كومة فلوس!

الثلاثاء 2013/11/26

كأي عربي فإن أخبارا من نوع إن لوحة للبريطاني فرنسيس بيكون بيعت في مزاد بمئة وواحد وأربعين مليون دولار، تبهرني وتربكني وتجعلني أتساءل إن كان مشتري اللوحة يعيش في العالم الذي نعيش فيه، أو هل نعيش في العالم نفسه الذي يعيش فيه. فنحن ما زلنا نعتقد أن اللوحة من السلع الزهيدة نسبيا، تباع في المولات ومحلات الأدوات المنزلية، أو لدى بائعي الزجاج (المرايا وما شاكلها).

وكثيرا ما يُحدّق المشتري في إطار اللوحة أكثر من اهتمامه باللوحة نفسها، فإذا كانت بلا إطار فإنه يساوم البائع بخصم ثمن الإطار، ويسارع بعد الشراء إلى حبسها داخل إطار.

أما الرسام منتج اللوحة فقلما يسأل عنه أحد، شأنه في ذلك شأن صانع الموبيليا. أو يولي المشتري اهتماما بالحجم، فكلما كانت اللوحة أكبر وتصلح أكثر لوضعها في صالون الضيوف، كان على استعداد لدفع سعر أعلى، لكن هذا السعر لا يمُت بصلة إلى عالم الملايين ولا الآلاف، فكيف يتجرأ من يتجرأ عندهم ويدفع عشرات الملايين، دون أن يرف له جفن في لوحة صغيرة بلا إطار؟.

هناك من يقول إن الأمر بزنس، ولا علاقة له بالفن، وأن من يشتري لا يشتري افتتانا بلوحة، وإنما آملا في أن يبيعها بسعر أعلى ويحقق ربحا كبيرا.

حتى لو صحّ هذا وفيه بعض الصحة، فمعناه أن سعر العمل الفني كامن فيه وهو عُرضة للارتفاع، ولا يكون السعر مرتفعا وقابلا للارتفاع، لولا ما يستشعره المشترون والمُقتنون من قيمة عالية وفريدة لهذا العمل تستحق معها التضحية بـ "كومة فلوس".

لقد نشأنا على التقليل من شأن الإبداع ومنه الرسم (في المدارس حصة للرسم يستغلها المعلم للراحة، والتلاميذ للهو واللعب) ونشأوا هم على تبجيله، فإذا قبلنا الرسم بعدئذ فإننا لا نؤدي ثمنا له أكثر من ثمن جهاز تلفزيون صغير أو سعر مكواة، تلك هي المسألة.. فلنتمعن في أساليب تنشئتنا.

24