كوميديا سوداء حالك لونها

الإلحاد مجرد فكرة لم تجد إلى حد الآن مدرسة فلسفية واحدة تجمّع أتباعها على مائدة تباحث واحدة، لكن الفساد حقيقة وجدت لها مقعداً وثيراً في مدرسة الأحزاب الدينية.
السبت 2018/03/17
محاولة نسيا واقع أليم

بعض المصائب تشبه الطعام الحاذق، لا يمكن هضمها إلا مع جرعة وفيرة من الماء أو العصير المحلّى وهذا هو واقع الحال في العراق اليوم؛ فالتحولات الكارثية والعثرات التي عطلت عجلة الاقتصاد والسياسة، وفرت مناخاً ملائماً للتندر على الواقع للتخفيف من مذاقه الحاذق.

ولعل القوانين، هي أصل الداء؛ فالبلد الذي وُضعت فيه أول شريعة في التاريخ امتدت على مساحة من آلاف السنين على يد رجل القانون الأول في العالم الملك البابلي حمورابي، يعاني من ترهل في الأحكام وتطبيقاتها التي تحولت إلى مادة مطاطية، قابلة للتمدد على وفق سخونة الأحداث، كما أنها يمكن أن تنكمش بالبرودة؛ برودة غباء وجهل بعض أصحاب السلطة التنفيذية في البلد.

هناك ما يشبه النكتة أو المزحة في استخدام روح القانون في بعض الحالات الاستثنائية، أبشع ما فيها أنها روح لكائن ميت يحاول بعض رجال القانون إيقاظها والترويج لها من باب أو أكثر من أبواب الفساد الرائجة لتبرئة أفراد خارجين عن القانون.

فهذا المتهم قريب لمسؤول كبير وذاك السارق شاب ما زال في مقتبل العمر ونسيب لمسؤول حزبي آخر يكاد لا يدخل من أبواب السجن حتى يخرج من بابه الآخر بكامل قيافته، وهكذا، حتى اختلط الأخضر باليابس وأصبحت الجريمة مفهوما عائما مثل قدح “فافون” سابح على سطح طاسة مملوءة باللبن.

أما الصور التي ظهرت مؤخراً في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد تجاوزت حدود الكوميديا السوداء إلى أبعد مما يتصوره العقل البشري من مهازل واستخفاف بعقول الناس؛ رجال شرطة، أو هكذا بدا الأمر، وهم يلقون القبض على بعض الشباب بتهمة الإلحاد! التهمة التي لم تحدد بعد ماهية أبعادها، تبعاتها، حدودها وعواقبها.

هل هذا هو الزمن الأغبر الذي كان يتحدث عنه أجدادنا، أم أن الأمر لا يتعدى مجرد موجة من غبار ستتبعها بالتأكيد عواصف أشدّ غبرة منها حتى ينتهي الأمر بالسواد الحالك؟

تترك الحرية كاملة لتجار المخدرات وعصابات الجريمة ولصوص السياسة، كي يعيثوا في الأرض فسادا وجورا ليتم اعتقال مجموعة من الشباب لاختلافهم في طريقة التفكير، فتلقى عليهم تهم الإساءة للدين لمجرد أنهم يعبرون عن غضبهم واحتجاجهم على الفقر والبطالة وقلة الحيلة، في الوقت الذي تسرق فيه حقوقهم على أيدي لصوص الصدفة.

الإلحاد مجرد فكرة لم تجد إلى حد الآن مدرسة فلسفية واحدة تجمّع أتباعها على مائدة تباحث واحدة، لكن الفساد حقيقة وجدت لها مقعداً وثيراً في مدرسة الأحزاب الدينية.

إذا كان هؤلاء الشباب حقاً كما يدّعي أصحاب القرار الذين لا قرار لهم، فلن يكون ضررهم على مجتمع يعاني أفراده ما يعانيه من فقر وضيم وظلم أكثر من ضرر هؤلاء الذين يتجملون برداء الدين، يدغدغون به مشاعر الناس البسطاء ويخدرون وعيهم، ليتسنى لهم إتمام مهمة سرقة بلد بأكمله؛ أرضه، ثرواته، حاضره ومستقبله.

كان المؤرخ اليوناني بلوتارخ يقول “لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد”. هذه الحقيقة التاريخية المخيفة قد تتنبأ بما سيؤول إليه مصيرنا في المستقبل؛ ستختفي المدن وتسقط المعابد على رؤوسنا..

21