروبا وكندا، وإلى حد أصغر في الولايات المتحدة وأستراليا، أما أغلب بلدان العالم فمازالت بعيدة عن هذه المبادرات.

عالم بلا ماء

بعد عقود لن يجد أخلافنا ماء يشربونه

يسير كوكبنا إلى التصحّر، وبعد عقود لن يجد أخلافنا ماء يشربونه. وباتت أزمة المياه الصالحة للشرب خطرا جديا. وكشف تقرير منظمة “ووتر. أورغ المنشور عام 2015، أنّ 663 مليون إنسان في العالم لا يملكون مياه شرب، ولا يصل أحيانا نصيب الفرد إلى نصف لتر من الماء كل 48 ساعة. وفي العالم العربي يزحف التصحر على أغلب بلدان المنطقة بشكل متسارع، ولولا امتلاك دول الخليج والسعودية لموارد مالية وفيرة لواجهت خطرا يماثل الخطر الذي تواجهه العديد من الدول الأفريقية والآسيوية جراء التصحر وقلة المياه والشح الحاصل في مياه الشرب وارتفاع أسعارها.

المشكلة الأهم، أنّ ثقافة عصر العولمة وشعور أغلب الناس بعدم أهلية مياه السيلان الحكومية للشرب جعلهم يعتمدون على المياه المعبأة في قناني البلاستيك بعبوات مختلفة، وهو اعتماد يتعاظم كل دقيقة ويثقل الأرض بملايين الأطنان من البلاستيك. أما شح الغذاء وتناقص كمياته، فباتا يهددان بشكل مباشر المليارات من السكان. وطبقا لتقرير منظمة الغذاء الدولية التابعة للأمم المتحدة لعام 2016، فإنّ عدد الجائعين على الأرض وصل إلى حدود 800 مليون نسمة. وهو رقم مخيف، وأغلبه في الدول النامية.

وتتقدم قارة آسيا بعدد الجياع، تتبعها أفريقيا التي تتقدم على الجميع في عدد العطشى، ثم تليهما أميركا اللاتينية. لكن المفارقة أنّ العالم يرمي في القمامة كل عام نحو نصف مليار طن من الغذاء. ألمانيا وحدها تلقي في النفايات مليون طن من الغذاء كل عام، أما الولايات المتحدة فحدّث ولا حرج. وبتصاعد عكسي مع النمو السكاني الخرافي على كوكبنا، انقرضت نصف أنواع الحيوانات المعروفة. وتقدر تقارير صادرة عن منظمات الحفاظ على البيئة، أنّ الصيد الجائر والإبادة لغرض السياحة مسؤولان عن إبادة من 8 إلى 80 ألف نوع من الطيور والحيوانات منذ العام 1950 فحسب، هذا غير الأنواع التي انقرضت وتنقرض كل ساعة.

وإلى جانب ذلك، تشيع السلع الغذائية معدّلة الجينات والتي لم يدرك المختصون حتى الآن جدية مخاطرها على النوع البشري، ومعها يتعاظم إنتاج واستهلاك منتجات الشوكولاتة والحلوى الصناعية الملونة المسؤولة بشكل رئيس عن إضعاف مقاومة ومناعة الجسد. وتحاول أوروبا وكندا والولايات المتحدة الأميركية أن ترعى مبادرات خاصة ومدنية بالتنسيق مع محلات بيع الغذاء والأسواق الكبرى لتسويق المواد الغذائية قبل تلفها إلى المحتاجين. وألزم تشريع فرنسي صدر في العام 2016 أصحاب الأسواق الكبرى ومجمعات التسوق الدولية والسوبر ماركت، بعدم رمي الطعام الصالح للأكل في الفضلات.

ونصّ التشريع على ضرورة نقل المواد الغذائية إلى منظمات إغاثة محددة قبل انتهاء مدة صلاحيتها (خاصة قبل عطل نهاية الأسبوع والمناسبات) لتتمكن المنظمات المعنية من إيصالها إلى المحتاجين، والمخالف يعرض نفسه لعقوبات قد تصل إلى السجن. فيما تتولى الكنائس والمساجد في عدد من بلدان أوروبا الشرقية هذا الدور. ولا توجد إحصائيات رسمية عن حاجة الطفولة إلى حليب الأبقار عبر العالم، لكنها متفاقمة ومخيفة بلا شك لا سيما في أفريقيا وآسيا، مقابل ذلك، فإنّ نحو مليون لتر من الحليب الطازج، بحسب تقديرات أوروبية غير رسمية، تُسكب يوميا في مجاري المياه الثقيلة لانتهاء صلاحياتها، ما يسبب هدرا غذائيا متفاقما، وفي نفس الوقت يساهم في رفع مستوى انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن تفاعل الحليب مع مادة السيانيد في مجاري المياه الثقيلة.

صناعة الورق.. حرب على الأشجار

صناعة الورق والأثاث هي من أسباب التصحر واختفاء الغابات والأشجار

الخطر الداهم غير المرئي الآخر هو الورق الذي يذهب للإعلانات والدعاية الانتخابية والصحف والمجلات وحتى الكتب. ويقرع موقع ذا ورلد كاونتس، المعني بمتابعة موارد الأرض ونضوبها ناقوس خطر كبير، فقد وضع على صدر صفحته عدادا يعلن بالثواني عن أرقام إنتاج العالم السنوي من الورق، والأرقام رهيبة. فالعالم في العام 2016 أنتج 519 مليون طن من الورق والرقم يتصاعد كل دقيقة بمعدل 119 طنا.

ويُصنع الورق من الأشجار، من خلال عجين من ورق مدور وورق وخشب الأشجار تنتج أوراق تغليف المنتجات والبضائع وورق الإعلانات التي تتدفق مجانا على البيوت في الغرب ومصيرها دون قراءة النفايات، وكذلك الصحف اليومية والمجلات بمختلف إصدارتها وحتى المجلات المتخصصة التي تناقصت مبيعاتها وحجم توزيعها بشكل ملفت للنظر. وكشفت دراسة نشرتها مجلة “دير شبيغل” الألمانية أنّ الفرد الأوروبي في المرحلة العمرية ما بين 20 و40 سنة لا يقرأ صحيفة أو مجلة ورقية إلا بمعدل 10 دقائق في الأسبوع، مقابل 20 إلى 50 ساعة قراءة إلكترونية، ومقابل 10 ساعات استماع لملفات صوتية.

وعلينا ألا ننسى ورق التغليف والكارتون الذي تستعمله المصانع عبر العالم بكميات متزايدة، إضافة إلى المناديل الصحية ومناشف السيدات والمطابخ وورق الهدايا. الصحف والمجلات الورقية وحتى الكتب باتت لا تحقق أرباحا ومن المتوقع أن تختفي من أسواق الغرب واليابان عموما خلال 10 إلى 30 سنة بشكل نهائي. لكن مشكلة استهلاك الورق لتغليف المنتجات والمناديل والمناشف الصحية هي الكارثة الكبرى.

الحقيقة المرّة هي أنّ صناعة الورق والأثاث هي من أسباب التصحر واختفاء الغابات والأشجار والأحزمة الخضراء عبر العالم. البشرية تبيد شركاءها في الأرض، وتقضي على موارد الحياة فوق سطح الكوكب، والأخطر أنها تسمّم تربته التي لولاها لم استمرت الحياة منذ عصور غير معلومة، ولن يمر طويل وقت حتى تصبح الحياة مستحيلة، حيث يعيش الإنسان والحيوان والنبات والماء بسبب دكتاتورية البشر العمياء غير المبالية.

كاتب عراقي

7