كوهلر يشخص ما أعاق حل قضية الصحراء لأربعة عقود

أكد مبعوث الأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية هورست كولر في أول زيارة للمنطقة منذ تعيينه، تصميمه على حل القضية الممتدة لأربعة عقود وفشل فيها من سبقوه من مبعوثي الأمم المتحدة. وكان من أبرز أسباب هذا الفشل غياب الحياد من جهة والوضع الإقليمي والدولي الذي ساهم إلى حد ما في دخول القضية في ركود. كما تعترف الرباط بتحملها جزءا من مسؤولية إطالة عمر قضيتها الوطنية نتيجة غياب دبلوماسية موازية قوية من جهة وأيضا نتيجة غياب المغرب عن محيطه الإقليمي منذ انسحابه من الاتحاد الأفريقي على خلفية أزمة مرتبطة بملف الصحراء المغربية واعتراف الاتحاد بالانفصاليين وجمهوريتهم المزعومة. لكن تغيرت معطيات كثيرة في السنوات الأخيرة، يأتي على رأسها الحضور المغربي المتزايد إقليميا ودوليا وانكشاف جزء كبير من الصورة المخفية عن بوليساريو وسياستها القمعية في مخيمات تندوف وعلاقتها بجماعات إرهابية إقليمية.
الجمعة 2017/10/20
تفاؤل لا يشاطره معه الانفصاليون

الرباط – أيام قليلة تفصل المغاربة عن ذكرى المسيرة الخضراء، أحد أبرز التواريخ في قضية الصحراء المغربية. ويتطلع المغاربة بأمل أكبر وهم على أعتاب الذكرى الثانية والأربعين لتلك المسيرة التي خرج فيها المغاربة يوم السادس من نوفمبر 1965 ووحدوا خط سيرهم نحو الأقاليم الجنوبية، التي لم يزاحمهم فيها هذه المرة مستعمر أجنبي، بل دعوات انفصالية ونزاع مفتعل الهدف من ورائهما استنزاف المغرب.

مردّ هذا الأمل تغييرات كثيرة حصلت في هذا الملف، أبرزها أن التوجه المغربي يحصل يوما بعد يوم على الاعتراف الدولي بصحته وجديته وأهميته لحل القضية. كما تأتي هذه الذكرى مع تعيين مبعوث أممي جديد هو الرئيس الألماني السابق هورست كوهلر، الذي عين في أغسطس 2017 خلفا للأميركي كريستوفر روس الذي استقال في مايو بعد ثماني سنوات من الجهود غير المثمرة.

ويؤكد المتابعون للقضية أن ملف الصحراء المغربية مع كوهلر والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتريس سيأخذ أبعادا غير تلك التي كانت في عهد روس، والذي كان أبعد ما يكون عن الحيادية وأحد أسباب تعطل أي تقدم في القضية. وبدا المبعوث الأممي واضحا حين قال خلال أول زيارة له للمنطقة “جئت لأستمع إلى طرفي النزاع والتعرف مباشرة على الظروف في مخيمات اللاجئين ولفهم المزيد من القضية وخصوصا لوضع رؤيتي الخاصة”. وأبدى تفاؤله “إزاء مستقبل المفاوضات حول خطة تسوية نزاع الصحراء المغربية الذي تقيمه الأمم المتحدة” مضيفا مع ذلك “لست ساحرا”.

وينظر المغاربة بتفاؤل وواقعية مماثلين لسير الأحداث، لكنهم يؤكدون أن الرباط ستبذل كل جهودها من أجل تيسير عمل المبعوث الأممي بما يتوافق وتوجهاتها وأمنها الاستراتيجي وتطلعاتها إلى حل قضيتها الوطنية ضمن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ سنة 2007.

وأعطى استقبال العاهل المغربي الملك محمد السادس، الثلاثاء 18 أكتوبر 2017، لهورست كوهلر، بالقصر الملكي بالرباط، زخما لزيارة المسؤول الأممي الأولى للمنطقة ومتابعته الميدانية لحيثيات ملف الصحراء. وجاء اللقاء السامي لتأكيد نقطتين رئيسيتين:

* أهمية قضية الصحراء باعتبارها ملفا قوميا مصيريا بالنسبة للمغاربة، وستبقى محور الاهتمام الأول والرئيسي.

المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة يعرف جيدا المخاطر الجيوسياسية لعملية الاستفتاء الذي تنادي به بوليساريو خصوصا مع تنامي خطر الجماعات الإرهابية

* بعث رسالة إيجابية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ولدول المنطقة تقول إن المغرب يمد يده وبحسن نية للتعامل مع مقاربة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، وإن هذا الأخير مرحب به بالمغرب مادام يتمتع بالحياد والجدية.

وبالتالي، لا يمكن الارتكان إلى الفهم الذي يجتزئ القراءات بما يتلاءم ومصالحه، فالأقاليم الجنوبية المغربية جزء لا يتجزأ من التراب المغربي وملف الصحراء، كجزء من التراب المغربي، يقع ضمن أولويات السياسة الداخلية والخارجية للمغرب بكل تشابكاته السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية.

وتأتي الجولة الأولى التي يقوم بها كوهلر، الرئيس الألماني السابق، للمنطقة كخطوة لاستكشاف وجهات نظر أطراف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، إذ أنه بعد لقائه مع المسؤولين بالجزائر وموريتانيا وزيارته لمخيمات تندوف، سيكون قد بلور تصورا كاملا حول المحددات الجيوسياسية لملف الصحراء وامتداداته داخل وخارج المنطقة ليكون مرتكزا لتقرير سيقدمه إلى مجلس الأمن في 24 أكتوبر الجاري بنيويورك.

ويحمل كوهلر في زيارته إلى المنطقة تصورا للحل، والنقطة الأولى ضمن خطته هي دعوة الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات بعد جمود استمر منذ العام 2012. فهو يريد النجاح في هذه النقطة تمهيدا للأجزاء الأخرى من خطته للحل.

تصعيد البوليساريو

عشية زيارة المبعوث الأممي، أعلن أحمد البخاري، عضو ما يسمى بالأمانة الوطنية لبوليساريو، أن الحل الوحيد لحل النزاع في الصحراء هو تنظيم استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي، مشيرا إلى أن “كل الإجراءات التقنية المتعلقة بتنظيم الاستفتاء متوفرة ويكمن تنظيمه في ظرف ثلاثة أشهر إذا كانت هناك فعلا إرادة حقيقية من طرف الأمم المتحدة”.

لكن الغرض من مثل هذا التصريح هو ذر الرماد في عيون ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وتشتيت انتباهه وتزييف الوقائع والقضايا المهمة المرتبطة بواقع المخيمات المهين لحقوق الإنسان والانتفاضات ضد فساد قادة الجبهة وسرقتهم المساعدات الإنسانية الموجهة للسكان، وكذلك التمويه على أن الجبهة ومن ورائها الجزائر لا تريد في الواقع إحصاء السكان كخطوة أولى في اتجاه الاستفتاء لما لها من تأثير سلبي.

أنطونيو غوتيريش: نحتاج إلى إطلاق ديناميكية جديدة حول قضية الصحراء المغربية

وبخلاف المغرب الذي كان عمليا أثناء استقباله لكوهلر، وكانت تغطيته رسمية ومقتضبة للزيارة واللقاءات التي حصلت في إطارها، حاولت جبهة بوليساريو خلق ضجة إعلامية للزيارة. والواقع الذي حاولت الجبهة إخفاءه هو إن المنطقة الممتدة من جنوب إسبانيا إلى القبايل وصولا إلى دول الساحل والصحراء لا تتفاعل جديا مع أي دعوة استفتاء تفضي إلى انفصال إقليم عن الدولة الأم.

وارتباطا بالاستفتاء فقد أعلنت ممثلة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقد يوم الثلاثاء 10 أكتوبر، موقف الاتحاد الداعي إلى قيام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بإحصاء سكان مخيمات تندوف. فالسكان الصحراويون بتندوف لا يخضعون للإجراءات القانونية التي تنظم وضعية اللاجئين عبر العالم، فهؤلاء يتحكم فيهم النظام الجزائري لأنهم فوق أرض جزائرية وهذه الوضعية الشاذة تخدم مصالح من يريد تأبيد الصراع المفتعل منذ أكثر من أربعين عاما.

تقريب وجهات النظر

جاءت جولة كوهلر مباشرة بعد مناقشة قضية الصحراء أمام اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، حيث صرح السفير الممثل الدائم للمغرب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اللجنة الرابعة بنيويورك، بأن المغرب يجدد بقوة دعوته الملحة للجمعية العامة إلى أن ترفع يدها عن ملف الصحراء من أجل السماح لمجلس الأمن بأن يقود، دون تدخل، مسلسل المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي تفاوضي ومقبول من الأطراف.

وهذا ينفي أي تشويش على موقف المغرب من مهمة كوهلر من أي طرف كان ويؤكد أنه مستعد للتعاون والتعامل الإيجابي مع تصورات الأمانة العامة للأمم المتحدة في إطار المبادرة المغربية التي نالت استحسان المجتمع الدولي ودون ملامسة الحل من بوابة الاستفتاء، حيث أن “المغرب يؤكد بقوة أن خيار الاستفتاء تم إقباره بشكل نهائي في ما يخص حالة الصحراء”، كما أكد عمر هلال.

وسبق للمغرب أن اقترح أثناء الجولة الخامسة من المباحثات غير الرسمية بين بوليساريو والمغرب، في يناير من العام 2011، توسيع الوفود لضم ممثلين عن السكان الصحراويين في الأقاليم الجنوبية حتى تتاح لهم الفرصة للتعبير عن إرادتهم وللتأكيد على تصورهم. وهذا يعبر عن صدق الرباط في السعي نحو إيجاد حل سياسي يضمن حقوق السكان والدفاع عن مصالحهم.

كوهلر يحمل في زيارته إلى المنطقة تصورا للحل، والنقطة الأولى ضمن خطته هي دعوة الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات بعد جمود استمر منذ العام 2012.

ولاحظ الطرف المغربي آنذاك محدودية مقترح تقرير المصير الذي تنادي به بوليساريو إلى الآن، والمؤسس على أطروحات لم تعد قابلة للتنزيل على الأرض أمام مبادرة الحكم الذاتي التي جاء بها المغرب منذ العام 2007. وبالتالي فهذا المقترح لا بد من تنحيته إذا كانت هناك نية لمناقشة تفاصيل الحل السياسي الدائم والعادل.

ومبادرة الحكم الذاتي نظام سياسي وإداري واقتصادي يحصل فيه إقليم أو أقاليم من دولة على صلاحيات واسعة لتدبير شؤونها بما في ذلك انتخاب الحاكم والتمثيل في مجلس منتخب يضمن مصالح الأقاليم على قدم المساواة. وأشادت دول كثيرة في العالم وجهات تعمل تحت مظلّة الأمم المتحدة بالمبادرة التي طرحها المغرب لإنهاء نزاع الصحراء المغربية والتي تمنح منطقة الصحراء حكما ذاتيا موسعا مع الاحتفاظ برموز السيادة المغربية.

واعتبرت المبادرة المغربية مبادرة جدية لإنهاء النزاع ولاقت دعما دوليا واسعا غير أن إصرار جبهة بوليساريو على رفضها التفاوض حول المقترح المغربي يعطّل الحل باستمرار، الأمر الذي يوسّع من دائرة الخطر والتهديد اللذين تمثّلهما الفوضى المستشرية في المخيمات التابعة للحركة الانفصالية والتي بينت تقارير دولية أن لها علاقة وطيدة بالحركات الإرهابية في أفريقيا. وسيكون هذا التراكم نقطة ارتكاز في بلورة هورست كوهلر لطرق تقريب وجهات النظر بين الأطراف وخصوصا الجزائر وموريتانيا.

واكبت استعدادات كوهلر لجولته بالمنطقة مطالب باستفتاءات حول استقلال كتالونيا وشمال العراق ضمن جغرافيات متباينة، تهدد كيان الدولة المركزية ووحدتها وتربك دول الجوار على مستوى الاعتراف بالسيادة وما ترتبه من آثار قانونية وسياسية. وحذّر عمر هلال من أن تصاعد النزعة الانفصالية يؤكد أن التوظيف والاستغلال السياسيين لمبدأ تقرير المصير يشكلان خطرا على العديد من البلدان، يهدد استقرارها، ويعرقل تنميتها، ويجزئ مناطقها ويزرع الفرقة بين شعوبها.

ويعرف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة جيدا المخاطر الجيوسياسية لعملية الاستفتاء الذي تنادي به بوليساريو خصوصا مع تنامي خطر الجماعات الإرهابية وتحالفاتها مع منظمات الاتجار بالمخدرات والسلاح بمنطقة الساحل والصحراء التي ينشط بها بعض المنتمين لبوليساريو، وبالتالي لا يمكنه المغامرة بالترويج لهذا المسعى. وكان كوهلر أكد أثناء زيارة مخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر تصميمه على حل قضية الصحراء المغربية.

6