كوميديا المعارضة المجنونة على "تويتر"

السبت 2014/05/03

للمعارضة في عالمنا العربي شكل يقترب من عمل فكاهي ساخر يشارك فيه ممثلون لا ينشطون من أجل تسلية وإضحاك المتابعين، غير أن المشاهدين يهبّون لاعتلاء المسرح وينضمّون إلى المشهد بحماس الغوغاء.

في السعودية معارضة داخلية مكونة من شظايا إخوان وسلفيين متطرفين وليبراليين تائهين. وهذا لا ينفي وجود أصوات حكيمة وعاقلة تمتلك رصانة الموقف والقدرة على التعبير، لكنني هنا أستعرض الشظايا المتناثرة التي تنشط على موقع «تويتر»، ويتابعها الآلاف، أغلبهم يفعل ذلك من باب متابعة عمل ساخر أوانتظار مفاجآت مضحكة، لا على أساس البحث عن عقول تفكر أو أعمال إصلاحيـة مفيدة وواضحة المقاصد.

لو راقبت أداء خلايا المعارضة لوجدتها تواظب على توجيه سهامها للحكومة، وهذا جيد ومشروع إذا كان ذلك ضمن سياق وطني يهدف إلى الارتقاء بالنظام السياسي وتوفير الخدمات الجيدة للمواطنين. لكن ما تراه لبعض خلايا المعارضة من نشاط لا يعدو عن كونه مناكفات تتسقط الأخطاء، وحين تنقد الإنجازات تبحث في تلافيف العمل عن باب مخلوع، أو كلمة عابرة لتصنع منها تعلة للحكم على المشروع بالفشل رغم أن المشهد الشعبي يحتفل ويشيد به.

والمفارقة أن المعارضة “التويترية” حين تبتغي انتقاد حكومتها فإنها تبحث عن بلد آخر لتمتدحه. ومن تعابير فشل المقارنات السياسية وقصورها، أن تقارن بين تجربة بلد يضم 20 مليون ساكن ببلد لا يتجاوز عدد سكانه 150 ألف نسمة، أي بكثافة سكان حي السويدي غرب الرياض.

ثم تبالغ في وصف منجزات تلك البلاد، وهي كما يعلم الجميع لا تعدو عن كونها دولة إخفاقات متكررة. وما يثير الاستغراب موقف معارضة تمتدح قطر التي لا تمتلك ما يفوق السعودية خاصة في مجالات الشفافية والمشاركة الشعبية والتمثيل النيابي.

المهم لدى المعارض “التويتري” الحركي هو أن يغيظ حكومة بلاده. فهو يختزل الوطن في أسرة حاكمة، ويعجز عن تخيل وجود دولة وكيان سياسي وتاريخ من العمل الوحدوي سالت فيه ولأجله الدماء، وتاريخ من المطالبات الشعبية أثمرت مثلما أخفقت، لكنها مطالب يجب أن تصاغ في شكل متحضر واع، لا في شكل ألاعيب مجانين زادهم الله خبلا على خبلهم، فمنحهم قدرات عجيبة على التلون والتشظـي والتحلي بالأخـلاق غيـر الحميـدة.

في الوقت الذي تتمنى فيه رقي العمل السياسي في بلادك، وبعد أن وفرت الوسائل التقنية منصات حوار وطني وشعبي، تجد المشهد من حولك مليئا بالعبث، وكأنك تتهيأ لدخول قاعة محاضرات جامعية، وما أن تفتح الباب حتى تجد القوم داخلها عراة يرقصون.

فمن سمات معارض «تويتر» المتشظي حدة الطباع ونزق الكلمات وفساد الأخلاق وضيق الصدر بالمتابعين، حيث يشتم هذا، ويكيل السباب لذاك ويعرّض بالنساء رغم أنه يرتدي لبوس المسلم المصلح النصوح.

كشف تويتر شيئا مهما وهو أن أكثر المستعملين لعبارات الشتيمة وهتك الأعراض والحديث عن الجنس- تورية أو مكاشفة- هم من يسمون أنفسهم بالإسلاميين.

والناس نوعان؛ نوع أغلبي يتفرج ويرفع يديه شاكرا الله ثم يبتسم للسيد تويتر أن حماه الله من معارضة غبية كهذه، لو حكمته لجعلت من بلاده متاهة ثعالب وملعب شعارات فارغة ومؤتمرات مقاومة وممانعة. لا تقاوم إلا التفكير السليم ولا تمانع إلا التحضر والتقدم، ولقادت عساكرها في لبوس ممزق لحروب إلكترونية.

النوع الآخر أقلية ترى أن متابعة هذا الضرب من المجانين شيء مسل، والمشاركة في معاركهم أمر يقضي فيه وقته الطويل دون عمل. ما ضره لو شارك في حفلة سباب وشتائم وافتضاض بكارة الفضيلة المزعومة.

شلة مجانين يتناوبون مع بعضهم البعض، فينبري هذا لشتم شخص ما، ثم تنطلق جوقة الضباع من وراء التل لترقص بجنون حول الهدف، حتى لو كان من يستهدفه هؤلاء المتأسلمون لا يقيم لهم وزنا. المهم أن تعود الضباع وقد خرج الزبد من أفواهها فتقضي ليلتها في الحديث عن معارك وهمية، وأنها نصرت الإسلام ولا تعلم أنها أضرت بالدعوة والخطاب الإسلامي حين استعملت خطاب الكراهية والحقد والألفاظ القبيحة التي تمس الأعراض.

وهناك نوع آخر من المشاركين في الحوارات “التويترية” وممن كان يوما في قلب آلة الحكم ولأن أي حكم لابد وأن يبدل جلده ليمنحه المزيد من النصاعة، فقد استبعد هؤلاء ليخرج علينا أشخاص جدد، أبطال يدعون إلى مكافحة الفساد بعد أن كانوا جزءا أصيلا منه.

دعك من كل هؤلاء فهناك من تود لو فحصت مخيخه لتعرف لماذا يفعل كل هذا.

شخص خرج من بين رمال تويتر لينفض غبار لحيته ويأتي بالقول الغريب. يقول مجنوننا هذا إن ملعبا كبيرا تم إنشاؤه في جدة الجميلة لا يعدو عن كونه نصبا وثنيا، وأن مصممه البريطاني ضحك علينا واستطاع نصب معبده في أطراف صحرائنا.

ولو راقبت شرحه لتبينت أنه يعيث فسادا في خيال المتلقي ولو استمر الرجل في الشرح، لوجد الناس من حولهم قيامة جديدة تنتفض فيها تماثيل هبل واللات والعزى.

عيون هؤلاء تنظر إلى الأشياء بغير ما ينظر إليها الناس الطبيعيون، وهذا يدل على عبقرية واسعة لو استثمرت لعادت على العلم البشري بفائدة، لكنها محصورة في مراقبة التعدي على المعتقدات وكأن الشباب ممن يهوون كرة القدم ويرتادون الملاعب سيسجدون للعُزّى بعد تسجيل الهدف، ويشكرون هُبل لو أبعد حارس مرماهم الكرة.

مجنون آخر يعرف بـ”المفك” لأنه يهوى تفكيك النصوص، وتفكيكه ينطلق طبعا من هواه الإخواني، ورغم أنه درس في بريطانيـا كما يدعي لكنه يدمن استعمال التقنية لنشر التخلف. هذا المجنون انتقد شيخا امتدح بدوره مسؤولا في بلاده على عمل خير، واعتبره يطبل ويمسح جوخا، ونسي أن قصائده التي كتبها في مدح أميـر قطر سرق مطلعها من قصيدة لأبي العتاهية قالها في الخليفة المهدي. ولا نعلم أن من يحكم قطر أصبح خليفة ومهديا.

جوقة مجانين أصبحوا مسرحا متنقلا على شاشات الهاتف الذكي. يستخدمون شعارات البطولة وكأنهم سيدخلون غدا القدس على صهوات خيولهم، لكن بمجرد أن ينهرهم حارس مبنى وزارة الداخلية يحذفون تغريداتهم ويسحبون اصفرار ”رابعتهم”، وينقلبون إلى تماسيح تخر الدموع من مقلها الحمراء المملوءة خبثا وتحايلا.

تناقضات وازدواجية الخطاب الإسلاموي المزيف، تدفعنا إلى ألا نتفاعل بتعقّل بل أن نسخر ونتهكم ونحمد الله أن أتاح لنا مجانين يعرضون أمامنامشاهد مضحكةخاصة في واقع شح وندرة الأعمال الكوميدية العربية.

9