كوينتن تارانتينو هاو قبض على معادلة الفن الصعبة

ملحمة السينما الأميركية يقرر هجر الإخراج والتفرغ للكتابة، ويرر إقدامه على هذه الانعطافة في مسيرته بهزالة مستوى الأشخاص الذين يكتبون على الإنترنت أو يسجلون البودكاستات.
الأربعاء 2020/06/03
"جانغو حرا" أعلى أفلام تارانتينو إيرادا بإجمالي بلغ 425 مليون دولار

الفن لعب.. والسينما ليست حكرا على المحترفين، أكثر من يمثل هذا الاتجاه هو الأميركي كوينتن تارانتينو، الذي اعتاد النقاد على وصفه بمؤسسة سينمائية متكاملة، وإن كان هناك من يرى فيه مخرجا بالدرجة الأولى إلا أن آخرين يعتبرون سر نجاحه يكمن في قدراته الكتابية التي ساهمت في تحكمه بمسار الفيلم.

الفن لعب.. والسينما ليست حكرا على المحترفين، أكثر من يمثل هذا الاتجاه هو الأميركي كوينتن تارانتينو، الذي اعتاد النقاد على وصفه بمؤسسة سينمائية متكاملة، وإن كان هناك من يرى فيه مخرجا بالدرجة الأولى إلا أن آخرين يعتبرون سر نجاحه يكمن في قدراته الكتابية التي ساهمت في تحكمه بمسار الفيلم.

 "لم أعد مخرجا" آخر مفاجآت السينمائي الأميركي، مالئ الدنيا وشاغل الناس، كوينتن تارانتينو، الذي قرّر بشكل مفاجئ أنه لم يعد مخرجا، بل كاتبا للسيناريو.

القرار لن يدخل حيز التنفيذ إلاّ بعد أن يتم فيلمه العاشر الطويل الذي يعمل عليه حاليا. قد يكون هذا القرار مفاجئا لمن تابع تارانتينو مخرجا لأفلام سحرت عشاق السينما منذ ثمانينات القرن الماضي، ولكنّ المتعمقين بدراسة السينمائي الظاهرة لن يصدمهم القرار؛ تارانتينو المبدع إخراجيا، أبدع في كتابة السيناريو أكثر.

عندما نتحدّث عن تارانتينو نتحدث عن مؤسسة سينمائية متكاملة، هو مخرج ومنتج وممثل، وأهم من ذلك كله هو كاتب سيناريو. في فيلمه (بولب فيكشن) الذي رشح لسبع جوائز أوسكار، فاز تارانتينو بجائزة أفضل سيناريو، وهذا يؤكد أهميته ككاتب.

القلم وليس الكاميرا هو مدخل تارانتينو إلى السينما. وبرّر مخرج “القيامة الآن” إقدامه على هذه الانعطافة في مسيرته بهزالة مستوى الأشخاص الذين يكتبون على الإنترنت أو يسجلون البودكاستات، لهذا أكدّ بأنه لم يعد يفكّر في مستقبله، كمخرج، بل حوّل بوصلة اهتمامه نحو الكتابة، قائلا “أريد أن أكتب مسرحيات، روايات، مؤلفات حول السينما.. والآن بعدما خلعت جبة المخرج، أشعر بأنني أمتلك كامل الحرية لتقييم أعمال وأفلام الآخرين”.

كوينتن تارانتينو مؤسسة سينمائية متكاملة، فهو مخرج ومنتج وممثل، وأكثر ما يميز أفلامه عدم التزامها الخطية السردية

واستبق إعلانه بنشر عدد من مقالاته النقدية حول أفلام الستينات والسبعينات بموقع “نيو بيفرلي”.

ترعرع تارانتينو على قراءة أعمال نقدية تحمل توقيع مهنيين، ساردا أسماء بعضهم من قبيل، بولين كيل، وأندرو ساريس، معتبرا إياهما كمراجع، في زمن كان يتطلب لتكتب مقالات عن الأفلام، أن تمتلك ناصية تركيب جملة، أن تفكّر سينمائيا، وأن تكون مرسما من طرف هيئة تحرير، “أما اليوم هناك ديمقراطية صارت معها كل المتطلبات السابقة لا اعتبار لها”.

يقول تارانتينو إن “هناك ضعفا على مستوى الاستثمار في الجانب النظري، التحليل والكتابة”، كل هذا يرجّح حسب رأيه كفة من يجيدون الكتابة.

وفي ردّه عن سؤال كيف يمكن الوصول إلى كتابة نقد سينمائي جيد؟ أجاب تارانتينو “أول شيء يجب أن يكون لديك شيء ذو أهمية لقوله، أو تطوّر جدالا مطروحا، أو تثير ملاحظة ما أو تفصيلة صغيرة حول ممثل أو ثيمة أو مخرج”. وأضاف “وعلى ضوء الكتابة يجب أن أكتشف شيئا أعمق حول الفيلم، أو الأحاسيس الخاصة بموضوعه. من الممكن أن أبدأ بكتابة نقد سلبي حول الفيلم وأغيّر بعدها رأيي وأنا في الطريق. وفي النهاية لا بد أن تكون هناك خاتمة جيدة، وإنهاء المقال بطريقة مرضية”.

بتسعة أفلام فقط استطاع تارانتينو إعادة صياغة السينما وهيمن على هوليوود، فما هي الوصفة التي استخدمها السينمائي “الهاوي” للسيطرة على عقول جيل شاب ينتظر فيلما جديدا من أفلامه؟

فيلم "خيال رخيص" فتح الباب لسينما ما بعد الحداثة
فيلم "خيال رخيص" فتح الباب لسينما ما بعد الحداثة

في ستينات القرن الماضي هيمنت أفلام الويسترن (الغرب المتوحش) على صناعة السينما، وغالبا ما كانت لأبطال أفلام الغرب الأميركي شعبيتهم، فهم أصحاب المراكز الأولى في شباك التذاكر، وإن اختلفوا بين الخير والشر.

ومن أبرز الممثلين الذين لعبوا أدوار الويسترن غاري كوبر، ملك أفلام الويسترن وأول ممثل حقيقي لها، وتسلم الراية منه جون وين، وبرت لانكستر الويسترن الشرس، وكيرك دوغلاس بطل الغرب الوسيم، ليختم السلسلة كلينت استود، الذي أعاد اكتشاف الويسترن وقاد المسيرة حتى التسعينات من القرن الماضي.

ورغم ظهور أسماء كبيرة لمخرجين حملت أفلامهم مضامين وأهدافا إنسانية حينا، وسياسية أحيانا أخرى، إلاّ أن أفلام المتعة كانت سائدة في المشهد السينمائي.

عالم خاص

مؤخرا عادت هوليوود للبحث عن أفلام قديمة لإحيائها من جديد، حيث تم عرض رائعة جون واين “الشجاع الحقيقي” الذي يعتبر من الأعمال المميزة في فترة الستينات، والتي أعيد تقديمها في نسخة لعب بطولتها جيف بريدغز، وهايلي ستينفيلد، وغوش برولين ومات دايمون.

ما فعله تارانتينو شيء آخر مختلف، فهو لم يكتف بهذه النزعة الهوليوودية للنوستالجيا، بل حطم ما كان قائما، ليعيد تركيبه بصياغة جديدة، فعل ذلك ليس فقط مع أفلام الويسترن، بل مع كل الأصناف السينمائية، ليخلق عالما خاصا به، عالما يشار إليه بكلمتين لا أكثر، كوينتن تارانتينو.

وإذا صنفنا الأفلام وفق نوعيتها، مغامرات، جريمة، رومانس، رعب وكوميديا.. لن نجد مكانا بينها يناسب أفلام تارانتينو؛ أفضل ما يمكننا القيام به هو أن نضع أعماله في تصنيف خاص يفتح الباب لسينما ما بعد الحداثة.

المخرج الأميركي لم يبحث يوما عن الاختلاف، هو مختلف من اللحظة الأولى، لقد كان عرابا لفن سينمائي جديد يرفض العرابين
المخرج الأميركي لم يبحث يوما عن الاختلاف، هو مختلف من اللحظة الأولى، لقد كان عرابا لفن سينمائي جديد يرفض العرابين

تارانتينو يمتلك تفرّدا ولغة سينمائية جريئة، تتمثل بعناصر لا يمل المشاهد من تكرارها؛ مكّنه شغفه بصناعة السينما من القبض على معادلة السهل الممتنع. وبالنسبة للمتابع الخارجي يبدو تارانتينو غير عابئ للتوقّف ولو لدقيقة واحدة للالتفات إلى الوراء، ولسان حاله يقول “أنام ملء جفوني عن شواردها، ويسهر النقاد جراها ويختصم”.

هل تعمّد تارانتينو الإدهاش؟ بالتأكيد لا. هو لم يبحث يوما عن الاختلاف، هو مختلف من اللحظة الأولى، لقد كان عرابا لفن سينمائي جديد يرفض العرابين.

في زمن قصير تحوّل تارانتينو إلى مؤسسة سينمائية متكاملة، فهو مخرج ومنتج وممثل، وأكثر ما يميز أفلامه هو عدم التزامها الخطّية السردية، إلى جانب اعتمادها سخرية سوداء تجسّد العنف المفرط، وتوزيع عادل للأدوار بين نجوم مشاهير وآخرين أقل شهرة.

الثقافة الشعبية لا تغيب عن أفلامه خاصة في الموسيقى التصويرية التي هي في الغالب أغان ومقاطع مسجلة من عقد الستينات.

النشأة الأولى، وليس التحصيل الدراسي، ما سيطبع أفلام تارانتينو مستقبلا؛ حيث بدأ حياته عاملا في متجر لتأجير أفلام الفيديو، لتنطلق مسيرته المهنية في أواخر الثمانينات، عندما قام بكتابة وإخراج  فيلم “عيد ميلاد صديقي المفضل”.

أما مسيرته كصانع أفلام مستقل فبدأت مع فيلم “كلاب المستودع”، وهو الفيلم الذي وصفته مجلة إمباير بأعظم فيلم مستقل على الإطلاق. ليحصد النجومية والشعبية بفضل فيلمه الثاني “خيال رخيص” عام 1994، وهو فيلم جريمة ينتمي إلى موجة السينما النوار الجديدة، حَقّق نجاحا كبيرا على الصعيدين النقدي والتجاري.

لا يمكن الحكم على أهمية الفيلم إلاّ من خلال فهم العنوان الذي اختاره تارانتينو والظروف المحيطة به؛ حمل الفيلم عنوان “Pulp fiction” وغالبا ما ترجم إلى العربية بعنوان “خيال رخيص”، وهي ترجمة تحرم المتفرج منذ البداية من مدخل هام لإدراك أهمية الفيلم.

"اقتل بيل" أحد أشهر أعمال تارانتينو التي أتت في جزأين
"اقتل بيل" أحد أشهر أعمال تارانتينو التي أتت في جزأين

ويشير مصطلح “بولب فيكشن” إلى مجلات رخيصة، ركّزت على قصص خيالية ظهرت في الولايات المتحدة بدءا من عام 1896 واستمرت إلى نهاية خمسينات القرن الماضي، وكلمة “بولب” تعني لب الخشب، وكان يستخدم في صناعة ورق رخيص تطبع عليه هذه المجلات.

وقد يكون هدف تارانتينو من الفيلم، مجرّد سخرية من مجلات شعبية ومن محتواها، إلاّ أنه تحوّل بعد عرضه إلى أيقونة سينمائية، وحصد المركز الأول في قائمة النقاد.

وأكثر ما ميّز الفيلم هو حواراته المثيرة ومزجه الساخر بين الكوميديا والعنف، وعدم التتابع في سرد الأحداث، ليرشح إلى سبع جوائز أوسكار، من ضمنها جائزة أفضل فيلم، وفاز تارانتينو بجائزة أفضل سيناريو أصلي، ونال جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1994، ورشح جون ترافولتا لجائزة أفضل ممثل.

فاجأ تارانتينو العالم بعمل سينمائي ليس كباقي الأعمال، تاركا النقاد والجمهور حائرين في تصنيفه، رغم أنهم أجمعوا على أن الفيلم قدّم أول نموذج لسينما ما بعد الحداثة؛ رأى فيه البعض كوميديا سوداء، وصنّفه آخرون ضمن موجة أفلام الأسود والأبيض الجديدة (neo – noir) التي كسرت الأسلوب التقليدي السائد في فترة السبعينات من القرن الماضي.

وكان للفيلم تأثير شامل على صناعة السينما المستقلة، ولم يتردّد النقاد في اعتباره واحدا من أعظم الأفلام في تاريخ السينما.

سينمائي مؤثر

ما حصل مع تارانتينو يذكرنا بقصة الكاتب الإسباني ميغيل دي سيرفاتيس، مع دون كيشوت، في روايته التي نشرها على جزأين؛ الجزء الأول عام 1605، والجزء الثاني بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ. وتعد الرواية واحدة من بين أفضل الأعمال الروائية، واعتبرها النقاد أول رواية أوروبية حديثة.

ولم يكن سرفانتس، الذي كتب الرواية في السجن، وكان قد دخله بتهمة اختلاس أموال عامة، يتوقّع أن يحصل على هذا الاطراء كله؛ كان يكتب بهدف الإمتاع فقط، والسخرية من تقاليد الفرسان والنبلاء، التي انتشرت في عصره؛ ليتحوّل بطل الرواية دون كيشوت إلى رمز وأيقونة يشار إليها عند الحديث عن الأشخاص المصابين بالبارانويا، وهؤلاء الذين يصنعون أعداء وهميين.

بشرت الرواية ببداية الواقعية الأدبية، وشكّلت بداية انطلاق نوع أدبي للرواية الحديثة سيعرف باسم “الرواية متعدّدة الألحان”، والتي ستحدث تأثيرا كبيرا على الأعمال الروائية الأوروبية في وقت لاحق، من خلال تقنية الكتابة غير المشروطة، والتي تمكّن الكاتب من إظهار كل ما هو ملحمي وغنائي وتراجيدي وكوميدي في محاكاة ساخرة لجميع الأنواع الأدبية.

هذه الملحمية المتعدّدة الألحان سنجد نظيرا لها عند السينمائي تارانتينو؛ الذي جمع في كل فيلم قدّمه جميع الأنواع السينمائية.

حاصد الجوائز العالمية
حاصد الجوائز العالمية

بعد ست سنوات، عاد تارانتينو بفيلم من جزأين “اقتل بيل”، وهو من أفلام الحركة مستوحى من فنون القتال اليابانية وأفلام الويسترن وأفلام الرعب الإيطالي؛ صدرت الثنائية بجزئها الأول عام 2003، وبجزئها الثاني عام 2004.

وفي عام 2007، قدّم تارانتينو فيلمه “المضاد للموت”، شاركه الإخراج فيه صديقه روبرت رودريغيز، تلاه فيلم “أوغاد مجهولون” الذي استمر العمل فيه فترة طويلة، واستغرق إعداد النص أكثر من عشر سنوات، ويتحدّث عن تاريخ بديل خيالي، وعرض عام 2009، ليلاقي إشادة نقدية واسعة.

وأصبح أحدث أفلامه “جانغو حرا”، الذي تدور أحداثه في فترة ما قبل الحرب الأهلية الأميركية في عمق الجنوب، أعلى أفلامه إيرادا بإجمالي بلغ 425 مليون دولار.

لاقت أفلام تارانتينو نجاحا كبيرا على الصعيدين النقدي والتجاري. وحاز على العشرات من الجوائز، منها جائزتا أوسكار، جائزتا غولدن غلوب، جائزتا بافتا وجائزة السعفة الذهبية بكان، وترشّح أيضا لجائزة غرامي وجائزة إيمي، ووصَفه صانع الأفلام والمؤرخ بيتر بوغدانوفيتش بـ”المخرج الأكثر تأثيرا في جيله”. وكانت مجلة تايم الأميركية قد اعتبرته واحدا من بين أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم.

16