"كوكو شانيل" مسرحية تعيد إلى الأذهان قصص "البنوتة" التي لا تكبر

ظهور الفنانة شريهان في مسرحية "كوكو شانيل" التي تحكي صعود صاحبة أشهر بيوت الموضة أنهى الجدل الخاص بغيابها.
الأحد 2021/07/25
بين شريهان وشانيل تشابه كبير

كما هو متوقع شهدت مسرحية “كوكو شانيل” التي تقوم ببطولتها الفنانة المصرية شريهان إقبالا جماهيريا واسعا في أول وثاني أيام عيد الأضحى، حيث قدمت عبر منصة البث Vip، ومثلت عودة قوية للفنانة التي عشقتها الجماهير وظلت تنتظر عودتها وسط جدل وشائعات كثيرة أحاطت بانسحابها من الساحة الفنية لأسباب صحية. ورأى الكثيرون أن هذا العمل الجديد للنجمة المصرية التي لم يخبُ بريقها مع مرور السنوات والابتعاد عن الأضواء سيكون فاتحة لأعمال أخرى للفنانة.

القاهرة- حملت مسرحية “كوكو شانيل” التي عرضت لأول مرة على منصة “شاهد VIP” الثلاثاء الماضي الكثير من الرسائل التي تتجاوز عودة الاستعراضية شريهان للتمثيل والوقوف على خشبة المسرح بعد غياب دام نحو عقدين، حيث حملت إسقاطات عديدة، ويستطيع كل مشاهد الخروج منها بمضمون مختلف عن مشاهد آخر، فكثافة المحتوى تسمح بهذه النتيجة، وهي الميزة التي عمل صناع المسرحية على وضعها نصب أعينهم، فكلما اتسع مجال الاستنتاجات زاد التأثير الفني.

يقول البعض من النقاد إن شريهان أرادت أن تكون عودتها حدثا فنيا وشخصيا في آن واحد. حدثا مليئا بالعبر والدروس كي لا يمر العمل في صمت، والذي هو في جوهره استعراضي وكاشف عن لياقة الفنانة المصرية التي تعرضت لحوادث أليمة أثرت لفترة طويلة على حركتها الجسدية والنفسية وأدت إلى غيابها، وبدا وجهها صبوحا ونضرا بصورة لافتة وكأن السنين أبت أن تترك تجاعيدها المألوفة عليها، وهي رسالة يستشفها بسهولة غالبية المتابعين لمن هم في عمر شريهان أو أقل.

المسرحية حققت أغراض القائمين عليها، وتمكنت شريهان من تدشين عودتها بطريقة تظل محفورة في وجدان جمهورها

اختار المؤلف والسيناريست مدحت العدل قصة جذابة للقوة والإرادة والتحدي والنجاح، واتخذ منها عنوانا للمسرحية، وهي قصة مصممة الأزياء الفرنسية الشهيرة كوكو شانيل، التي تعد من ألمع من عملن في هذا المجال في القرن العشرين، والتي وسعت نشاطها ليتجاوز الأزياء ويشمل الكثير من المجالات التي تخص المرأة والموضة وكسر النمطية المألوفة.

تسلل ناعم للجمهور

وضحت لمسات شريهان على القصة في الكثير من المواقف والكلمات والأشعار التي تكشف عن قدرة فائقة على تجاوز الصعاب، وهي الثيمة التي جمعت بين سيرة ومسيرة مصممة الأزياء كوكو شانيل والفنانة المصرية شريهان، وبدت الإسقاطات ناعمة كي تتسلل إلى المشاهدين من دون افتعال أو تملق، أو يعتقدون أن شريهان نسجت قصة على مقاسها خصيصا لعودتها، ربما يكون ذلك قد حدث بالفعل، ولا ضير فيه أو خوف منه، فالمهم أن يكون العمل مكتملا فنيا.

وقع الحمل الكبير على عاتق المخرج المصري هادي الباجوري الذي نجح باقتدار في هذا العرض، وجمع فيه بين المسرح والسينما، وقدر ليس قليلا من الدراما التلفزيونية، حيث جرى تصوير العمل خصيصا لعرضه على جمهور منصة “شاهد” التي بدأت تحتل مكانة لدى قطاع عريض من الجمهور عقب توجهها نحو إنتاج أعمال حصرية.

أسهم تقديم المسرحية ومضمونها بهذه الطريقة في منح هامش كبير للتجويد الفني، فهناك حركات احتاجت إلى تدخلات وخدع فنية لتقديمها وتصويرها بطريقة بعيدة عن إمكانيات المسرح التقليدية، نجد مثلا مشاهد راقصة لشريهان في الهواء، وأخرى حالمة ورومانسية وتراجيدية بصوتها مصحوبة بأغان كتبها مدحت العدل حافلة بالعظات.

بدا مشهد الفراق بين كوكو وحبيبها الذي أدى دوره الفنان هاني عادل، مثيرا لما انطوى عليه من شجن وكلمات تخاطب عقل المرأة ويمكن أن يتسبب في غضب الرجال، منها: “مفيش (لا يوجد) راجل بيعرف يحب أكثر من 45 دقيقة.. مفيش راجل مش (غير) أناني.. كل حاجة في الدنيا وحشة راجل: الغدر الكره الموت أنت. كل حاجة حلوة في الدنيا ست: الحياة والحرية والموضة أنت. افهمي واتعلمي وبعدين قرري، لأنه هيسيبك (يتركك) وهيبيعك بأرخص ثمن”.

في مشهد آخر له الكثير من الدلالات لمن يعرفون جانبا من القصص الحقيقية عن حياة شريهان، لأن المشهد بدا مقحما وحاملا لرسالة محددة، فعندما آوت شانيل أحد رجال المقاومة الفرنسية ضد الحكم النازي في متجرها وتم ضبطها ومحاكمتها بتهمة التستر، جاءت براءتها بعد سقوط النازية باعتبارها كانت تقوم بعمل وطني، والقصد أنها تريد نفي اتهامات لاحقتها خلال فترة غيابها بأنها دعمت حكم الإخوان لمصر، فهي أرادت الإيحاء بأنها مع الجيش وضد الخونة والعملاء.

 استثمار في الاستعراضات

فنانة بمهارة كبيرة وقدرة فائقة على التأقلم
فنانة بمهارة كبيرة وقدرة فائقة على التأقلم

 

شريهان نجحت عن قصد في التأكيد على قوة إرادتها
شريهان نجحت عن قصد في التأكيد على قوة إرادتها

 

فن الاستعراض أجادته على مدار مسيرتها الطويلة
فن الاستعراض أجادته على مدار مسيرتها الطويلة

 

عودة دائمة يمكن أن تسهم فيها بتقديم أعمال جديدة
عودة دائمة يمكن أن تسهم فيها بتقديم أعمال جديدة

 

إسقاطات ناعمة كي تتسلل إلى المشاهدين
إسقاطات ناعمة كي تتسلل إلى المشاهدين

 

شريهان كانت تنتظر التوقيت المناسب للعودة إلى التمثيل
شريهان كانت تنتظر التوقيت المناسب للعودة إلى التمثيل

 

حتاجت الخدع الفنية التي ظهرت في العرض لبعض الوقت لتجهيزها بطرق مختلفة تتناسب مع الهدف منها، وفي كل الأحوال كشفت عن مهارة شريهان وقدرتها على التأقلم مع مقتضيات فن أجادته على مدار مسيرتها الطويلة، وهو الاستعراض الذي لم تكن أثيرة له طوال العرض، حيث خرجت منه إلى الميلودراما

والعكس، وبينهما مساحة عريضة للقصة وتطوراتها، ربما كانت التنقلات سريعة من مشهد إلى آخر، غير أنها في النهاية جاءت مكتملة، ولعب فيها مدير التصوير أحمد المرسي ومصمم الاستعراضات هاني أباظة دورا مهما.

جاء توظيف الموسيقى التصويرية من جانب فهد وألحان إيهاب عبدالواحد جيدا ومنسجما مع الاستعراضات الكثيفة وحركة الكاميرا في تصوير المشاهد التي

برعت فيها شريهان، وحتى في المواقف التراجيدية بدت متسقة إلى حدّ كبير مع الحالة النفسية للبطلة التي تركت لمن شاركوها في العرض، مثل الفنان آسر ياسين وهاني عادل وإنجي وجدان وغيرهم، مسافة أظهروا فيها براعتهم الفنية.

أرادت المسرحية أو بمعنى أدق شريهان تقديم نفسها بالطريقة التي تريد أن يراها الناس عليها، فعدما ظهرت في رمضان الماضي في أحد إعلانات الهواتف المحمولة، نجحت عن قصد في التأكيد على قوة إرادتها وأنها لن تسقط في فخ اليأس، وأن عودتها لا بد أن تكون مصحوبة بضجة، ربما يكون الجمهور كان في اشتياق لرؤيتها ومعرفة أحوالها بعد أن أحاطها غموض اصطحب معه تكنهات وتخمينات قاتمة حول حالتها الصحية والمزاجية.

الخروج من العزلة

 أنهى ظهور شريهان في هذه المسرحية التي تحكي صعود صاحبة أشهر بيوت الموضة الكثير من الجدل الخاص بغيابها، وفتح الباب للحديث عن عودة دائمة يمكن أن تسهم فيها بتقديم أعمال جديدة تعيد إلى الأذهان قصص “البنوتة” شريهان التي مهما كبرت سوف تظل في نظر محبيها رشيقة وخارقة في بعض الأحيان، وختام المسرحية بوصول كوكو شانيل لعنان السماء في الشهرة وصواب رؤيتها يشي بأن المجال مفتوح أمام شريهان، وعازمة على تقديم المزيد من الأعمال.

شريهان أرادت أن تكون عودتها حدثا فنيا وشخصيا في آن واحد

لم تتطلب مسألة الإصرار على القوة والحرص على توصيلها للجمهور وقتا طويلا، فبين رمضان الماضي وشهر يوليو الحالي نحو شهرين، استطاعت خلالهما أن تستقر فيهما على فكرة المسرحية وتأليفها والتجهيز لها وتمثيلها، ما يعني أن العودة كانت مختمرة في عقلها وسابقة على ظهورها في إعلان تلفزيوني.

لا أحد يملك التفاصيل والدهاليز التي أخرجت شريهان من عزلتها، لكن ما رشح من معلومات عنها وعن مقربين منها يؤكدان أن عودتها للتمثيل قرار اتخذ منذ فترة وكانت تنتظر فقط التوقيت المناسب، والذي ساعدها فيه الكثيرون آمنوا بموهبتها وقدرتها على الاستمرار في العطاء، ولذلك فالمسرحية تتخطى عملية العودة لأجل التمثيل أو المال أو الشهرة، وتسد فراغا فنيا تركته في مجال الاستعراض.

منذ اختفاء شريهان لم تظهر فنانة مصرية تملأ هذا الفراغ، قد تكون هناك أسماء قدمت استعراضات مختلفة لكن الغالبية لم تترك أثرا كبيرا في هذا المجال الرحب، ما جعل عودتها محل ترحاب، وجد صدى طيبا في نفسها سوف يشجعها على تكرار التجربة في أعمال أخرى على مستوى المسرح أو على مستويات فنية أخرى.

تمكنت مصممة الأزياء ريم العدل من تقديم كوكتيل غني من الأزياء العصرية والتقليدية، ونجحت في نقل الصورة التي أرادتها كوكو شانيل الأصل والصورة، فالعرض كان غنيا في الملابس المبهرة لكل الفنانين، فالمهم أن تعكس القصة الحقيقية بكل مباهجها وتنقلاتها، وحتى الرقصات جاءت متفقة مع الطريقة التي ظهرت بها تصميمات الأزياء، بما عزز فكرة الانسجام بين مكونات العمل الفني.

كان مصمم الديكور محمد عطية متطورا بشكل مذهل في اختيار أدواته في ظل المساحة المحدودة المتاحة على المسرح، واستطاع أن يدمج بين الأشكال وتداخلاتها بصورة دائرية تقلل من حجم الوقت المستغرق للتغيير حسب كل مشهد، وكان مدركا أن المسرحية ستعرض مسجلة على منصة “شاهد”.

غياب يشبه الحضور

اختلطت مسألة الجمهور على الكثير من المشاهدين، ففي كل مشاهد المسرحية تسمع أصوات التصفيق الحاد لشريهان أو غيرها من الفنانين على مواقف معينة، ولم تظهر لقطة واحدة هذا الجمهور وهو يصفق في الواقع، إلى أن جاء مشهد الختام والتحية وهنا بدا المسرح ممتلئا بالجمهور، ودخل في نوبة من التصفيق الحاد لشريهان وطاقم العمل الفني المصاحب، وكأنها رسالة ترحيب بها وامتنان لها.

لم يتبين جمهور منصة “شاهد” هل التصفيق في المشاهد الأولى كان حقيقيا فعلا أم دوبلاج، وإذا كان حقيقيا ما هي الحكمة التي اعتمد عليها المخرج الباجوري ليخفيه؟

العرض حمل إسقاطات عديدة وتمكّن من جمع أساليب المسرح والسينما وقدر ليس قليلا من الدراما التلفزيونية

قد تكون النتيجة المنطقية الثانية هي الأقرب، وتصوير المشهد الأخير جرى في يوم منفصل، فالواضح أن العرض على الشاشة الذي استغرق ساعتين، لم يتم تصويره كعرض تقليدي أمام جمهور المسرح في مدة زمنية محددة، واستغرق وقتا، فالكثير من المشاهد تحتاج إلى تجهيزات فنية تجعل تصويرها خلال فترة العرض المعتاد صعبة.

لا يقلل ذلك من القيمة الفنية أو الرؤية الإخراجية لتتابع المشاهد وتوظيفها بشكل جيد، بحيث تعطي انطباعا للمشاهدين بأن المسرحية حققت أغراض القائمين عليها، وتمكنت شريهان من تدشين عودتها بطريقة تظل محفورة في وجدان جمهورها، فإذا استكملت المسيرة تكون الأرض ممهدة تماما أمامها، وإذا قررت الاحتجاب مرة أخرى تترك بصمة لا تنسى، وهي فلسفة تجيدها الفنانة المصرية. وصلت شريهان إلى قطاع كبير من الجمهور لم يعاصرها، فالشريحة العريضة من الشباب المصريين الواقعة في الفئة العمرية بين العشرين والثلاثين لا تعرفها، ربما سمعت عنها وهو ما جعل مسرحية “كوكو شانيل” بمثابة تدشين لهؤلاء الذين يمكن أن يؤدي تعلقهم بها إلى دفعها نحو عدم مغادرة فن الاستعراض مرة أخرى.

13