كيت بلانشيت وروبرت ردفورد يستحقان الأوسكار بجدارة

الأحد 2015/11/29
يستند الفيلم إلى كتاب "الحقيقة والواجب: الصحافة الرئيس وامتياز السلطة"

في لحظة ما في الربع الأخير من فيلم “الحقيقة” عندما نشاهد روبرت ردفورد يقف متأملا في شرفة كبيرة تطلّ على شوارع المدينة التي تمتلئ بناطحات السحاب، ندرك أننا لم نخرج لمدة أكثر من 80 دقيقة خارج المكاتب والقاعات والمنازل التي تدور فيها أحداث هذا الفيلم الجديد المثير للاهتمام من جميع زواياه.

لكننا نتابع الأحداث التي تدور في الداخل دون أن نشعر للحظة واحدة بالتململ، بسبب نجاح مخرج هذا الفيلم في استخدام كل إمكانيات الأماكن، مع حركة الكاميرا التي تستغل كل زاوية وركن، كما يتلاعب بالمنظور أحيانا عندما يجعل شاشة التلفزيون حاضرة في الكثير من المشاهد سواء في الخلفية أو في المقدمة، أو يجعل الشخصيات تتحرك وتتحدث بينما يعرض التلفزيون تقارير تتقاطع مع الزمن: تقرير عن معتقل أبو غريب في العراق، الرئيس بوش الابن أثناء حملته الانتخابية الثانية، مقابلة مع بوش بعد فوزه في الانتخابات، مقابلات مع أناس عاديين في الشوارع بعد فضيحة التقرير الذي بثته قناة سي بي إس حول الرئيس بوش.. إلخ.

هذا فيلم من نوع الدراما التسجيلية عن أحداث حقيقية، وهو في الوقت نفسه، بورتريه لشخصية الصحفية “ماري”، منتجة البرامج السياسية المثيرة للجدل في قناة سي بي إس، وأشهرها برنامج “60 دقيقة”، والمأزق الذي قادها إليه طموحها للعثور على الحقيقة.

إننا نشاهدها في بداية الفيلم وهي تجلس أمام محام قصدته لكي يساعدها في مواجهة المأزق الذي وقعت فيه بعد بث الحلقة التي توجّه فيها أصابع الاتهام الى الرئيس جورج دبليو بوش، بالتمتع بمعاملة خاصة أثناء فترة تجنيده في أوائل السبعينات. ماري تسأل المحامي بعد أن تشرح له الأمر: هل تصدقني؟ يجيبها المحامي المحنك “ليس مهمّا أن أصدقك أنا.. المهم أن يصدّقوك هم”. وقرب النهاية، بعد أن تخوض ماري معركتها ضد “المؤسسة” بكل قوة وصمود، حتى لو فقدت وظيفتها، رافضة الالتزام بما نصحها به المحامي بضرورة تجنب المواجهة مع أعضاء لجنة التحقيق التي شكلتها سي بي إس ومعظمهم من المحافظين، يصافحها المحامي بتقدير كبير لدفاعها الحار عن قضيتها أمام اللجنة، ثم يقول لها: إنني أصدقك!

ربما يكون أداء كيت بلانشيت وروبرت ريدفورد هنا الأفضل على الإطلاق منذ بدء مسيرتهما في عالم السينما

هذه اللحظة هي ذروة هذا الفيلم الذي يعد الأول الذي يخرجه كاتب السيناريو الأميركي البارع جيمس فاندربيلت. وبين البداية التي تجعل المحامي متشككا في قدرة موكلته على النجاة من المأزق، إلى النهاية بعد أن أصبح موقنا بأنها ستربح القضية لكنها ستخسر الوظيفة، نتابع أحداث الفيلم الذي يناقش للمرة الأولى بكل هذا العمق ووضوح الرؤية والقوة موضوع العلاقة بين الصحفي والمؤسسة، ليس فقط جهة العمل بل المؤسسة السياسية المهيمنة بأفكارها بشكل عام، وسطوة جمهور الطبقة الوسطى الذي أقنعته “المؤسسة” السائدة بأهمية التمسك بالصدق والابتعاد عن التزييف و”الفبركة” بينما تظل الحقيقة غائبة، فكما تقول ماري أمام لجنة التحقيق: يصبح الحديث عن المصادر وعن التلاعب وعن الأفكار السياسية للصحفي وعن حياته الخاصة وكثير من التفاصيل الأخرى الصغيرة في مقدمة الاهتمام المعلن، بينما تختفي النقطة الأساسية التي كانت مثارة من الأساس والتي لم يعد أحد يتساءل بشأنها.

في 2004، كانت الصحفية ماري مابس (كيت بلانشيت) مسؤولة الإنتاج في محطة سي بي إس، قد أصبحت ملء السمع والبصر بعد أن نجحت في الكشف عن فضيحة معتقل أبو غريب في العراق والممارسات البشعة التي وقعت بحق المعتقلين العراقيين. وقد اتجهت بعد ذلك للبحث بمعاونة فريق متكامل في قسم الأخبار في سي بي إس، في السجل العسكري للرئيس بوش الابن، فحصلت على وثائق تثبت أنه استطاع التهرب من الخدمة في فيتنام نتيجة علاقات والده بدوائر السلطة، فألحق أولا بالحرس الوطني بولاية تكساس لكنه لم يخدم يوما واحدا في وحدته العسكرية، ثم تقدم بطلب لإعفائه فخرج مبكرا بعد 9 أشهر فقط!

الوثائق التي حصلت عليها ماري من ضابط سابق تم التحقق من صحتها عن طريق بعض خبراء الخطوط لمضاهاة التوقيعات المختلفة لعدد من الضباط الذين كانوا مسؤولين في تلك الفترة، لكن لم يتم تماما التحقق من مصدرها أي من الجهة التي حصل منها الضابط السابق على تلك الوثائق التي هي في الحقيقة صور وليست أصولا. لكن ما يحدث أن ماري تقرر المضي قدما في بث التحقيق ضمن برنامج “60 دقيقة”، ويتولى تقديمه دان راثر أشهر مذيعي القناة وأكبرهم وأكثرهم خبرة وتجربة وشهرة (يقوم بدوره في الفيلم روبرت ريدفورد).

وبعد بث البرنامج تقوم القيامة، وينبري البعض عبر شبكة الإنترنت، في التشكيك في صحة تلك الوثائق والادعاء بأنها كتبت على برنامج “مايكروسوفت وورد” وباستخدام أحرف لم يكن لها وجود في ذلك الوقت على أيّ من الآلات الكاتبة المتوفرة في أوائل السبعينات. هنا تصبح الكرة في ملعب المحطة التليفزيونية وماري وزملائها، فقد أصبح يتعين عليهم الآن إثبات صحة موقفهم، فينجحون في إثبات وجود تلك الأحرف التي تعود لبرنامج كتابة النصوص من الثلاثينات، ثم تنجح في إقناع المصدر الأصلي بأن يتحدث أمام الكاميرا مع دان راثر، لكنه يتعثر ويتناقض في إجاباته.

ترتبط ماري بعلاقة تشبه علاقة الابنة بأبيها مع دان راثر (ريدفورد)، فهو عندها بمثابة الأب البديل، فوالدها الحقيقي رجل فظ، لا يتورع عن إدانتها علانية في أجهزة الإعلام مصرحا بأنها تخفي أجندة نسائية راديكالية، وأنها كانت منذ انتخاب الرئيس بوش ضده، تسعى للتشهير به، أي أنها تفتقد الحياد الذي يجب أن يتحلى به الإعلاميون. يتحول الأمر إلى فضيحة كبرى تهز أميركا، تواجهها سي بي إس بتشكيل لجنة تحقيق (مستقلة) من شخصيات عامة، تستجوب أعضاء فريق البرنامج وعلى رأسهم دان وماري.

وينتهي الأمر بأن تقرر اللجنة عدم وجود دافع سياسي في حالة ماري لتشويه بوش، لكن سي بي إس تعفي ماري من وظيفتها، بعد أن تكون قد استغنت عن خدمات دان راثر الذي يعلن على الهواء وقوفه مع حرية التعبير ومع حق الصحفي في البحث عن الحقيقة.

تعفي المحطة التلفزيونية ماري من وظيفتها وتستغني عن خدمات دان راثر

الحقيقة والواجب

يستند الفيلم إلى كتاب “الحقيقة والواجب: الصحافة الرئيس وامتياز السلطة” الذي تروي فيه “ماري مابس” قصتها، والآن بعد عشر سنوات من صدور الكتاب يأتي الفيلم ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة التي تناولت العلاقة بين الصحافة والسلطة، وربما يكون أشهرها فيلم “كل رجال الرئيس” الذي يتناول دور الصحافة الأميركية في كشف فضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة الرئيس نيكسون. وفيه يقوم روبرت ريدفورد بدور بوب وود وارد الصحفي في صحيفة “واشنطن بوست” الذي كان مع زميله كارل برنشتاين وراء التحقيقات الصحفية التي أزاحت الستار عن الحقيقة.

على العكس من “كل رجال الرئيس” الذي عرض عام 1976، وكان يحتفي بدور الصحافة الليبرالية الأميركية في البحث عن الحقيقة مهما كانت العواقب، يصور فيلم “الحقيقة” هزيمة الصحافة وكيف أصبحت مصداقية البرامج التلفزيونية الإخبارية على المحك بسبب عدم تحرّي الدقة والوقوع في الأخطاء والتقديرات المتسرعة، وخصوصا أن المصدر الرئيسي للوثائق التي اعتمدت عليها ماري وابس، قام بتغيير شهادته أكثر من مرة، مما أدى إلى فقدان الموضوع للمصداقية، لكن الفيلم يشير إلى أن ماري، التي نشاهد الأحداث في معظمها من وجهة نظرها، كانت مدفوعة أساسا بالرغبة في الوصول إلى الحقيقة، كما أن هناك ملابسات كثيرة ليست في حاجة إلى إثباتات، تشير إلى أن بوش الابن، تلقّى معاملة خاصة أثناء فترة تجنيده الإجباري، كفلت له عدم الذهاب إلى فيتنام.

في أحد أهم مشاهد الفيلم، عندما تنتهي لجنة التحقيق المستقلة من استجواب “ماري”، ينهض أعضاء اللجنة، يرفعون أوراقهم، ويتأهبون للانصراف، لكن ماري تطلب منهم الانتظار متسائلة في تحد واضح: ألا ترغبون في توجيه أسئلة لي بخصوص قناعاتي السياسية؟ لقد وجّهتم أسئلة بهذا الخصوص إلى كل زملائي فلم لا تسألوني وأنا الآن أمامكم؟

يقول لها رئيس اللجنة ببساطة إنهم كانوا يحاولون التأكد أنها لم تمارس ضغوطا على مساعديها، وأنها لم تكن مدفوعة بخدمة فكر سياسي معين، فيقول لها أحد أعضاء اللجنة إنها فشلت في إثبات صحة الوثائق التي اعتمدت عليها، والتي من الواضح أنه تمّ تزويرها من قبل شخص معروف بعدائه لجورج بوش الابن.

هنا تنبري هي في رد رفيع مكتوب ببراعة شديدة مع أداء كيت بلانشيت التي لا شك أنه يترك تأثيرا كبيرا على المشاهدين، فتتساءل إن هذا الشخص المزعوم، لا بد أنه قد بحث ونقب ونظر في عشرات الوثائق والمخابرات والتقارير والمدونات الخاصة التي تتعلق بسجل جورج بوش القديم خلال خدمته العسكرية، وعاد سنوات بعيدة إلى الوراء، ولا شك أنه دقق في كل حرف وكلمة وكيف كانت مكتوبة وقتها، فهل يعقل أن رجلا يبذل كل هذا الجهد طيلة سنوات، يأتي بعد ذلك ليقوم بتزوير وثيقة على برنامج مايكروسوفت وورد؟!

ترتبط ماري بعلاقة تشبه علاقة الابنة بأبيها مع دان راثر (روبرت ريدفورد)

ثلاثة عوامل

لا شك أن من أسباب نجاح الفيلم فنيّا العوامل الثلاثة الرئيسية التي تكفل نجاح أيّ فيلم أولا: السيناريو المحكم الذي لا يترك شيئا دون أن يتابعه، ولا يهمل أيّا من التفاصيل، يهتم بتجسيد ملامح الشخصيات وأولها بالطبع شخصية ماري: كأمّ وزوجة محبة لزوجها، وصحفية مجتهدة تتعامل بجدية مع عملها، كما يهتم بتصوير تلك العلاقة الخاصة بينها وبين دان، ويجعلها العلاقة البديلة للعلاقة المفقودة بوالدها.

وفي الوقت نفسه لا يخلق السيناريو أبطالا أو شهداء، كما لا يرغم المتفرج على تبنّي وجهة نظر محددة، بل يهتم أكثر بالكشف ببراعة من خلال نسج الأحداث، عن الآلية التي يعمل من خلالها النظام الأميركي: العلاقة بين أصحاب المصالح السياسية والقائمين على القنوات التلفزيونية مثلا، وكيف يتقرر مثلا تأجيل بث البرنامج إلى حين الانتهاء من الانتخابات (لكي لا تؤثر على الرأي العام بشأن بوش الابن الذي ينجح بالفعل للمرة الثانية)، كما يوازن الفيلم بين الطرفين: الصحافة أو بالأحرى ماري وفريقها الباحث عن الحقيقة من ناحية، وضحايا تلك الرغبة المحمومة في إنقاذ سمعة القناة بكل الوسائل ولو بالضغط على مصدر المعلومات وإرغامه على تكرار القول إنه كذب عليهم، إلى أن يوشك الرجل وهو مريض محتبس الأنفاس، على الانهيار. وعندما تواجه زوجته ماري وفريقها ونائبة مدير القناة، تكشف لهم كم هم أنانيون لا يهتمون سوى بإنقاذ رقابهم.

العامل الثاني في نجاح الفيلم هو الإخراج الذي ينجح في تقديم صورة واقعية دقيقة لكل تفاصيل العمل داخل محطة كبرى من محطات التلفزيون، مع تحقيق قدر كبير من التوازن في الانتقال بين الشخصيات المتعددة من فريق العاملين، وتجسيد مواقفهم المختلفة، مع الاستخدام الموحي للضوء وحركة الكاميرا، فهو يستخدم مثلا الكاميرا الحرة المهتزة في مشهد من مشاهد الذروة في الفيلم عندما تختطف ماري سماعة الهاتف من يد زوجها لتحادث والدها وترجوه أن يتوقف عن الإساءة إليها في وسائل الإعلام، قبل أن تنهار في نوبة من البكاء.

العامل الثالث هو التمثيل. فلا شك أولا في براعة ودقة اختيار الممثلين، كما أن الممثلين جميعا ينجحون في التعايش مع الشخصيات التي يؤديها كل منهم، خاصة وأنها شخصيات حقيقية مازالت موجودة في الواقع، هنا يصبح مطلوبا من الممثل التعبير عن مغزى الشخصية في الدراما، عن قوّتها وضعفها، عن علاقتها بالموضوع وبغيرها من الشخصيات، من خلال أداء مقنع لا يجنح إلى المغالاة في التعبير عن المشاعر. وربما يكون أداء كيت بلانشيت وروبرت ريدفورد هنا الأفضل على الإطلاق منذ بدء مسيرتهما في عالم السينما.

16