كيرك دوغلاس أيقونة هوليوودية وصهيوني حتى الرمق الأخير

النجم الأميركي الشهير كيرك دوغلاس أو إيغور دانيلوفيتش يودع الحياة عن 103 سنوات بعد مسيرة غنية منح خلالها فن السينما ملامحه الأساسية الباقية حتى الآن.
الأحد 2020/02/09
عرف عن كيرك دوغلاس كثرة زياراته إلى إسرائيل والوقوف عند حائط المبكى

أخيرا فارق النجم السينمائي الأميركي الشهير كيرك دوغلاس الحياة بعد أن تجاوز المئة بأكثر من ثلاث سنوات، فهو من مواليد التاسع من ديسمبر 1916، لعائلة من المهاجرين اليهود الروس. وكان دوغلاس الوحيد الباقي على الحياة من بين كوكبة من نجوم عصره وكبار السينمائيين الذين منحوا فن السينما ملامحه الأساسية الباقية حتى الآن.

يعتبر كيرك دوغلاس، واسمه الحقيقي إيشور دانيلوفيتش، من أكثر الممثلين نشاطا، وقد شارك في أكثر من 90 فيلما، كما عمل في التلفزيون والمسرح. وقبل التحاقه بالبحرية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، قام بتغيير اسمه إلى كيرك دوغلاس جريا على ما كان يفعله الكثير من أقرانه اليهود الذين التحقوا بصناعة السينما الأميركية، وذلك بغرض إخفاء يهوديتهم، والاندماج في أوساط الطبقة الوسطى الأميركية، ولكن أساسا من أجل الحصول على القبول من جانب جمهور السينما. ولعل من المميز في تكوين دوغلاس أن ملامحه الشكلية الخارجية لم تش بيهوديته شأن كثيرين غيره من نجوم السينما ذوي الأصول اليهودية مثل وودي ألين أو والتر ماتاو مثلا، فهو ينتمي إلى ما يعرف بـ”يهود اخزر” أي اليهود القادمين من القوقاز والذين اعتنق جدودهم اليهودية وليس اليهود الأصليين الذين ينتمون إلى الشرق.

ظهر كيرك دوغلاس لأول مرة في السينما في فيلم «الحب الغريب لمارتا إيفرز» عام 1946. أما أهم وأكثر أفلامه بقاء في ذاكرة المشاهدين العرب فهو فيلم “سبارتاكوس” (1960) الذي أخرجه ستانلي كوبريك. وفيه يقوم بدور زعيم العبيد الذي يقودهم للثورة على الإمبراطورية الرومانية، لكن الثورة تنتهي بمقتله والسيطرة على العبيد الثائرين.

عن “سبارتاكوس” كتب هنري شيهان في مجلة “سايت آند ساوند” عدد أغسطس 1991: عندما بدأ ستانلي كوبريك في إخراج “سبارتاكوس” كانت هناك خلافات حول المخرج الذي يصلح لإخراج ذلك الفيلم الكبير الذي رصدت له ميزانية من 12 إلى 15 مليون دولار. وكانت الشركة المنتجة للفيلم قد طردت المخرج المخضرم مايكل مان بعد أن أكمل إخراج المشهد الأول الذي يصور سبارتاكوس، العبد الذي سيتزعم التمرد في ما بعد، وكان يعمل في خدمة الرومان في الصحراء الليبية. ولا تزال أسباب طرد مايكل مان غامضة حتى اليوم، ولكن من خلال المشهد الذي أخرجه بلقطاته الحية والذي ظل في مكانه في بداية الفيلم، يمكننا القول إن تمسكه الشديد برؤيت

سبارتاكوس.. الفيلم الذي صنع نجومية كيرك دوغلاس
سبارتاكوس.. الفيلم الذي صنع نجومية كيرك دوغلاس

وقد امتد ذلك الإحساس إلى النجم كيرك دوغلاس الذي اشترك مع شريكه إدوارد لويس في إنتاج الفيلم من خلال شركة «برينا» التي أسساها سويا، فقد كانت لدى دوغلاس رؤية محددة عن الفيلم وعن الشخصية الرئيسية فيه، وهي رؤية لم يتردد في الإفصاح عنها أو حتى فرضها. وبسبب الميزانية الكبيرة للفيلم، فرض مديرو الإنتاج في شركة يونيفرسال إشرافا دقيقا على تنفيذ الفيلم، وكانوا يواجهون مشكلات أخرى في ذلك الوقت، فقد كانت ملكية الشركة في مهب الريح، إلى أن استقر الوضع في ما بعد خلال التصوير، بعد أن قامت وكالة" إم.سي.إيه" بشراء شركة يونيفرسال، وهنا أصبح ليو واسرمان الذي كان وكيلا لبطل الفيلم ومنتجه كيرك دوغلاس، رئيسا له.

وإذا كان هذا كله يأخذنا بعيدا عن الأسماء الأهم التي ساهمت في صنع «سبارتاكوس» فلعل هذا يوضح إلى أي مدى وصل صراع القوى في ذلك الوقت.

أما المضمون السياسي للفيلم فهو يرتبط بإثنين من أعضاء القائمة السوداء في هوليوود هما هوارد فاست مؤلف الرواية وناشرها، ودالتون ترومبو كاتب سيناريو الفيلم.

وكان ترومبو وهو يقضي عقوبة السجن لمدة عشرة أشهر بسبب رفضه التعامل مع لجنة النشاط المعادي إبان الحملة المكارثية، قد بدأ حملته ضد القائمة السوداء، فقام بتهريب سيناريو باعه سرا باسم مستعار. أما مع سيناريو «سبارتاكوس» فقد قرر ترومبو استخدام اسمه الحقيقي للمرة الأولى منذ عشر سنوات لتحقيق هدفين: الأول تحدي القائمة السوداء (وقد شجعه على ذلك ما أعلنه أوتو بريمنجر من أنه سيضع اسمه الحقيقي على فيلم «الخروج») وثانيا، إعادة الخط اليساري الليبرالي إلى صناعة السينما الشعبية في هوليوود.

رغم ما يتمتع به كيرك دوغلاس من شعبية، ورغم أنه معروف مع أبنائه وأشهرهم مايكل دوغلاس بمواقفهم الليبرالية المؤيدة للحزب الديمقراطي، ورغم ذلك كان كيرك دوغلاس دائما صهيونيا متحمسا، ولم يجد أي تناقض بين رفض الفاشية وتأييد إسرائيل استنادا إلى يهوديته.

وقد كتب رسائل إلى السياسيين الديمقراطيين من أصدقائه. وهو يقول في مذكراته التي أصدرها بعنوان “دعونا نواجه هذا” (2007) إنه شعر بأنه مضطر للكتابة إلى الرئيس الأسبق جيمي كارتر في عام 2006 للتأكيد على أن “إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة الناجحة في الشرق الأوسط، وأنها كانت دائما تواجه المخاطر، وإذا خسرت إسرائيل حربا واحدة، فسنخسر إسرائيل”.

كيرك دوغلاس ظهر لأول مرة في السينما في فيلم"الحب الغريب لمارتا إيفرز"  أما أكثر أفلامه بقاء في ذاكرة المشاهدين العرب فهو فيلم "سبارتاكوس"

زار كيرك دوغلاس إسرائيل مرات عدة، وشارك بالتمثيل في عدد من أهم الأفلام الصهيونية التي أنتجتها هوليوود منذ بداية تأسيس إسرائيل. وموقفه من العرب معروف وسافر، وقد أدلى بتصريحات معادية للعرب قبل وأثناء حرب عام 1967، وقام بالتبرع بالمال لإسرائيل مرات كثيرة أشهرها خلال الحملة التي بدأت في أميركا بعد اندلاع تلك الحرب لدعم المجهود الحربي الإسرائيلي، واستمر في كل الأوقات يوظف قدراته ومواهبه وشهرته لخدمة إسرائيل.

من الأفلام الصهيونية التي شارك فيها كيرك دوغلاس: «الحاوي» عام 1953، وكان أول فيلم يصور في إسرائيل ويحتفل بتأسيس الدولة الصهيونية، و«الظل العملاق» عام 1966، و«نصر في عنتيبي» عام 1977، و«تذكر الحب» عام 1983.

التقى كيرك دوغلاس مرات عدة بزعماء إسرائيل وظهر في برامج تلفزيونية في التلفزيون الإسرائيلي، وفي العشرات من الصور واللقطات التي استخدمها الصهاينة في الدعاية السياحية، ومنها صورة له مع مدير فندق «هيلتون» تل أبيب، وصور أخرى مع تيدي كوليك عمدة القدس الأسبق. ورغم ذلك فقد حاول بعض الصحافيين العرب التقرب منه وإقناع الرأي العام العربي بأن كيرك دوغلاس «فنان أولا وأخيرا». ومثال على ذلك ما نشرته مجلة «المستقبل» التي كانت تصدر في باريس في عددها رقم 86 الصادر في 14 نوفمبر 1978، أي بعد أشهر قليلة من الاحتفال

الإسرائيلي بالذكرى الثلاثين لتأسيس إسرائيل التي شاركهم فيها كيرك دوغلاس بطريقته الخاصة. فقد نشرت المجلة المشار إليها، مقابلة أجراها رغيد الشماع بعنوان «كيرك دوغلاس: أنا نادم على اشتراكي في فيلم ‘عملية عنتيبة’ (والمقصود فيلم نصر في عنتيبي)”. وفي المقابلة أشار كيرك دوغلاس إلى أصله اليهودي الروسي، وكرر أنه فنان قبل كل شيء. وعندما سأله الصحافي الذي أجرى معه المقابلة عن الفيلم الصهيوني الذي اشترك فيه عن عملية عنتيبي، قال دوغلاس «أعتبر أنني لعبت دورا جيدا في فيلم جيد لا أكثر ولا أقل.. أنا لم أشترك في عملية دعائية. أنا مثلت دورا ولم أبشر بعقيدة». وبعد حوار طويل قال إنه نادم على اشتراكه في الفيلم المشار إليه. ومع هذا فقد قام بعد ذلك ببطولة فيلم آخر صهيوني في إسرائيل هو فيلم «تذكر الحب».

وفي عام 1983 وبمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس «إسرائيل»، وجه كيرك دوغلاس رسالة تحية إلى إسرائيل مليئة بعبارات الحب والغزل، واستخدم الصهاينة هذه الرسالة في الدعاية لإسرائيل سياحيا وسينمائيا ونشرتها مجلة «سكرين إنترناشيونال» البريطانية ضمن ملحق دعائي مدفوع عن السينما الإسرائيلية

رغم ما يتمتع به كيرك دوغلاس من شعبية، ورغم أنه معروف مع أبنائه وأشهرهم مايكل دوغلاس بمواقفهم الليبرالية المؤيدة للحزب الديمقراطي، كان هذا الفنان دائما صهيونيا متحمسا
رغم ما يتمتع به كيرك دوغلاس من شعبية، ورغم أنه معروف مع أبنائه وأشهرهم مايكل دوغلاس بمواقفهم الليبرالية المؤيدة للحزب الديمقراطي، كان هذا الفنان دائما صهيونيا متحمسا

«لقد حققت فيلمي الأول في إسرائيل ‘الحاوي’ قبل ثلاثين عاما. في ذلك الوقت كان الطعام في إسرائيل قليلا، وكان الجميع يقتصدون في الطعام باستثناء طاقم العاملين في الفيلم.

واقتضى الأمر مرور شهر إلى أن أدركت أنني بينما كنت أتناول كل صباح عجة البيض، كان الإسرائيليون يحصلون على بيضتين فقط شهريا. الآن هناك مطاعم فاخرة أنيقة تقدم مختلف أنواع الطعام في أرجاء تلك الدولة الصغيرة. وقد رأيت هذا كله عندما كنت هناك مؤخرا أثناء حرب لبنان (يقصد الغزو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في عام 1982) وبالمناسبة، نصحني كثيرون بعدم الذهاب إلى إسرائيل في ذلك الوقت، وقالوا لي إن الوضع قد أصبح محفوفا بالمخاطر. على العكس، فقد شعرت وشعر معي كل العاملين في فيلم ‘تذكر الحب’ بالأمان التام. إن القيام بجولة على الأقدام في المساء لتجربة استرخائية جميلة”.

 ظل دوغلاس نشطا رغم تقدمه الكبير في العمر، وكان يتمتع بالقدرة على المشي والحديث بل ظل يكتب مدونات على الإنترنت. وقد كتب دوغلاس 10 كتب في السيرة الذاتية والرواية من أهمها كتاب “أنا سبارتاكوس: إنتاج فيلم، واختراق القائمة السوداء”، وفيه يكتب عن الفيلم الشهير الذي قام ببطولته مع توني كيرتس ولورانس أوليفييه وتشارلز لوتون وجين سيمونز. وقال“كان هناك ضعف في جميع أنحاء البلاد. كانت لجنة مجلس النواب المعنية بالأنشطة غير الأميركية تبحث عن الشيوعيين الذين كانوا يعتقدون أنهم سيسقطون حكومتنا. لقد اتهم العاملون في السينما بوجه خاص ولاسيما الكتاب. لقد كان وضعا مروعا في هوليوود بعد أن أصبحت قائمة سوداء”.

تزوج مرتين، وكانت زوجته الأولى الممثلة ديانا ديل، والدة ابنيه مايكل وجويل. وقد استمر الزواج سبع سنوات، وبعد الطلاق استمرت الصداقة بينهما حتى توفيت ديانا عام 2015. وأنجب دوغلاس من زواجه الثاني من آن بويدينز الألمانية المولد، ولدين آخرين هما إريك وبيتر. وفي عام 2004، توفي إريك بسبب جرعة مخدرات زائدة، وهو ما أحزن دوغلاس كثيرا وظل طويلا يزور قبر ابنه كل أسبوع.

 في عام 1988، حصل كيرك دوغلاس على أعلى جائزة مدنية في أميركا، وسام الحرية، لجهوده الإنسانية كسفير أميركي غير رسمي في جميع أنحاء العالم. وكان يشعر بالفخر وهو يرى ابنه مايكل يسير على خطاه. وفي كتاب سيرته الذاتية الذي أصدره عام 1988 بعنوان ابن راغمان، يتذكر قائلا “قبل سنوات، حاولت أن أنسى أنني كنت يهوديا”، لكن في وقت لاحق من حياته المهنية بدأ “يسيطر على ما يعنيه أن يكون يهوديا” “وأصبح هذا موضوعا مهما في حياته”. وفي مقابلة أجريت معه عام 2000 شرح مغزى الانتقال الذي مر به من إنكار يهوديته أو إخفائها، ثم إعلانها والتباهي بها. وهو ما حدث مع سينمائيين كثيرين من أمثال سبيلبرغ وكلود ليلوش وبولانسكي.

15