كوميديا سوداء تتحدى القانون والإعاقة الذهنية

المخرج لين كولين يقدم أبطال فيلمه "الملاذ الآمن" المصابين بمتلازمة داون كصنّاع للحياة خلال فعاليات مهرجان وسط البلد الدولي للفنون المعاصرة في القاهرة.
الخميس 2018/03/22
براءة وعشق وغناء تعيد تشكيل الحياة

القاهرة – يمكن وصف الفيلم الأيرلندي “الملاذ الآمن” (SANCTUARY) للمخرج لين كولين، والذي عرض ضمن فعاليات مهرجان وسط البلد الدولي للفنون المعاصرة التي تتواصل حتى الـ29 من مارس الجاري، بأنه فيلم اختراق القواعد وإعادة صياغة الحياة من خلال عناصرها البسيطة الأولية، كما أنه فيلم المواءمة بين “متعة السينما ودورها الإصلاحي وتأثيرها المجتمعي”، على حد تعبير المخرج كولين في اللقاء الذي جمعه بالجمهور المصري عقب عرض الفيلم في قاعة الفلكي بالعاصمة المصرية القاهرة.

وقدّم المخرج بالبراءة والعشق والغناء والاندفاع الطفولي، أبطاله المصابين بمتلازمة داون كصنّاع للحياة من وجهة نظرهم، ومتمرّدين على القوانين، سواء قوانين الإعاقة الذهنية التي تفرض عليهم قيودا كثيرة، أو قوانين بلدهم أيرلندا التي تحرمهم حقوقا يتمتّع بها الأصحّاء، بما يعني تمييزا غير مقبول.

 

حياة الفن الحقيقية هي قدرته الدائمة على أن يعيش في خطر، ومن لوازم الخطورة كسر التقليدية وتجاوز الأطر النمطية والأفكار الجاهزة وتحويل العملية الفنية برمتها إلى منظومة تحدّيات متنامية متكاملة، وهذا ما سعى إلى تحقيقه الفيلم الأيرلندي “الملاذ الآمن” للمخرج لين كولين، الذي تم عرضه مؤخرا في قاعة الفلكي بالقاهرة ضمن فعاليات مهرجان وسط البلد الدولي للفنون المعاصرة، والذي يقدم رحلة استكشافية عن قرب لعالم مجموعة من الأفراد المصابين بمتلازمة داون.

ولم يكتف الفيلم بطرح جمالياته السينمائية من خلال تلقائية وعمق وفنيات عناصره من نص رشيق باسم وصورة ناصعة ناقلة للتفاصيل والتعابير الدقيقة وأداء تمثيلي طبيعي لمرضى متلازمة داون وموسيقى باعثة على الحركة والبهجة، إنما حرص على تقديم نفسه كفيلم ينتقد أوضاعا اجتماعية بعينها، ويلفت النظر إلى خلل ما في التعامل مع هؤلاء المرضى.

وقال المخرج لين كولن “في حين يكفل القانون للبالغين الحق في ممارسة الجنس والزواج والإنجاب، فإنه لا يمنح المصابين بمتلازمة داون مثل هذه الحقوق بطلاقة مثل غيرهم، فيما قد يقع بعضهم ضحية للاغتصاب في دور الرعاية، وهذا أمر يفوق التصوّر”، مشيرا إلى أن عرض الفيلم في أيرلندا أسهم في إلقاء الضوء على هذه الحقوق.

وأوضح كولين “بعد عرض الفيلم تغيّر القانون بالفعل منذ أسابيع قليلة، وصارت هناك مرونة لمنح هؤلاء المرضى حقوقهم، فهم بشر مكتملو الآدمية، ويجب احترام رغباتهم”.

ويعتبر المخرج، أن الفيلم “حقق إنجازا بطرحه هذه القضية، وهو مأخوذ في الأصل عن عرض مسرحي، لكن تأثير السينما أكبر بكل تأكيد، لم نكن نتوقّع أن يحدث التغيير بهذه السرعة”.

وجاء عرض الفيلم في مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة بالقاهرة ضمن الاهتمام بمحور خاص عن “متحدّي الإعاقة”، وأقيمت فعاليات عدة بالمهرجان في هذا السياق، منها ندوة موسّعة بالتعاون مع اليونسكو والمجلس الثقافي البريطاني.

و”متلازمة داون” أو “البلاهة المنغولية” مرض ينتج عن تغيّر في الكروموسومات، وتتّسم الحالة وفق مستوى الإصابة بتأخر عقلي وضعف في القدرات الذهنية والنمو البدني وملامح جسدية مميزة مثل صغر الذقن وكبر اللسان واستدارة الوجه وغيرها، ويسهم التعليم والرعاية في تحسين جودة الحياة لدى المصابين، وهم تقل قدرتهم عادة على الإنجاب ويصاب نصف أبنائهم تقريبا بالمرض ذاته.

مواجهة العالم

في فيلم “الملاذ الآمن” من تأليف كريستيان أوريلي يواجه الجميع العالم، ليس من أجل التعايش معه، لكن بهدف تغييره، و”العشق” هي كلمة السر التي حكمت شخصيات العمل من المصابين بمتلازمة داون، وعلى رأسهم البطلان المحوريان: لاري وصوفي.

وهما ببساطة عاشقان مغرمان، علاقتهما دافئة ومؤثّرة ومفجعة إلى حد الضحك عاليا، يرغبان في قضاء بعض الوقت منفردين معا في مكان آمن، وينجحان في ذلك بالفعل بعد تقديم رشوة لمسؤول الرعاية الاجتماعية توم.

لين كولين: متعة السينما لا تتعارض مع دورها الإصلاحي وتأثيرها المجتمعي
لين كولين: متعة السينما لا تتعارض مع دورها الإصلاحي وتأثيرها المجتمعي

وفي الرحلة التي يصطحب فيها توم مجموعة المرضى إلى التنزّه ومشاهدة فيلم سينمائي، يفصحون جميعهم عن رغباتهم المكبوتة في الغناء والمرح والضحك وتبادل الحب والقبلات البريئة ومشاهدة حفل الكريسماس واحتساء الشراب وغيرها من رغبات تصوّر حياتهم عن قرب كبشر غير منقوصي الأهلية، في حين تتّسع غرفة الفندق لتكون مسرحا للحدث الأبرز، وهو لقاء لاري وصوفي الحميم.

منح توم العاشقين الفرصة على طبق من ذهب ليريدا الحياة أملا في استجابة القدر، ولم تكن صوفي التي تعرضت للاغتصاب في دار رعاية سابقة من جانب مجموعة من المشرفين الاجتماعيين، تظن أن لاري يفكّر في الجنس، لكنها وافقت على الخلوة معه لإحساسها به قريبا متفهما وداعما.

ومن خلال مواقف وأحاديث هزلية ضاحكة، يفصح لاري عن عشقه، ويفضح خطته للقاء الحميمي مع صوفي، وأنه استعد لممارسة الجنس معها باستعارة واق ذكري من توم، فالمرضى لا يليق بهم الحلم بممارسة طبيعية، والحمل قد يعني الإنجاب، وتدمير طفل آخر بالمرض.

وبعدما تغضب صوفي من سلوك لاري، يجرفهما العشق المتبادل خطوة فخطوة إلى الامتزاج الكامل، متناسيين أي تحفّظ، ومستغنيين عن الواقي الذكري.

وبعد انتهاء النشوة، يكتشف توم ومسؤولو الرعاية وبقية المرضى حقيقة ما دار بين العاشقين، وهنا يصطدم القانون بالعشق ويبدو كل من في العالم متحالفين من أجل عدم إتمام زواجهما.

نهاية مفتوحة

جاءت نهاية الفيلم مفتوحة تميل أكثر إلى زيادة احتمال التفرقة بينهما وفق القانون السائد وقتها، في حين أن المسرحية الأصلية حسمت النهاية بأمر مُحدّد، هو أنهما أقاما عرسا فانتازيا، وقرّرا البقاء معا للأبد.

ويعلق المخرج لين كولين أمام الجمهور المصري على ذلك الاختلاف بين المسرحية والفيلم بقوله “نعم نجح العرض المسرحي، لكننا أردنا إبراز الألم وبلورة الفجيعة أكثر في السينما ذات التأثير المجتمعي الكبير، من أجل تكثيف الضوء على القضية وإيجاد حلّ جذري لها، وهو ما تم بالفعل بتغيير القانون”. ويستعرض الفيلم كذلك من خلال المواقف المرحة والحوارات المفعمة بالقفشات التي تبدو طبيعية أو ارتجالية كيف أن هؤلاء المرضى يمارسون يومياتهم الاعتيادية دون تكلف، ولا يتقاضون مكافآت مالية نظير ما يقومون به من أشغال، وكأنما حق الرعاية وحده هو أجرهم، وفي هذا ظلم ملموس.

ويستخدم الفيلم الرموز الفنية القريبة من الأذهان لتقديم معادلاته وثنائياته، فالشامبانيا مثلا أبطلت مفعول الأدوية التي تناولتها صوفي بما شكّل خطورة طبية عليها، لكنها في الوقت نفسه أدخلتها في غيبوبة النشوة ومنحتها ما ارتأته في لحظتها بأنه أسمى وأشهى من الحياة.

متلازمة داون لا تتعارض مع الحب
متلازمة داون لا تتعارض مع الحب

أما العازل الذكري، فهو إشعار بأن القيود المفروضة على مرضى متلازمة داون تطال كل شيء، حتى المستقبل والحلم والطفل المحتمل، ولذلك رفض لاري استخدامه حين أطلق العنان لذاته ليجرفه طوفان العشق الصادق.

وتبقى جماليات السينما وتناغم عناصرها هي السبب الأول لتفوّق الفيلم بطبيعة الحال، فالقضايا لا تقدّم للفن أجنحة للتحليق، وجاءت المشاهد مكتوبة بعناية فائقة تنمّ عن انتقائية واعية في اصطياد اللحظات الحياتية المناسبة للتجسيد.

وكشف الأداء التمثيلي التلقائي عن قدرات مذهلة لفريق العمل، خاصة مرضى متلازمة داون، وقائد الأوركسترا المخرج لين كولين الذي بدأ حياته الفنية مصوّرا، وأفادته عينه اللاقطة في إبراز الانفعالات الخاصة عبر كادرات قريبة تعنى بالتفاصيل وردود الأفعال.

“الملاذ الآمن”، هو فيلم الجنون الكامل من أجل إعادة الإنسان إلى عقله بعدم التمييز بين البشر، وقد وفّق صنّاعه إلى حد بعيد في خلق حالة شعورية مشتركة تجتذب وجدان المتلقي في أي مكان، على الرغم من تناوله قضية ذات بُعد محلي في الأساس.

16