كيث هارينغ أيقونة "البوب آرت" العرضي الزائل

الخميس 2013/09/12
كيث هارينغ: أيقونات سياسية بروح المجتمع

باريس –الـ«ستريت آرت» أو فنون الشارع، هي حركة فنية معاصرة، جمعت كل أشكال الفن الذي يتم إنجازه في الشارع أو الأماكن العامة، وتشمل عدة تقنيات مثل الغرافيتي والفسيفساء والملصقات والمعلقات وقوالب التلوين. ومن خصائص تلك الفنون أنها عرضية زائلة في معظمها، ولكنها في الوقت نفسه جماهيرية تتوجه إلى عموم الناس مجانا، لها عشاقها وأعلامها مثل الأميركي كيث هارينغ (1958-1990) الذي أقيم له مؤخرا معرض استعادي عنوانه «الخط السياسي»، بمتحف الفن المعاصر بباريس.

برغم عمره القصير الذي لم يتجاوز واحدا وثلاثين عاما، ترك كيث هارينغ بصمة واضحة في مسيرة الفن المعاصر، والنقاد يعدّونه أشهر فنان ظهر في تلك الفترة، شارك في معارض دولية كثيرة، بأعمال متفردة ذات أسلوب يُستدل إليه بسهولة، مرسومة على القماشة أو غطاء «الباش» أو منحوتة بشكل خاص، مثلما دعي إلى إنجاز جداريات ضخمة، أشهرها تلك التي تحتل مساحة هامة في مستشفى نيكر بباريس.

ذلك أن هارينغ، بخلاف زملائه الذين يكتفون بالتعبير عن احتجاجهم على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، عبر رسوم الغرافيتي في أنفاق المترو وعلى القطارات وفي الساحات وعلى جدران المباني، كان يرفض آنية تلك الأعمال التي ترسم ليلا في غفلة من أعين الرقباء، ثم يمحوها أعوان البلدية في الفجر الطالع، ويحرص على أن يحقق لها ديمومة، توفر لها الانتشار خارج زمنها وفضائها الجغرافي، وهو ما جعله يستعين بوسائل الإعلام لترويجها، ونشر أفكاره الداعية إلى العدالة الاجتماعية والحرية الفردية والتغيير، حتى عُدّ أيقونة "البوب آرت".

لوحة لفنان يلامس مشكلات الناس


سرعة ومرونة


يتسم كيث هارينغ بالبراعة في الرسم وسرعة الإنجاز، ساعده في ذلك استعداد فطري ثم التحاقه بمعهد الفنون البصرية بمدينته لصقل موهبته، مثلما يمتاز بالجد والمثابرة والإقبال على فنه بنهم، وهو ما يفسر هذا الكمّ الهائل الذي تركه من بعده، فالمعرض وحده قد ضم منها مائتين وخمسين أثرا فنيا من لوحات على القماش وأخرى على «الباش» وثالثة على ملصقات المترو subway drawings ورابعة بالغة الضخامة مثل «الوصايا العشر»، التي أنجزها عام 1985، وينتقد فيها النظام الرأسمالي من خلال حشد علامات عن الشيطان والجحيم مع دولارات مبعثرة ورؤوس ثعابين.

بدأ هارينغ يمارس هذا الفن في سن مبكرة، تحدوه رغبة جامحة في تغيير العالم، وعزم على مقاومة الرأسمالية والعنف وخطر الحرب النووية وتدمير البيئة وشتى أشكال العنصرية، خصوصا الميز العنصري الذي كان سائدا في جنوب أفريقيا، وعاش حياته فنانا مناضلا حتى وفاته بمرض الإيدز. وكان يداوم هو أيضا الرسم أثناء الليل، بعيدا عن المتاحف وأروقة الفنون، باستعمال طبشور أبيض على اللافتات الإشهارية السوداء لمترو نيو يورك بمنطقة «إيست فيلاج»، التي شهدت ظهور الثقافة البديلة على اختلاف أوجهها في مطلع الثمانينات، مع تركيز واضح على الخطوط التي تؤطر الشخصية أو الرسم، حتى صارت تلك علامته المميّزة، قبل أن ينتقل إلى الألوان الفاقعة المحاطة هي أيضا بخطوط سود بارزة. وكان عمله في البداية يقابل بالاستهجان والاستنكار بدعوى أنه يشوه وجه المدينة ويزعج راحة سكانها، فلمّا ذاع صيته وصار مطلوبا بدأ يرسم في كل مكان.


دمقرطة الفن


يعتبر هارينغ من الأوائل الذين اختاروا الرسم في الفضاءات العامة، مثلما اختار الشارع وجدرانه وسيلة للتعبير، حتى يلامس أكبر قدر ممكن من الناس، ويحسسهم بهذا النوع من الفن، الثائر على الأنماط السائدة، فهو من جيل يؤمن بضرورة دمقرطة الفن، على غرار الواقعيين في القرن التاسع عشر، وتشريك جمهور غير الجمهور الذي يرتاد المتاحف وينفق مالا، إن كان قليلا أو كثيرا، لتأمل هذه اللوحة أو تلك. فالعلاقة التي يقوم عليها الـ»ستريت آرت» هي علاقة تبادل أطرافها ثلاثة: الفنان، الشارع والمار. مبدأ التبادل هذا أو الاشتراك هو أمر جوهري في تصور الـ»ستريت آرت»، لأنه فن يمارَس بالأساس في الشارع وبالشارع، حتى وإن كان جمهوره غير مخيّر، لأن الأعمال الفنية تُفرض عليه فرضا بمجرد مروره، فيقبل عليها بالنظر والتأمل، ولو بصورة فضولية، أو ينفر منها ويزهد فيها وفي مضامينها.

وإذا كان هارينغ يعترف بأنه مناضل، فلا يعني ذلك أن أعماله كلها ذات مضامين سياسية، وإلا صار الفن مجرد وسيلة وليس غاية جمالية في حد ذاتها. فهو فنان أولا وأخيرا، استطاع أن يبتدع -هو وبعض رفقائه مثل كينّي شارف وأندي وارول- تيارا فنيا قائم الذات، تفتح له أبواب أعرق المتاحف وأشهر المعارض. يقول ألان كابروف: «الفن تحول من مادة خاصة داخل رواق إلى المحيط المديني الحق». فما من مدينة في الغرب، حديثة أوعتيقة، إلا وفي فضائها العام جداريات لكبار فناني الـ»ستريت آرت». إذ أن هذا التيار صار عالميا، له أقطابه وممثلوه في أوروبا وأميركا أمثال زيفس، وشيبارد فيري، وأبوف، وسبيس إنفادر، وبانسكي ورون إنكليش وميس تيك وكاشنك، الذين يلتقون في مجموعة موحدة لها نفس الاهتمامات، تماما كالانطباعيين أو التكعيبيين في السابق، ويعرضون أعمالهم في رواق واحد، هو الشارع.

16