كوميديا سوداء تعيد إحياء الدراما السياسية بالقاهرة

تجدّدت دماء المسرح الشعري والدراما السياسية في آن واحد في القاهرة، من خلال العرض المسرحي “مسافر ليل”، الذي انطلق في نوفمبر الماضي، ولا تزال عروضه مستمرة في الساحة الخارجية لمركز “الهناجر للفنون” في دار الأوبرا المصرية، وهو عمل جريء نصا وإخراجا، علاوة على الفضاء الحاضن له.
الأربعاء 2018/01/24
عمل يتقصى الحاضر من الزمن الماضي

القاهرة – يسعى العرض المسرحي المصري “مسافر ليل” إلى أن يفضّ الاشتباك بين جملة من المتناقضات، ويحاول حلّ أكثر من معادلة فنية صعبة، فهو من جهة نص قديم، أو على الأقل غير حديث، كتبه الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور (1931-1981) في أواخر الستينات من القرن الماضي بعد نكسة 1967، ويراد له اليوم أن يتفاعل مع واقع راهن، تختلف معطياته بالضرورة عن زمن كتابة النص.

من جهة أخرى، فإن “مسافر ليل” يمثّل مسرحا شعريا فصيحا، يحافظ من حيث لغته على سلامة وسلاسة الألفاظ العربية، والإيقاعات الموسيقية المنتظمة في جميع الحوارات التي تدور على ألسنة الشخصيات الثلاث أبطال المسرحية: الراوي والمسافر وعامل التذاكر.

وهو الأمر الذي قد يمثّل عائقا عند عرض المسرحية اليوم، أمام جمهور لم يعد يتقبّل بسهولة الفصحى المكتوبة منذ قرابة نصف قرن، المصوغة في قوالب شعرية وأنساق إيقاعية بالغة الانضباط من حيث الالتزام بالتفاعيل الوزنية الخليلية.

أمر ثالث يمثّل رهانا أو تحديا أمام صنّاع العمل في ثوبه الجديد، هو أن النص الأصلي يمثل “كوميديا سوداء” بوصف مؤلفه صلاح عبدالصبور، ومن دواعي أهميته أنه يفسح المجال بشكل واسع للدراما السياسية لتقول كلمتها المسموعة وانتقاد ملابسات وأوضاع مختلة وأزمات، فهل تتشابه ظروف كتابة المسرحية مع الأوضاع السياسية الحالية، أم أن “المشترك الإنساني” هو الذي يحيل كوميديتها السوداء وإسقاطاتها السياسية إلى قدر من المطلق الذي يلائم الإنسان في أزمنة وأمكنة مختلفة؟

منعطفات وتساؤلات شائكة، يعمل عرض “مسافر ليل” على فكّ شيفرتها، من خلال تضافر جهود فريق العمل، الذي يتشكّل من المخرج ومصمم الديكور محمود فؤاد صدقي، والممثلين: علاء قوقة وصفوت الغندور ومصطفى حمزة، بالإضافة إلى بقية عناصر العمل: محمد زكي (المخرج المنفذ) وأميرة صابر (الملابس) وأبوبكر الشريف (الإضاءة) وزاكو (الموسيقى) وماثيو فكري (المكياج).

الجرأة التي اقترحها العمل من حيث طبيعة المسرح وديكوره، للإيهام بحداثته، لم تمتد يدها إلى النص الشعري والطرح الدرامي

منذ الوهلة الأولى، تنطلق رسالة مفادها أن صنّاع العمل يريدون تفجير ما هو جديد، من نص راسخ، فقبل حوالي نصف ساعة من موعد بدء العرض، تنطلق صافرة قطار في محيط ساحة الهناجر، يتبعها نداء كذلك الذي يكون في محطة القطارات، للإعلان أن “قطار مسافر ليل” سوف ينطلق بعد ثلاثين دقيقة.

ويتكرّر مثل هذا النداء مع دنوّ موعد بدء العرض أو “انطلاق القطار”، حتى يكون النداء الأخير قبيل العرض “على السادة ركّاب قطار مسافر ليل ركوب القطار خلال خمس دقائق، علما بأنه يقلع من الساحة الخارجية لمركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية”.

وباقتراب الجمهور من المسرح، يجدونه مُصمما على هيئة عربتي قطار بالفعل، وفي كل عربة مجموعة من المقاعد الخشبية تماثل مقاعد قطارات الدرجة الثالثة الفقيرة في مصر، وعليها يجلس الجمهور لمشاهدة العرض، فيما يقدّم الممثلون العرض في منطقة وسطى بين العربتين، كما يتجوّلون على مدار دقائق العرض الأربعين بين الحضور، ويشركون الجمهور معهم في الكثير من الحوارات والإشارات والأفعال.

هكذا، مباشرة، يتفهّم الحضور أنّهم بصدد عمل يتقصّى الحاضر لا الماضي، وأنهم مشاركون في الحدث بركوبهم القطار الذي لا يكفّ عن إطلاق صفارته وصوت دوران عجلاته فوق القضبان والإيحاء الدائم بالحركة والاهتزاز.

وتساعد الملابس والمكياج أيضا المخرج ومصمم الديكور في خلع السمت العصري على المشهد الكلي، فالممثلون الثلاثة من هذا الزمن، وكذلك الركّاب، فماذا عن الحديث والأحداث؟

الجرأة التي اقترحها عرض “مسافر ليل”، من حيث طبيعة المسرح وديكوره، للإيهام بحداثته، لم تمتد يدها إلى النص الشعري والطرح الدرامي، إذ حافظ العرض على نحو كبير على رؤية صلاح عبدالصبور، ولغته الشعرية في المسرحية المطبوعة. ولعل هذا الاختيار يعود إلى طبيعة مسرحية “مسافر ليل” نفسها، ذات الفصل الواحد، التي تتحرّك في إطار تاريخي وفلسفي، وتناقش أطروحات سياسية من منظور إنساني عام، يتعلق بالمشترك بين البشر، ولا تتكئ على وقائع وملابسات بعينها، يصعب تكرارها في أزمنة وأمكنة أخرى.

ربما لهذه “القولبة الدرامية” في إطار ما طرحه صلاح عبدالصبور من نصف قرن ما يبرّرها، باعتبار النص يعوّل في الأساس على قيم مجرّدة، ويتعاطى مع النقد السياسي من خلال رصد القهر الإنساني الذي يعانيه البشر من السلطة، أيّ سلطة، من خلال ثنائية: العبد والسيّد، في لعبة سوداوية داخل القطار الليلي.

وتطرح مسرحية “مسافر ليل” إشكالية هذا القهر، وتلك العبودية، من خلال رصد ما يمارسه “الكمساري” (عامل التذاكر) على راكب القطار المسافر ليلا، في طقس يوحي بالغموض والخوف، ويأتي الراوي ليكون بمثابة شاهد على الأحداث المضحكة المبكية، التي يحكي بعضها بسخرية بصفته عليما بتفاصيلها، ويدور بعضها الآخر من خلال الحوار الثنائي أو الثلاثي، وأحيانا المونولوغ.

لم يخرج عرض “مسافر ليل” عن الإطار الدرامي المرسوم في المسرحية المكتوبة، باستثناء البعض من الإحالات العابرة إلى ما بلغه المشهد الراهن من انتشار العنف

ويتّخذ عامل التذاكر صورا وهيئات شتى، ويمثل أكثر من شخصية تاريخية متسلطة، منها الإسكندر الأكبر، ويمارس ضغوطه وحروبه النفسية على الراكب المذعور الذي تختلط أمامه الحقائق والكوابيس من شدّة الرعب والفزع أمام عامل التذاكر المدجّج بكافة أنماط الأسلحة ومقاليد القوّة والنفوذ.

ويمارس “الكمساري” ضد المسافر أشكالا مختلفة من الانتهاكات والتهديدات “سأروّضك كما روّضتُ المهر الجامح”، والبعض من هذه الممارسات العدائية له طابع فكاهي، مثل التهامه تذكرة المسافر الخضراء الطرية وأكله أيضا وهضمه بطاقته الشخصية (أعزّ ما يمتلك)، ويتصاعد عنف “الكمساري” ليبلغ ذروته بقتله المسافر، ويشترك الراوي معه في حمل جثة القتيل.

ولم يخرج عرض “مسافر ليل” عن الإطار الدرامي المرسوم في المسرحية المكتوبة، باستثناء البعض من الإحالات العابرة إلى ما بلغه المشهد الراهن من انتشار العنف وحدوث البعض من الأعمال الإرهابية، كنتيجة للخلل الاجتماعي والديني والسياسي، ذلك الخلل الذي يتجلّى في النص الأصلي للمسرحية الشعرية.

يبدو هناك منطق في العرض الجديد للإبقاء على دراما صلاح عبدالصبور الثرية، بما تحمله من دلالات خصبة وترميزات كثيرة لفكرة السفر ذاتها، في المكان، وعبر التاريخ، وداخل النفس البشرية، وهي محطات فلسفية وتأمليّة يمكن للقطار التوقّف فيها في أي زمان ومكان، فيجد ركّابا ومشاهدين.

لكن، على جانب آخر، تعدّ مشكلة اللغة أبعد عن الاستساغة وأكثر استعصاء على الحل، باجترارها حرفيّا من المسرحية المكتوبة، دون التدخّل في معالجة نسيجها، فهي وإن كانت لغة شعرية غير معقّدة، تنتمي إلى الشعر التفعيلي الحديث، إلاّ أن نصف قرن من الزمان على تأليف المسرحية يجعل هناك حاجة ملحّة لتحديث البعض من مفرداتها وعباراتها إن لزم الأمر، فالكلمات والتراكيب التي كانت عصرية وبسيطة في زمنها يصعب أن تحتفظ كلها بحداثتها وبساطتها، باعتبار أن اللغة كائن حي، ينمو ويتطوّر.

في المسرحية مواقف تتطلب دفقات شعورية حادة، مثل لحظات استعطاف الراكب عامل التذاكر كي لا يقتله، وهي مواقف كانت تتطلّب لغة أبسط وأقدر على تحمّل سخونة الموقف، وإن تطلّب الأمر إعادة صياغتها بالعامية المصرية، لكن عرض “مسافر ليل” آثر الرهان على لغة المسرحية المكتوبة، فحدث نوع من الفصام بين القصيدة، وبين اللهاث الدرامي، حيث يقول الراكب مخاطبا “الكمساري” “فلتجعلني فحّاما في حمّامك، اعهدْ لي بمناشفك الوردية، اجعلني حامل خفّيكَ الذهبيين، لكن لا تقتلني، أرجوك”.

16