كولومبية بباريس

السبت 2016/04/02

في يوم 24 يناير من سنة 2000، كان من المفروض أن أشارك في أمسية شعرية بقاعة الميتروبوليس في مدلين بكولومبيا. وبسبب سوء تنسيق، لم يكن مترجمي متواجدا. تقدمتْ إلي شابة تسألني بفرنسية رفيعة إذا كان يمكنها أن تساعدني. تعرفتُ حينها إلى شاعرة كولومبية مسكونة بالكتابة. مريم مونطايا. أحد أهم الأصوات الشعرية الجديدة بكولومبيا وبأميركا اللاتينية.

تعيش مريم مونطايا موزعة بين تشبثها بأصولها المنحدرة من آخر سلالة هنود الآمازون، وإقامتها الطويلة بباريس. وشكلت إقامتها بهذه المدينة منعطفا بالنسبة لمسارها الشعري، حيث صارت باريس بالنسبة إليها الفضاء الذي تحقَّقَ داخله، بفعل قدر ما، نشرُ عملها الشعري الأول “هروب”، عن دار النشر الفرنسية المشهورة “لارمطان”، لتليه أعمال أخرى، من بينها مجموعاتها “اجتثاث” و”أتيت من الليل” و”وردة الرفض”.

تمنح مريم مونطايا لعلاقتها بباريس بعدا أعمق، حيث تُرجعها إلى العلاقات الخفية التي تربط أميركا اللاتينية، على المستوى الأيديولوجي، بفرنسا. ذلك لأن استقلال عدد من دولها قد تم بتأثير ثوابت الثورة الفرنسية القائمة على مبادئ الحرية والمساواة والأخوة.

ولذلك كان عاديا أن تصير باريس، كما بالنسبة للعديد من الكتاب والفنانين من دول العالم، أسطورة تنهار كل يوم كي تستعيد بهاءها في اليوم الآخر. كان الأساس بالنسبة إليها في أول الأمر هو اكتشاف المدينة وتفاصيلها الخفية؛ معمارها الرائع، طرقها التي يتقاطع من خلالها سطح المدينة بجوفها، تقاسيم زائريها ومواطنيها الأغنياء والفقراء. وكانت كل هذه التفاصيل وراء كتابة مجموعتها الشعرية “اجتثاث”.

وهي المجموعة التي شكلت امتدادا لانشغالها برغبتها في كتابة بورتريهات عن نساء من فضاءات جغرافية أخرى يُقِمْن بباريس، وعن نساء التقتهن يوما ما واحتفظت بصورهن داخلها، وعن نساء خرافيات سبقنها للوجود. حيث تعتبر مونطايا نفسَها دائما امتدادا لنساء مجهولات، هجرن، لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بلدانهن لكي يقمن بباريس، كمواطنات من الدرجة الثانية. وكانت كتابة المجموعة الشعرية “اجتثات” بذلك طريقة للاحتفاء ببطولاتهن الصامتة وللإحساس بالانتماء إليهن، حيث تجمعهن الأنوثةُ والحساسية ذاتهما والاجتثاثُ نفسه.

تقر مريم مونطايا بمحدودية معرفتها بمعالم الشعر العربي. باستثناء اطلاعها على بعض من نصوص أدونيس ومحمود درويش. في سنة 2008، كنت قد طلبتُ من شعراء أجانب كتابة تحية إلى محمود درويش، بمناسبة حصوله، بعد أشهر من وفاته، على جائزة الأركانة التي يمنحها بيت الشعر في المغرب.

كتبت مريم مونطايا نصا جميلا، أذكر منه “ابنَ البروة ورام الله، ابنَ الكلمة والليلك، وناردين المقاومة. جئتَ من تراتيل الرّقَاد، من شعائر الموتى، ومن الأطفال المختفين خلف شجيرات الشفق. سيظل صوتُك أبدا شرارةَ ضوءٍ، أغنيةً من أجل الكرامة، وصرخةً من أجل الحب والصفاء. صوتك الذي يضيئنا في ليالي الفرح وفي ليالي العزلة، هناك حيث القصيدة نديمةٌ للوطن”.

كاتب من المغرب

17