كوينتن تارانتينو: المتهم بالسطحية والسرقة والادعاء

كثيرون يتهمون المخرج الأميركي الشهير بالإفراط الشديد في تصوير العنف بغرض الإثارة، وبأنه مولع باستعراض عضلاته كأي مراهق يمسك بالكاميرا.
الأحد 2019/08/18
تارانتينو.. المثير للجدال دائما

لم يسلم المخرج الأميركي الشهير كوينتن تارانتينو من الاتهامات الشديدة المستمرة منذ سنوات. فهو متهم تارة بمعاداة المرأة والتقليل من شأنها في أفلامه، وتعمد إغفال دورها أو تهميشه وتسطيحه. وقد اتهمته إحدى الصحافيات في المناقشة التي أعقبت عرض فيلمه الأحدث “ذات مرة في هوليوود” في مهرجان كان (مايو الماضي) بأنه جعل مارغوت روبي التي قامت بدور شارون تيت، صامتة في معظم المشاهد التي ظهرت فيها!

وتارة أخرى يتم اتهامه بسرقة مشاهد من أفلام غيره، أو بالإفراط في الاستعراضي الشكلي في التعامل مع أدوات السينما (حركة الكاميرا والمونتاج) للإيحاء بالتجديد، كما يتهمه كثيرون بالإفراط الشديد في تصوير العنف بغرض الإثارة، وبأنه مولع باستعراض عضلاته كأي مراهق يمسك بالكاميرا.

لويس ماكيفوي على سبيل المثال، يقول إن تارانتينو ليس مخرجا عظيما، بل مجرد صانع أفلام للتسلية، يسرق الكثير من المشاهد من أفلام غيره، يزعم أنه ضمها إلى أفلامه على سبيل “التحية” لهؤلاء المخرجين، ويرى أن شخصيات أفلامه فارغة، تدعي الحكمة، وأنه “مدمن مشاهدة أفلام قديمة، متخصص في تقديم ما يتوقعه الآخرون، أي خليط من التسلية وليس فنا”.

ويستنكر الكاتب لي سيغال أن يكون هناك من لا يزالون بعد فيلم “أوغاد مجهولون”، ينظرون إلى تارانتينو بجدية، مضيفا أن الهدف الوحيد من أفلامه هو التعليق على أفلام أخرى لترسيخ مبدأ المحاكاة باعتباره نوعا من “الأصالة الخاصة”.

أما ديفيد فرنش فقال موجها حديثه إلى تارانتينو “أفلامك رديئة، ليس لأي سبب، ولكن لأنها ببساطة رديئة. ولكن لا تقل للصحافة السينمائية، فمن النادر أن يرى المرء مثل هذا الاحتفاء الكبير بمخرج يصنع هذه القمامة”!

ومن الطريف أن معظم من يهاجمون تارانتينو ويرفضون أفلامه، يتفقون على براعته في إخراج فيلم “جاكي براون” (1997) ويعتبرونه أفضل أفلامه على الإطلاق، غير أن المفارقة أن هذا الفيلم تحديدا يمكن اعتباره أقوى رد عملي على الكثير من هذه الاتهامات وأولها موضوع تهميش المرأة واحتقارها.

من الطريف أن معظم من يهاجمون تارانتينو ويرفضون أفلامه، يتفقون على براعته في اخراج فيلم «جاكي براون» (1997) ويعتبرونه أفضل أفلامه على الإطلاق
من الطريف أن معظم من يهاجمون تارانتينو ويرفضون أفلامه، يتفقون على براعته في اخراج فيلم «جاكي براون» (1997) ويعتبرونه أفضل أفلامه على الإطلاق

صحيح أنه الفيلم الوحيد من أفلام تارانتينو (9 أفلام روائية طويلة حتى الآن) الذي يستند إلى أصل أدبي، فهو يقوم على رواية ذائعة الصيت للكاتب الأميركي إلمور ليونارد بعنوان Rum Punch (اسم مشروب مكون من عصير الفواكه والروم)، صدرت عام 1992 وأصبحت من أكثر الروايات توزيعا.

إلا أن تارانتينو لم يلتزم بالرواية تماما، بل شأنه شأن كل فنان حقيقي، ترك لخياله العنان، وكتب السيناريو بحيث نقلها إلى مستوى آخر يتعلق بالجندر واللون، مع إضفاء نكهة خاصة ممتعة على الحوار، والاستلهام من نوع من الأفلام التي تعيش في ذاكرة تارانتينو. هذا النوع عرف باسم أفلام “الاستغلال الأسود” blaxploitation أي مجموعة الأفلام التي ظهرت في أوائل السبعينات من إخراج وتمثيل عدد من الفنانين السود، وكانت تعلي كثيرا من شأن البطل الفردي الأسود العنيف في رد مباشر على سينما البطل الأبيض، وجميع أبطالها ومخرجيها من الأميركيين السود. ومن أشهر هذه الأفلام “شافت” Shaft) 1971) الذي أخرجه غوردون باركس ثم أعادت هوليوود إنتاجه مؤخرا في فيلم جديد من إخراج تيم ستوري وبطولة صامويل جاكسون.

أفلام “الاستغلال الأسود” تسمية غير دقيقة كونها لم تستغل أحدا، والأفضل تسميتها بـ”أفلام الموجة السوداء”، نالها هجوم من جانب الكثير من النقاد والكتاب والمثقفين السود الذين رأوا أنها تدمغ السود بالعنف والجريمة وتساهم بالتالي في ترسيخ صورة سلبية عنهم لدى البيض الأميركيين. وهي فرضية صحيحة خاصة إذا تأملنا سلسلة الأفلام التي قام ببطولتها الممثل جيم براون.

أما صامويل جاكسون فهو حاضر كشخصية رئيسية في فيلم “جاكي براون”، بعد أن قام تارانتينو بتحويل شخصية “أورديل” التي يقوم بها، من تاجر سلاح ومجرم أبيض إلى رجل أسود لا يكف عن استخدام كلمة “زنجي” neger طوال الوقت لتحقير الجميع بما في ذلك البيض.

وجعل تارانتينو الشخصية الرئيسية التي يحمل الفيلم اسمها، امرأة سوداء (بدلا من بيضاء في الرواية) وأسند دورها إلى نجمة أفلام “الموجة السوداء” في السبعينات، باميلا غريير التي تقوم بدور “جاكي براون” وهي مضيفة طيران في الرابعة والأربعين من عمرها، أمضت 19 عاما في العمل لحساب شرطة طيران مكسيكية صغيرة. لا يكفيها راتبها البالغ 16 ألف دولار سنويا، لذلك تقبل العمل لحساب “أورديل”، تنقل له دفعات من أمواله المودعة في حساب خارجي في المكسيك.

لا تقدم “جاكي” في الفيلم ما ينتظره الجمهور من بطلة أفلام الموجة السوداء، أي العنف والقتل وسفك الدماء والقفز فوق الأسوار والمطاردة بالسيارات.. إلخ، بل هي شخصية هادئة تماما، تتمتع بالحكمة والذكاء، تدبر خطة عبقرية تجعلها تتلاعب بجميع شخصيات الرجال على الجانبين، وتنتصر عليهم جميعا، وتفوز في النهاية بالغنيمة!

التلاعب بالرجال

هذا فيلم “فيمنست” مثالي، ربما لم تكن لتخرجه امرأة على كل هذا النحو من القوة والتماسك وتصوير قدرة امرأة على التلاعب بالرجال بذكائها وليس بجسدها. وهو يختلف دون شك، عن فيلمي تارانتينو السابقين اللذين منحاه شهرته الكبيرة: “خيال رخيص” Pulp Fiction و”كلاب المستودع” Reservoir Dogs.

يستوحي تارانتينو من خياله السينمائي، يعود إلى أغاني السبعينات الشهيرة يجعلها الخلفية الموسيقية لفيلمه. ورغم أن لدينا في هذا الفيلم مجرما، وشرطة، وجرائم قتل، وتهريبا، إلا أن الفيلم لا يعتمد على “الحبكة” وتطورها وما تثيره فينا. فهو ليس فيلم حبكة بل فيلم شخصيات ومواقف، فيها من الخشونة والقوة بقدر ما فيها من طرافة.

ورغم أن زمن الفيلم يمتد لأكثر من ساعتين ونصف الساعة إلا أنه يشدك تماما. ورغم بروز أداء صامويل جاكسون وقوة شخصيته في دوره كمجرم يمارس القتل بدم بارد تماما، إلا أنه يتمتع أيضا بالطرافة وخفة الظل والجاذبية، أما الجاذبية الأكبر فتتركز في شخصية باميلا غريير التي تأسرك بتلونها من مشهد إلى آخر، من الضعف والتردد والفزع، إلى القوة والسيطرة والتحكم، ومن التظاهر بالخوف والتلعثم أمام الشرطة، إلى الجرأة والاقتحام والتهديد المبطن، ثم الثقة التي لا تفتقد الرومانسية أيضا وتخفي مسحة من الحزن.

هناك 8 شخصيات رئيسية في الفيلم، يمنحها تارانتينو اهتمام السيناريو، ينتقل في ما بينها في سلاسة وبحيث تتضح لنا ملامحها أكثر فأكثر مع كل مشهد. أولها “أوديل” (صامويل جاكسون) الذي يبيع الأسلحة للمجرمين، وهو يتطلع الآن إلى نقل نصف مليون دولار مودعة في المكسيك لكي يكمل المليون ويتقاعد تقاعدا مريحا في جزر الباهاما. تعمل المضيفة الجوية “جاكي” (بام غريير) لحسابه في تهريب المال له من المكسيك.

 لكنها تقع في قبضة ضابط الشرطة “مارك” (مايكل بوين) وضابط مكافحة التهريب في المطار “راي” (مايكل كيتون). تقيم مع أوديل فتاة شقراء مدمنة كوكايين ومشاهدة مسلسلات هي “ميلاني” (بريجيت فوندا)، هي ليست عشيقته لكنها إحدى الفتيات اللاتي يستخدمهن. ينضم إليه مساعده “لويس” (روبرت دي نيرو) بعد أيام خروجه من السجن. يرتكب “بومونت” (كريس تاكر) أحد رجال أوديل جريمة حمل سلاح بينما هو في فترة العفو المشروط. يلجأ أوديل إلى “ماكس” (روبرت فورستر) المتخصص في دفع الكفالات لكي يدفع 10 آلاف دولار كفالة ويخرج بومونت من مأزقه.

طرافة الحوار

تارانتينو أعاد اكتشاف بطلة "الموجة السوداء"
تارانتينو أعاد اكتشاف بطلة "الموجة السوداء"

هذه هي الشخصيات الثماني، والخيوط الرئيسية التي تربط بينها. نحن نعرف من البداية أن أوديل يفرج عن “بومونت” لكي يقتله بعد أن تأكد من وشايته به للشرطة. إنه يذهب إليه في مسكنه في منتصف الليل ويطلب منه أن يقدم له خدمة مقابل دفعه الكفالة. ومن خلال حوار غاية في الطرافة، يغري أورديل “بومونت” بأن يأتي معه في إحدى عملياته. بومونت متردد، يخشى العواقب، يضغط عليه أوديل، ويذكره بالكفالة، يمنحه سلاحا آليا ويطلب منه أن يختبئ في الصندوق الخلفي لسيارته.. يرفض بومونت بشدة.

يغريه أوديل بأنهما بعد القيام بالعملية سيذهبان معا لتناول حساء الدجاج والحلوى التي يحبها بومونت. يتأوه بومونت بعد أن سال لعابه لهذه الوجبة. يختبئ في مؤخرة السيارة التي يقودها أوديل ثم يتوقف في مكان خال، ويخرج لكي يطلق الرصاص على بومونت فهذا هو هدفه الأول من “اصطياده”. لا تملك سوى أن تضحك وأنت تشاهد مشهدا كهذا.

بعد القبض على جاكي يلجأ أوديل إلى “ماكس” مجددا لإطلاق سراحها بكفالة. يعرض ماكس توصيلها إلى منزلها. يبدو أنه وقع في غرامها من أول نظرة. لقد أسرته شخصيتها وجاذبيتها. لكنها ليست امرأة سهلة. وهي تدرك أن أوديل سيسعى لقتلها متصورا أنها وشت به للشرطة. وهو لا يضيع الوقت بالفعل، فيأتي إلى منزلها في نفس الليلة. لكنها تكون قد استعدت للموقف.

 لقد سرقت مسدس ماكس وهي الآن تغرزه في بطن أوديل. هي لن تقتله لكنها بدلا من ذلك ستقنعه بأنها يمكن أن تخدع رجال الشرطة الذين يطلبون تعاونها معهم للايقاع به، وأنها ستتمكن من تضليلهم وتهريب مبلغ نصف مليون دولار في المرة القادمة وتسرد له الخطة التي تبدو شديدة الإقناع. في مشهد من أكثر المشاهد طرافة يأتي ماكس في الصباح إلى جاكي، لكي يستعيد المسدس الذي تقول جاكي إنها “اقترضته” منه. لكنه مشدود إليها.

ستدخل في الخطة أطراف أخرى، منها ماكس ولويس وميلاني. ماكس سيساعدها في تنفيذ خطة لخداع كل من أوديل والشرطة بعد أن أقنعت كل طرف بأنها تعمل لحسابه.

في أحد المشاهد التي تجمع جاكي وماكس. تسأله فجأة: ألا تشعر بتأثير الزمن؟ يقول إنه يلحظه لكنه لا يهتم كثيرا بالأمر. تقول إنها تشعر بالخوف من التقدم في العمر. لقد قضت 19 عاما من حياتها تدور في هذه الحلقة المفرغة. الشعور بالوحدة، وتعاقب الزمن، يثقلان عليها إنها تحتاج إلى الشعور بالحب والتمتع بما بقي من العمر. ماكس وجاكي يشعران بالوحدة. ولكن تارانتينو لم يشأ أن يجعل فيلمه ينتهي نهاية تقليدية سعيدة من تلك التي يتوقعها الجمهور.

أمامنا شخصيات وحيدة حزينة يائسة. أوديل يريد المال لكي يتقاعد ويعيش حياة مريحة. وميلاني تبحث عن الأمان الذي حرمت منه منذ طفولتها. ولويس الأحمق يعتبر أوديل الملجأ الذي يأويه بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه 4 سنوات، لكنه يتورط بحماقته ويدفع الثمن. والشرطي “راي” يراهن على أنه يمثل المؤسسة الرسمية التي يخشاها الجميع. إنه أيضا فيلم عن “الثقة”: ثقة كل منهم في نفسه وفي قوته وفي الآخر، أوديل يثق في جاكي وكذلك راي وماكس، لكنها تخدع المجرم والشرطي لكنها لا تخون أبدا الشخصية الوحيدة التي تتمتع بالوضوح والاستقامة والصدق، أي “ماكس”. لقد كانت صادقة معه من البداية.

في الفيلم مباراة ممتعة في السرد والأداء.. يستغرق المشهد الرئيسي قرب النهاية، مشهد الخداع والتضليل نحو 20 دقيقة، ويدور داخل “مول” تجاري، من ثلاث وجهات نظر. في كل مرة نشاهد المزيد من التفاصيل التي كانت خافية علينا. ويعكس المشهد براعة تارانتينو في التلاعب بالسرد كما سيفعل دائما في أفلامه. ليس كوسيلة مراهقة للإبهار أو مجرد الابتكار في تصوير القصة، بل أساسا للكشف عما تخفيه الشخصيات.

“جاكي براون” عمل أصيل رغم اعتماده على أصل أدبي. فقد صبغ تارانتينو السيناريو بأسلوبه، وجعل الشخصيات تعيش وتتنفس واقعها. والمساحات المتروكة في ما بينها، تسمح لنا بالتأمل وألا نفكر في ما سيحدث لها، بل في كيف ستجعل هي الحدث يحدث، فكلها على نحو أو آخر، شخصيات فاعلة، لكن معظمها خاسرة. المرأة فقط هي التي تربح اللعبة، وتارانتينو طبعا!

15