كولم تويبن كاتب يستعين بذاكرة الطفولة لينتصر على الحاضر

الثلاثاء 2014/11/11
تويبن: أنا كنت موجودا لكن الأحداث اختزلت دوري ووجهت الاهتمام إلى نورا

أول ما ينتابك عند دخولك بيت الكاتب الإيرلندي “كولم تويبن” في دبلن، هو الشعور وكأنه مبني من الكتب والرسومات التي تملؤه، فكأنها تحركت وأصبحت بديلا للحجر والقرميد. حالة من الانغماس يعيشها تويبن بالفن والأدب. بيته يشبهه، مليء مثله بالأفكار، صاخب، متناقض يجمع صفاته الإيرلنديّة مع انفتاح على ثقافات العالم.

لوحة لفرنسيس بيكون، صورة لجان جينيه، رسومات من أستراليا، فرنسا، الصين وإيرلندا. لوحة كان يعتقد أنها أصلية لويليام سكوت، لكنه اكتشف لاحقا أنها مزورة. لوحات من روسيا، مطرّزات كانافا تمتد ملتصقة ببعضها البعض على امتداد الجدار، وإطارات معلقة تحوي صفحات مطبوعة من النسخة التي سجّل منها جيمس جويس قراءات من “يقظة (أو بعث) فينيغان”.


كاتب ورحالة


يمكن أن تسمي كولم تويبن رجل عصر النهضة، هو كاتب لا يمكن أن تخطئه، لديه من الفضول الكبير والميل الفطري للشهوة، وحب السفر، ما يمكن أن يجعله شبيها برحالة من القرن الخامس عشر. يدرّس في نيويورك نصف سنة، يعيش في برشلونة لفترة، ثم يعود إلى إنيسكورثي -حيث ولد عام 1955- ليكتب، وكثيرا ما يجد نفسه في دبلن.

لا يظهر تويبن كثيرا أمام الإعلام، لديه دائما ما يشغله. اشتُهر بعمله الكبير “المعلّم” (2004) عن هنري جيمس، الذي تبحّر تويبن في أعماله، ولم يترك تفصيلا صغيرا أو كبيرا إلا ودرسه، ليخرج بالعمل الذي نال عليه جائزة إمباك IMPAC المرموقة.

كان عمله الكبير الآخر رواية “بروكلين” (2009) التي ترتبط جوهريا بروايته الأخيرة، وقبل هذين العملين رشّحت روايته “المنارة العائمة” (1999) لجائزة بوكر، وحظيت رواية “شهادة مريم” (2012) باستقبال نقدي جيّد. نشر ثلاثة كتب رحلات، وكتابي مقالات: “الحب في الزمن المظلم” (2002) و”طرق جديدة لتقتل أمك: الكتاب وعائلاتهم” (2012)، ومجموعتَي قصص قصيرة “أمهات وأبناء” (2006) و”العائلة الفارغة” (2010)، وكتاب مذكرات وآخر في النقد الأدبي.

لا يمكن أن نقول إن روايته الأخيرة، “نورا وبستر” جديدة بالمعنى التام، لكونه قد كتب فصلها الأول قبل أربعة عشر عاما، وتوقف عند ذلك. آنذاك، كتب في الصفحة الرابعة من الفصل الذي أنجزه كيف تأتي سيدة لتقدّم تعازيها لجارتها الأرملة. وتستفيض بالكلام عما تشعر به من دمار نفسي لموت ابنتها الكبرى، روز، ومغادرة أصغر أبنائها، إيلي، إلى أميركا. هنا، وعند هذه النقطة، حصل التحوّل لدى تويبن، وقرر كتابة رواية أخرى أصبحت فيما بعد “بروكلين”.

تويبن رجل عصر النهضة وكاتب لا يمكن أن تخطئه، لديه من الفضول الكبير والميل الفطري للشهوة وحب السفر

يقول تويبن إن المشكلة مع رواية “نورا وبستر” أن بعضها قريب جدا منه، كإنسان من لحم ودم. وهو بالكاد استطاع استخدام حرفته ككاتب لإسباغ شكل روائي/تخيّلي على الشخصية، وهذه كانت من المشاكل التي حاول خلال السنوات أن يجد لها حلولا. في السياق الذاتي للرواية، يقدّم تويبن نفسه بشخصية “دونال”، أكبر الأخوين وقد توفي والدهما -وهذا تفصيل واقعي-.

وفيما كان همّ موريس -زوج نورا المتوفى- أن يكون مدرسا ذا تأثير، وعضوا في الحزب السياسي الحاكم -مثلما كان والد تويبن- فإن شغف دونال هو التصوير الفوتوغرافي؛ “لم أستطع أن أجعله كاتبا” يقول تويبن. «يصاب “دونال” بنوع من التأتأة بعد وفاة والده، تأتي وتذهب، لكنها تتكرر كثيرا».

هنا أيضا يحصل التطابق بين الشخصيتين، فبالنسبة إلى تويبن ذاته، كانت الكتابة أفضل من الكلام الذي كان يسبب له الإحراج لمّا تباغته التأتأة، ومن هنا كانت الكتابة ملاذه. يستعين تويبن بالتفاصيل التي تملأ ذاكرته، يقول إنه خزنها كطفل وهو يدرك أنه سيستخدمها يوما ما ويوظفها في الكتابة. يتذكر كل شيء؛ ما كان في هذا المكان، من قال هذه الجملة، ومن قال تلك. يتذكر قبر من كان هنا، ويرسم خارطة يمكنه وضعها على الورق فيستعيد إنيسكورثي كما كانت. مع ذلك، لا يكمن ما هو صادم في الرواية من كونه يروى عبر وجهة نظر الطفل، وإنما عن طريق أمه؛ نورا.

لهذا، لا يصحّ تماما وصفها بالسيرة الذاتية، لكون المصطلح سيكون مضللا حينها. يقول تويبن: “أنا كنت موجودا، لكن الأحداث اختزلت دوري ووجهت الاهتمام إليها هي، لم أعد أنا موجودا ولذلك لا يمكن أن تكون هذه قصتي. تبدأ نورا بإعادة بناء حياتها. بالنسبة إليّ، نورا أصبحت أمّا مضادة. نورا هي أصل القصة، والقارئ يشاركها همّها هي”.

تويبن يستعين بالتفاصيل التي تملأ ذاكرته


قضايا الفقدان


تعيش العائلة في بلدة صغيرة في ستينات القرن العشرين، نورا، وولداها دونال وكونور يرزحون تحت وطأة فقدان موريس. تعيش نورا حالة من الاستغراق والاستسلام لترمّلها، أزمة ذاتية تسيطر عليها ضمن جوّ اجتماعي يحمل بوادر أزمات سياسية كبيرة تلوح في الأفق. لا يمكن لها أن تفكر في ترك بلدتها، وهي الملتصقة بها، مسجونة في حزنها وترمّلها، ومصابة بنفاد الصبر وبحسّ عبثي ملتبس بالجنون من تعازي جيرانها. تتعلم نورا الغناء، وتجد في الموسيقى توجها نحو “إشراقة” ما، أو بداية جديدة.

يعبّر تويبن بلغة حيّة عما يعتمل داخل نورا، عن معاناتها وصراعها الذاتي من أجل إعادة بناء حياة الأسرة. يصبح أسى نورا الشخصيّ جزءا من سياق مجتمعي مأزوم، على مستويات مدنية ودينية وعسكرية. تشتعل أحداث “الأحد الدامي”، لتدرك نورا حينها أن ما تعيش به لم يعدُ عن كونه ارتباطا هشّا بواقع متغير سيفرض أسلوب حياة ومفاهيم ومعايير جديدة. ما يدفعها في نهاية الرواية إلى أن تحرق رسائل زوجها موريس، التي أصبحت تنتمي إلى زمن مضى.

الرواية فيها كثير من الإيرلندية الصرفة، لكنها مع ذلك، في معالجتها الروائية لقضايا الفقدان والتعرّض البارع لأزمة الترمّل لدى نورا، وما يعصف بالمجتمع من تحوّلات كبرى، تنفتح أمام القارئ أيّا تكن لغته أو جنسيته.

14