"كيدي".. وثائقي يرصد التغيرات في إسطنبول على وقع حركات قططها

الأربعاء 2017/02/15
الوجه الآخر لإسطنبول

إسطنبول - محمد وموجغان أورهان زوجان تركيان يتشاركان حب القطط. بعد زواجهما راحت الأفكار تراودهما في مدينة إسطنبول، من أجل إنجاز عمل يخدم البيئة ويوفر وسطا آمنا لقطط الشوارع. عاش الزوجان في إسطنبول ينتظران اليوم الذي سينفذان فيه حلمهما، إلى أن شاهدا الفيلم التركي “فيلسوف المزرعة”، الذي شكل نقطة فارقة في حياتهما.

دفع الفيلم، الذي يسرد قصة شخص سئم حياة المدينة والأماكن المزدحمة فيترك كل شيء وراءه ويتجه إلى الطبيعة، الزوجين إلى بيع سيارتهما والسفر إلى الجنوب وتحديدا إلى بلدة قونية في ولاية أنطاليا، حيث استأجرا قطعة أرض على مساحة دونمين كاملين.

راح محمد وموجغان يجمعان قطط الشوارع التي تبحث عن الدفء والطعام والشراب، وبدآ بشراء بعض الخشب والمستلزمات لنصب بيوت أطلقا عليها اسم “فيلات” وأحواض مياه، فضلا عن مرافق وألعاب أخرى، ضمن مشروع متكامل أطلقا عليه اسم “قرية القطط”.

ويبدو أن ولع الزوجين التركيين بالقطط ليس أمرا نادرا بين سكان إسطنبول، الذين يقول أحدهم “من دون القطط، ستفقد إسطنبول جزءا من روحها”. جاء هذا التصريح ضمن شريط وثائقي حمل عنوان “كيدي” (قطط). يأخذ الفيلم مشاهديه في رحلة مختلفة بين أرجاء إسطنبول أبطالها قطط شوارع العاصمة السياحية لتركيا.

وتعيش مئات الآلاف من القطط في شوارع إسطنبول، حيث نشأت بينها وبين سكان المدينة الذين يقارب عددهم 16 مليون نسمة علاقة خاصة. ويحترم السكان النزعة المتحررة و”البرية” للقطط، وهي في المقابل تلاعبهم وتتسكع بارتياح بينهم وتقترب منهم بألفتها المعهودة وتضفي على حياة المدينة ميزة جمالية، يعكسها جمال قطط الأنجورا والفان.

وتعتبر أرض الأناضول موطنا لسلالات الأنجورا والفان، وهي من أجمل أنواع القطط البيضاء، وتشتهر بأن لكل عين من عيونها لونا مختلفا. قطط الفان لديها ولع غير عادي بالمياه، مما يجعلها تستقر في أماكن تقع قرب أكبر بحيرة في تركيا. ووفقا للحكاية التي يسردها سكان إسطنبول كان زوج من هذه القطط على متن سفينة النبي نوح. وعندما استقرت السفينة على قمة جبل أرارات، قفز زوجا القطط من السفينة وسبحا نحو الشاطئ.

وتقدم المخرجة جيداء تورون، التي عاشت في إسطنبول إلى سن 11 عاما، صورة عن الحياة في هذه المدينة لكن ليس من خلال سكناها من البشر بل من خلال سكناها من القطط. أبطال الفيلم سبع قطط رئيسية تتابعها الكاميرا مصورة حركاتها وسكناتها التي تتسق مع حركة شوارع إسطنبول وتعكس أجواءها.

وقالت تورون في تصريحات صحافية، إن القطط حاضرة منذ قرون في إسطنبول وأن عددها في أنحاء المدينة قد يكون يماثل عدد سكانها.

وأضافت “بدأنا في تصوير الفيلم عام 2014؛ دامت مدة التصوير قرابة 180 ساعة، وخلال مونتاج الفيلم رأينا أننا نتعرف على إسطنبول وسكانها من خلال قططها”. وتابعت “إننا مشغولون بأسلوب حياتنا اليومية؛ لكن عندما نرى قطة في الشارع نمنح أنفسنا دقيقة من أجل اللعب معها. الحقيقة أن القطط تمنحنا دقائق للاستراحة من دوامة الحياة”.

التضخم السكاني ومشاريع البنية التحتية الضخمة يغيران ملامح المدينة ويعقدان الحياة فيها على البشر والقطط

وخلال التجول بشوارع المدينة وأحيائها السكانية ترصد الكاميرا أطباقا متواجدة هنا وهناك بعضها فيه طعام وآخر فيه ماء، وضعها سكان تلك المنطقة لتأكل وتشرب منها قطط الشوارع. وفي لفتة أخرى تعكس هذا الاهتمام أنشأ أحد المتطوعين صندوقا خاصا للتبرع يذهب ريعه لفائدة مشروع قانون الطب البيطري للحيوانات المريضة أو الجريحة.

وتقول جيداء تورون “لاحظت أن طبع القطط يختلف من حي لآخر. ففي الحي الذي يهتم الناس فيه بالقطط تكون أكثر حيوية وعندما نقوم بالتقاط صورها لا تبتعد عن الكاميرا. في الحقيقة القطط كالمرآة نرى فيها الأشياء التي نعيشها. وأعتقد أن كل من يشاهد الفيلم سيجد شيئا يشبهه. لأن كل من شاهده إلى الآن وجد شيئا من شخصيته”.

وانتقل هوس أهالي إسطنبول بالقطط من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، حيث رصد تقرير لمجلة “ذي إيكونومسيت” أن أكثر 66 ألف شخص يتابعون صفحة “قطط إسطنبول” على فيسبوك، فيما تنتشر على إنستغرام مواقع كثيرة تعرض صور قطط إسطنبول. وفي موقف يؤكد هذا الاهتمام الخاص بهذه الحيوانات، تم مؤخرا إنشاء تمثال يخلد ذكرى قط شهير في تركيا يحمل اسم تومبيلي.

واستمد هذا القط، الذي فارق الحياة في أكتوبر الماضي، شهرته من صورة له تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي يبدو فيها جالسا على الرصيف وكأنه يفكر. ووصل عدد متابعي صفحة القط تومبيلي على موقع فيسبوك نحو 32 مليون مستخدم. وجاء نحت التمثال تنفيذا لمطالبات حوالي 177 ألف شخص دعوا على مواقع التواصل الاجتماعي السلطات المحلية إلى نحت تمثال تذكاري للقط. ونصب في المكان الذي التقطت فيه الصورة المشهورة.

وانتشرت أيضا على مواقع التواصل ووسائل الإعلام التركية والعالمية صورة شهيرة أخرى يظهر فيها إمام جامع عزيز محمود هدايي، في منطقة أوسكودار بإسطنبول، وهو يلاعب القطط. ودفع الصيت الذي لقيته صورة “الإمام محب القطط” وسائل إعلام تركية رسمية، من بينها وكالة الأناضول، للترويج للإسلام باعتباره دين تسامح ورحمة.

وأعرب الإمام مصطفى أفا في حوار مع وكالة الأناضول عن دهشته من أن العالم بات يربط الإسلام بالوحشية والهمجية، حتى أن وسائل الإعلام الغربية تناولت صوره مع القطط، كما لو أنها تعيد اكتشاف الإسلام من جديد، ووضعت لها بعض وسائل الإعلام عنوانا “صور تحطّم الإسلاموفوبيا”، تأكيدا على أن “جوهر الدين الإسلامي هو الرفق والرحمة”.

ولم تكن هذه الصورة بمنأى عن الخلافات السياسية في المجتمع التركي الذي يسوده الاستقطاب، حيث علقت جهات معارضة على المتابعة الإعلامية التي حظيت بها صور الإمام والقطط، بأنها تهدف إلى دعم الصورة التي يرغب في ترسيخها نظام حزب العدالة والتنمية. فحين يتحدث أحد رواد جامع عزيز محمود هدايي، ويقول إنه كان يعاني من فوبيا القطط في الماضي، إلا أن ارتياده للجامع جعله يتخلّص من تلك العقدة شيئا فشيئا، فإن ذلك وفق المعارضين يتناسب مع السياسات الاجتماعية للنظام الحاكم.

ويرصد الفيلم الوثائقي “قطط”، الذي عرض أول مرة خلال مهرجان إسطنبول السينمائي في دورة 2016، أنه خلال العهد العثماني أنشئت أوقاف ومؤسسات خيرية تهتم بالقطط، على النقيض مما يجري في أوروبا في القرون الوسطى، حيث كان الأوروبيون يخشون القطط ويبغضونها.

لكن، مثلما ينقل الجانب المشرق لحياة القطط في إسطنبول، يكشف الفيلم عن الوجه الآخر للحياة في هذه المدينة، من خلال القطط، التي شأنها شأن سكان إسطنبول تتأثر سلبا بالتضخم السكاني والتنمية الحضرية وارتفاع نسبة النزوح من الريف إلى المدينة ومشاريع البنية التحتية الضخمة، وحتى الأزمات السياسية، التي غيرت ملامح المدينة في السنوات الأخيرة وعقّدت الحياة فيها على البشر والقطط.

12