كيت أشتون سينوغرافية تقرأ النص المسرحي ضوئيا

الاثنين 2015/01/26
أشتون تجعل من الضوء في مسرحها قيمة مضافة

تجارب كيت أشتون في استخدام الضوء والظلام لقراءة الأعمال المسرحية المعاصرة، باتت تجارب تشكل علامة فارقة وتحظى باهتمام كبير، وذلك لقدرتها المتميزة على قراءة النصوص والأعمال المسرحية وإيجاد معدلات صورية وضوئية، فيها كثير من الابتكار والتعمق في قراءة العمل المسرحي بتنوع الأساليب والتجارب.

ترسخت في الأذهان مسرحية “موت بائع متجول” للكاتب ذائع الصيت آرثر ميللر، وقد قدمت على الخشبة مئات المرات في أنحاء العالم، كما تم إعدادها للسينما أيضا، وهي تعد من عيون الأعمال المسرحية على مستوى العالم، حيث نال عنها ميللر جائزة البوليتزر، وجوائز عديدة أخرى وعرضت لأول مرة في العام 1949.

منذ ذلك الحين عرضت أكثر من 700 مرة، لتكون أشتون واحدة ممن جربوا التعبير عنها من خلال الحل السينوغرافي-الضوئي، قراءة درامية قدمت على مسارح نيويورك، وانتقلت فيما بعد إلى مدينة أبوظبي في العام 2011، وكانت من إخراج روبين بوليدو.

وبالرغم من العناصر الحوارية الأساسية التي شكلت العنصر الأساس والأكثر أهمية، إلاّ أن معالجة أشتون تميزت بقدرة فائقة في الخروج عن نمطية الشكل التعبيري إلى تحميل الضوء قيما مضافة.

ونجد أن أشتون تمضي قدما في التجريب، فنجدها تعيد معالجة الشكل في مسرحية “ميديا”، وهي المسرحية ذائعة الصيت من الموروث المسرحي اليوناني ومن تأليف الكاتب المسرحي الشهير “يوريبيديس”.

فكرة انتقام المرأة من زوجها لوحدها تعطي نموذجا عن صراع أضداد محتدم وعميق، لكن معالجة أشتون جعلت الشخصيات وكأنها تعوم في عتمة أزماتها، في ظل تداع متلاحق لا تخرج الشخصيات منه، إلاّ بذلك التدفق من النور الذي تعيد إنتاجه أشتون كأحد الحلول الإضائية التعبيرية التي لفتت الأنظار إليها، وهي تجربتها الثانية مع المخرج روبين بوليدو نفسه، لكنها هذه المرة وجدت نفسها أمام الكثافة التي ينطوي عليها العمل الكلاسيكي، وعليها أن تخرج منه بحصيلة غزيرة على جميع المستويات، فهناك هذا التنوع في الشخصيات انطلاقا من “ميديا” نفسها، ثم زوجها جاسون وبعده الصراع مع ابنة ملك كورنثة في تتابع تعبيري ثري وعميق.

أشتون تعتني أشد العناية بالشخصيات وهي تعيش أزماتها الذاتية، فتتوقف عندها مرارا وتبرز معاناتها وتحولاتها وترصد ما هي عليه

أما في مسرحية “طفل القمر”، فإن أشتون تنحو منحى أكثر تجديدا ومعاصرة من منطلق الفكرة التي انطوى عليها العرض نفسه، فضلا عن الحل الإخراجي الذي اهتدى إليه المخرج.

فالشخصيات المعاصرة هنا أدت أدوارها، وهي في ما يشبه الهباء السديمي المجهول الذي سعت من خلاله إلى تأكيد ذاتها، تنوع ما على ما هو مجهول وعميق، ثم يتضح بالتدريج من خلال فصول العمل، أما أشتون فكانت حلولها الإضائية مرافقة لهذا النمو التصاعدي.

لكنها في بعض الأحيان بدت أكثر صخبا في التعبير عن أفكار الشخصيات، بل إنها تتجه باتجاه إيجاد معادلات في النور تشكل خطا موازيا للديكور والمكان، وهو ما أضفى على العمل عناصر جمالية إضافية ملحوظة.

وإن كانت أشتون اهتدت إلى هذا الحل، فإنها تؤكد أن المحور الأساس في الحل الذي اهتدت إليه هو الشخصية، فهي تعتني أشد العناية بالشخصيات وهي تعيش أزماتها الذاتية، فتتوقف عندها مرارا وتبرز معاناتها وتحولاتها وترصد ما هي عليه.

وفي عمل من أعمال الكاتب الإيطالي الشهير لويجي بيرانديلو “فوضى”، الذي عرض على مسارح أبوظبي، وهو من إخراج روبين بوليدو، تناور أشتون في قراءتها له من خلال التكامل مع الديكور المرسوم وحركة الشخصيات، شخصيات تتفاقم أزماتها وهي تعيش صراعا ذاتيا لا تعبر عنه مباشرة، ولهذا تقرؤه أشتون قراءتها الخاصة فتقدم حلا بصريا مؤثرا وملفتا، استطاعت من خلاله أن تفصح عن الشخصيات وتتعمق في تحولاتها.

تجارب أشتون (التعبيرية-الصورية-الإضائية) تتنوع وتقدم وفرة من الحلول الجمالية التي تستحق القراءة وتستحق التحليل أيضا، فهي تتنقل بين أقصى الكلاسيكيات إلى التجارب الأكثر حداثة وتعبيرا عن معضلات الإنسان، وصولا إلى تجارب أخرى انتقلت فيها إلى الأوبرا والرقص التعبيري، وهو ما عرفت به أيضا في العديد من الأعمال التي قدمتها في العدديد من الصالات والمسارح العالمية.

16