كونداليزا رايس عازفة بيانو خبيرة بعلامات "الفوضى الخلاقة"

السبت 2015/10/17
رايس تحذر من التدخل الروسي في الشرق الأوسط وتربك إدارة أوباما

واشنطن - حصد كلام كونداليزا رايس في صحيفة الواشنطن بوست مؤخرا “اهتماما” غير عادي، في الأوساط السياسية هنا في واشنطن وفي العاصمة الروسية موسكو أيضا، وبعد مقالها في الصحيفة الأميركية سارعت وسائل إعلام روسية إلى نقد أفكار رايس ورؤيتها في ما يتعلق بالشأن الروسي ـ السوري اليوم، وكان حديثها في اتجاه واحد حسب متابعين للتصريحات المتلاحقة لأعضاء الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة في ما يخص السياسة الأميركية في سوريا، اتجاه واحد يدخل في “مهاجمة” سياسة إدارة الرئيس أوباما في سوريا و”ترك” الولايات المتحدة للدولة الروسية في توسيع نفوذها وفرض سياستها “رغم ضعفها سياسيا وعسكريا، نعم تحدثت رايس التي كانت شاهدا “سياسيا” أميركيا على “انهيار” الاتحاد السوفييتي فيما مضى وأحد “صقور” الحزب الجمهوري ووزيرة خارجية بوش الابن ومستشارة بوش الأب.

يخبرنا أحد المقربين من الحزب الجمهوري أن أهمية حديث كونداليزا رايس اليوم والتطرق للسياسة الروسية في سوريا وأوكرانيا و”نجاحات” الرئيس بوتين المفترضة هي ليست تتمة رأي لتصريحات أعضاء الحزب الجمهوري مؤخرا في توجيه النقد اللاذع لسياسة البيت الأبيض في سوريا بل جاءت حقيقة بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا وبعد “الاستعراض” الجوي لطائرات روسية أمام أعين القوات الجوية الأميركية فوق السماء السورية.

من يتحكم بالجيوبولوتيك

تقول رايس في مقالها في الواشنطن بوست “يعبّر الكثيرون هذه الأيام في العواصم المختلفة من واشنطن إلى لندن إلى برلين إلى أنقرة وغيرها عن عدم تصديقهم كيف يمكن لفلاديمير بوتين، مع اقتصاده المتثاقل وجيشه ذي المستوى الضعيف، أن يتحكم دوماً في مسار الأحداث الجيوسياسية، سواء في أوكرانيا أو في سوريا، يبدو أن الرئيس الروسي يتمتع دائماً باليد العليا وكلمة الفصل”.

وتشير رايس الخبيرة في السياسات الروسية إلى أن بوتين يلعب أوراقه الضعيفة بشكل جيد للغاية لأنه يعرف تماماً ما يريد. وهو لا يساهم في استقرار الوضع وفق تعريفنا للاستقرار. بل إنه يدافع عن مصالح روسيا بإبقاء الرئيس السوري بشار الأسد على رأس السلطة. وهذا التدخل ليس بسبب الدولة الإسلامية. فبالنسبة إلى موسكو أيّ جماعة تعارض المصالح الروسية هي منظمة إرهابية. وقد سبق أن شهدنا هذا السلوك في أوكرانيا، والآن نراه بشكل أكثر عدوانية في سوريا باستخدام القصف المباشر وضربات صواريخ كروز.

رايس تتهم بوتين بترويج الروايات لإقناع شعبه ذي الدماغ المغسول إعلاميا، والشعب الروسي كما تقول يقبل هذه (البروباغاندا) حاليا على الأقل، فهو يرى أن روسيا قوة عظمى وتستمد احترامها من هذا الوضع

كلام رايس يأتي من خلفية فهمها وخبرتها السياسية، وهي التي تتحدث عدة لغات إضافة للغة الروسية، ويأتي ضمن متابعتها للتطورات التي تجري في الشرق الأوسط وتحديدا ما له علاقة بالسياسة الأميركية الخارجية وماله علاقة في المقابل بالسياسة الروسية في الجغرافيا التي يحصل فيها “التنافس” على النفوذ بين الدولتين. وليس من غير دلالة أن يكون أول من اكتشف رايس كأخصائية في الشؤون “السوفييتية” هو “برنت كو كروفت” مستشار السياسة الخارجية وهو من الجمهوريين، وذلك في حفل عشاء في عام 1986.

طلب المستشار كروفت منها في ذلك الحين، الانضمام إلى مجلس الأمن القومي بعد ثلاث سنوات، عندما أصبح هو مستشارا للأمن القومي للرئيس بوش وقد قدمها بعد ذلك بوش للزعيم السوفييتي غورباتشوف آنذاك بقوله «هذه هي كونداليزا رايس. إنها تخبرني بكل شيء أعرفه أو أريد أن أعرفه عن الاتحاد السوفييتي”.

تحلل رايس بعمق سياسة بوتين ومحاولته فرض الأمر الواقع في سوريا، وتقول إن “الرئيس بوتين ليس رجلاً عاطفياً، وإذا أصبح الأسد حملاً ثقيلاً عليه، فلن يجد مانعاً من الانتقال إلى بديل مقبول لموسكو”.

وتتابع في محاولة لتوضيح “عطب” السياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية “الروس في الوضع الراهن يعتقدون أنهم يمكن أن ينقذوا الأسد بمساعدة من الإيرانيين. وفي حين أن ما يقوله الرئيس أوباما ووزير الخارجية جون كيري حول عدم وجود حل عسكري للأزمة السورية هو أمر صحيح، ولكن موسكو تدرك أن الدبلوماسية تتبع الواقع المفروض على الأرض، وليس العكس. فروسيا وإيران تعملان على خلق واقع مواتٍ لهما. وبمجرد انتهاء أهداف هذا التدخل العسكري، توقعوا أن تأتينا موسكو بمقترحات للسلام تعكس مصالحها، بما في ذلك تأمين القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس”.

جرس الإنذار

كلام رايس كان مؤثراً وجرس إنذار متصاعد متزامن مع خطاب صقور الجمهوريين في الولايات المتحدة حول ما يرونه لجهة عدم نجاعة السياسة الأميركية في سوريا، ففي خضم النقاشات اليوم بين الجمهوريين والديمقراطيين تكون سوريا حاضرة في الموضوع الخارجي الأميركي، وفي كل تصريح لأعضاء الكونغرس الجمهوريين اليوم يرددون ضرورة إنشاء منطقة حظر جوي فوق سوريا وذلك لحماية المدنيين وهو ما لم تعمل عليه الإدارة الحالية رغم المقترح البريطاني الذي وضع على طاولة الرئيس أوباما منذ أسبوع مضى حيث يتمحور المقترح حول إنشاء منطقة حظر جوي في الجنوب السوري والشمال السوري أيضا.

الطيران الروسي المتجه لتنفيذ طلعات على الأراضي السورية

ترى رايس أن روسيا لا تهمها سلامة الناس وراحتهم. لأن “مقومات النجاح بالنسبة إلى الروس لا تحتوي شيئاً يتعلق بالوضع المزري للشعب السوري. فمشكلة اللاجئين هي مشكلة أوروبا. أما المشكلة الأكبر، وهي الطائفية فليست إلا طبيعة الشرق الأوسط كما يراها الروس، أما مشكلة تعرض السوريين للهجوم بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية على يد نظام الأسد، في انتهاك صارخ للصفقة التي صنعتها موسكو نفسها، فهذا أمر مؤسف حقاً، لكنه لا يعني الروس أيضاً”.

بعد تصريحات رايس وآرائها الناقدة، يرى بعض المراقبين للسياسة الأميركية في سوريا، أن واشنطن سارعت إلى إبراز سياسة عملية أكثر من السابق، فقد رمت طائراتها أطنانا من الأسلحة للمقاتلين المعارضين شرق سوريا، و كذلك أصبحت تبحث مجددا عن “المقاتلين” المعتدلين في سوريا، هو ارتباك سياسي نتيجة ضغط الجمهوريين على الإدارة الديمقراطية الحالية اليوم وتحديدا فيما يخص التقصير في موضوع ترك سوريا للروس والإيرانيين والأسد.

أوصت رايس بضرورة “تفادي التضارب” في التحركات العسكرية بين الولايات المتحدة وبين الروس. وبلباقة حادة، قالت “أعرف أن ما أقوله قد يكون مزعجاً، ولكن لا ينبغي أبداً أن نصل إلى وضع يحذرنا فيه الروس من اعتراض طريقهم. يجب علينا أن نبذل قصارى جهدنا لمنع وقوع حادث بيننا وبين الروس. وأعتقد أن بوتين نفسه متوجس من حدوث هذا التضارب”، وفي توصياتها طالبت رايس بضرورة أن تخلق واشنطن وقائع على الأرض في سوريا، حيث قالت “علينا العمل على خلق وقائع على الأرض تكون مناسبة لنا. فأفكار مثل فرض مناطق حظر الطيران وتوفير الملاذات الآمنة للسكان ليست أفكاراً (غير مدروسة بعناية) كما يقال. وقد أثبتت هذه الأفكار فعاليتها من قبل، مثل حماية الأكراد لمدة اثني عشر عاما تحت حكم صدام حسين الرهيب، وهي تجربة تستحق منا دراسة جادة. فلن يتوقف دفق اللاجئين حتى يشعر الناس بالأمن”.

أميركا وتوائم الشيطان

كونداليزا رايس التي عرفت برقة عزفها على البيانو ومشاركتها الدائمة في نشاطات موسيقية في دينفر عاصمة ولاية كولورادو في أيام مضت، عرفت أيضا بموقفها المتشدد تجاه روسيا وكوريا الشمالية، فهي التي وصفتهما بـ”توأم الشيطان”، وحين كانت وزيرة خارجية في عهد بوش الابن عرف عنها أنها من أكبر المتحمسين لتطوير النظام الدفاعي الصاروخي، كما أنها هي التي كانت تقف وراء الموقف الأميركي المتشدد تجاه روسيا، وهي تعارض أيضا بروتوكول كيوتو حول الاحتباس الحراري، وتعتقد أن من الممكن خدمة المصالح الأميركية بصورة أفضل لو أن أميركا مضت في تنفيذ سياساتها وحدها، وليس عبر الاتفاقيات الدولية.

تؤكد وزيرة الخارجية ورئيسة مكتب الأمن القومي الأميركي السابقة، أن هناك فوائد داخلية لبوتين من التدخل في سوريا رغم أنه لا يصدّر مشاكله إلى الخارج. إذ لطالما كانت السياسات المحلية والدولية الروسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً. فروسيا تشعر بالقوة في الداخل عندما تكون قوية في الخارج، وهذه هي الرواية التي يروّجها بوتين لإقناع شعبه ذي الدماغ المغسول إعلامياً، والشعب الروسي يقبل هذه “البروباغاندا” حالياً على الأقل، فهم يرون أن روسيا قوة عظمى وتستمد احترامها من هذا الوضع. ماذا أيضاً؟ متى كانت آخر مرة باعت فيها روسيا أيّ منتج غير البترول؟ المهم أن موسكو أصبحت ذات أهمية في السياسة الدولية من جديد، وأن القوات المسلحة الروسية تتحرك.

المرأة السمراء يذكر الساسة الأميركيون ما قاله عنها مستشار الأمن القومي كروفت حين قدمها لغورباتشوف (هذه هي المرأة التي تقول لي كل شيء عن روسيا، كل ما أريد أن أعرفه) تشير إلى أن موسكو لا تهمها سلامة الناس وراحتهم، فمشكلة اللاجئين هي مشكلة أوروبا

رايس تطالب الساسة الأميركيين بأن يعترفوا بأن “تقريع بوتين على سوء قراراته ينمّ عن موقف ضعيف. فالروس لم يندموا على مغامرة خارجية منذ حرب أفغانستان. وحتى هذا لم يحدث حتى أقدم رونالد ريغان على تسليح المجاهدين الأفغان بصواريخ ستينغر التي بدأت تُسقِط الطائرات الحربية الروسية والمروحيات. عند ذلك فقط اقتنع الاتحاد السوفييتي بقيادة ميخائيل غورباتشوف الحريص على تحسين العلاقات مع الغرب، أن المغامرة في أفغانستان لم تكن تستحق كل هذا العناء”.

في ما يتعلق بالدعم العسكري الأميركي الذي يعلنه أوباما باستمرار ردّت رايس بالقول “تقديم الدعم القوي للقوات الكردية والقبائل السنية وما تبقى من القوات الخاصة العراقية ليس (مجرد هراء) كما قال الرئيس أوباما.

وقد تكون خطة إنقاذ مؤقتة لاستراتيجيتنا الفاشلة. ومن شأن الالتزام الجاد بهذه الخطوات أيضا ترسيخ علاقتنا مع تركيا التي تعاني من الآثار المترتبة على تدخل موسكو. وباختصار، يجب علينا خلق توازن عسكري أفضل على الأرض إذا أردنا التوصل إلى حل سياسي مقبول لنا ولحلفائنا”.

رايس هي منظّرة “الفوضى الخلاقة” التي يتهمها كثيرون بأنها تنبأت أو كشفت ما سيحدث لاحقاً، وما يحدث اليوم، وفي المكان ذاته، صحيفة الواشنطن بوست، وفي مطلع العام 2005، كانت قد أعلنت ولأول مرة عن نوايا لدى الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية في العالم العربي، للبدء بتشكيل “الشرق الأوسط الجديد” عبر “فوضى خلاقة” مبرمجة ومدروسة.

12