كيسنجر المهاجر الألماني المحرك التاريخي للبيت الأبيض

الأحد 2014/03/30
كيسنجر خرائط الشرق الأوسط وضرورة إبقاء النزاع

عندما تقدّمت الدبابات السورية في عمق الأراضي اللبنانية، كان اسحق رابين والقيادة العسكرية الإسرائيلية يبثون تصريحاتهم القلقة بين الوقت والآخر مع كل كيلومتر تقطعه تلك الدبابات ثم يصمتون حين تتوقف بعد قليل، ولكن صمتهم هذا كان سببه اتصالات هنري كيسنجر بتل أبيب التي قال فيها بالحرف الواحد: “صديقي إيزاك أنت لا تعرف ما الذي اتفقنا عليه، حدودهم ستكون الليطاني، فلا تقلق”.

وكان هذا جزءاً بسيطاً مما اتفق عليه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأكثر مكراً ودهاء في تاريخ وزارات الخارجية الأميركية عبر العصور، مع قادة الشرق الأوسط خلال جولاته المكوكية التي لم تنته إلى بعد ترسيخ واقع جديد، ما تزال شعوب المنطقة تدفع ثمنه حتى هذه اللحظة.


من الجيش إلى نوبل للسلام


ولد كيسنجر في العام 1923 باسم هاينز ألفريد في فورث في ألمانيا لأسرة يهودية ومع صعود النازية هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة. ليتطوّع، بعد أن سمّى نفسه هنري، في الجيش الأميركي زمن الحرب العالمية الثانية وليحصل على الجنسية الأميركية في العام 1943، بعد الحرب حصل كيسنجر على منحة للدراسة في هارفارد حيث درس العلاقات الدولية، وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، وأصبح مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي في العام 1969، وشهد وشارك في صناعة واقع أليم في أكثر بقاع العالم تفجّراً ولكن أيضاً أكثرها صلة بنفوذ الولايات المتحدة، وفي فيتنام على سبيل المثال أشرف كيسنجر على المفاوضات مع الفيتناميين الشماليين التي أدّت إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، الأمر الذي تم بناء عليه منح كيسنجر جائزة نوبل للسلام للعام 1973.


وزير الخارجية وساحة الشرق


تزامناً مع حصوله على نوبل للسلام تم تعيين كيسنجر وزيراً للخارجية في عهد الرئيسين نيكسون وفورد، فعرف بدوره المؤثر على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال جولاته في المنطقة بعد حرب أكتوبرـ تشرين الأول 1973، في إطار سياسته المعروفة بسياسة الخطوة خطوة، وأفضت هذه الجولات، والدور المحوري الذي قام به كيسنجر، إلى التوصل إلى اتفاقيات الفصل بين القوات الإسرائيلية من جهة والسورية والمصرية من جهة أخرى، إذ يرى كيسنجر أن حرب أكتوبر 1973، “انتهت دون تحقيق انتصار عسكري لكلا الطرفين” وأنه كان يجب على الأميركيين دعم إسرائيل كيلا تهزم وأيضاً بدء “عملية سلام”.

في الوثائق التي تغطي فترة ما عرف بجولات كيسنجر المكوكية في الشرق الأوسط، بهدف فك اشتباك القوات المصرية والإسرائيلية في قناة السويس، والقوات السورية والإسرائيلية في مرتفعات الجولان، يمكننا العثور على الكثير وجميعه يفسّر الواقع الحالي بحذافيره، يقول كيسنجر للسادات في إحدى تلك الاجتماعات الماراثونية التي أجراها في المنطقة: “طلب الإسرائيليون فتح طريق باب المندب للسفن الإسرائيلية، وأنا قلت لهم إن هذا شرط سهل أيضا. وأيضاً السماح للسفن الإسرائيلية باستعمال قناة السويس، عندما تنظف، وتفتح للملاحة مرة أخرى” فقال السادات:” هذا موضوع سياسي وليس عسكرياً” فبادر كيسنجر :” أنا أنقل لك ما قالوا فقط. الشرط الآخر انسحاب كل القوات والمتطوعين الأجانب من مصر” فقال السادات: ” هذا اقتراح سخيف”، ولكن كيسنجر تابع الشروط الإسرائيلية: “تحديد أجهزة لمراقبة ومتابعة تنفيذ الاتفاقية. وهذا شيء مفهوم، أما الشرط السادس فأنا لا أفهمه جيدا، وهوعن عدم التدخل في رحلات الطائرات المدنية” ليتدخل سيسكو (مساعد وزير الخارجية للشرق الادنى): “يقصدون أن تسمح مصر بمرور الطائرات الإسرائيلية فوق أراضيها إلى الدول الإفريقية، ومنها”، ويتابع كيسنجر : “أعتقد أن هذا يخص مفاوضات السلام النهائية”، فيفهم السادات الرسالة: ” إنهم يريدون رفع المقاطعة عنهم، هذا موضوع سياسي وليس عسكرياً”.

يقول كيسنجر: أعتقد أن ما يراه بوتين في العاصمة الأوكرانية كييف هو تجربة لما نريده أن يحدث في روسيا، إن قضية تغيير النظام تجعل بوتين أكثر ريبة، وهو يعتقد أن تفكك الاتحاد السوفياتي كان كارثة تاريخية كبيرة


استثمار الحرب لصنع اتفاقية السلام


وفي مكان آخر من الشرق كان كيسنجر سيجتمع مع الملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز، في جلسة مباحثات تناولت مرحلة ما بعد حرب أكتوبر 1973 وكذلك قرار الملك فيصل بتطبيق الحظر النفطي العربي. قال الملك فيصل لكيسنجر: “أنا متأكد بأن إسرائيل ستنسحب في نفس اللحظة التي تعلنون فيها أنكم لن تحموها، ولن تدافعوا عنها، ولن تدللوها” وأضاف الملك فيصل: ” قبل تأسيس إسرائيل، لم يوجد ما يعرقل العلاقات بين العرب واليهود. ولم يكن هناك سبب يدعو العرب لمقاومة اليهود. وكان هناك يهود كثيرون يعيشون في دول عربية، وكنا نسميهم (اليهود العرب). وقبل مئات السنين، عندما عذب اليهود في أسبانيا (على أيدي محاكم التفتيش الكاثوليكية)، حماهم المسلمون (في دولة الأندلس). ما يحدث الآن ليس إلا مشاكل خلقتها إسرائيل، بخططها، ومؤامراتها”.

بدأ كيسنجر بحديثه مع الملك فيصل بالشكل التالي: “اطلعت على بعض آرائكم عن السلام في الشرق الأوسط، يا صاحب الجلالة. وأتمنى أن تكون عندكم ملاحظات أخرى لأنقلها إلى الرئيس نيكسون”، فأجابه الملك:” طبعا، كل أملنا هو أن يعم السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. تعرفون آرائي في هذا الموضوع. وهي باختصار كالآتي: لن يكن هناك سلام واستقرار إذا لم تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وإذا لم يعد الفلسطينيون إلى وطنهم. ولهذا، نحن نتمنى أن يتحقق ذلك بأسرع فرصة ممكنة. ونتمنى أن يسمح للعرب بأن يعودوا إلى علاقة الصداقة مع أصدقائهم الأميركيين. ونتمنى أن يقود هذا السلام وهذه الصداقة، تلقائيا، إلى تخفيض النفوذ الشيوعي في المنطقة”، ثم أشار الملك فيصل بإشارة جارحة ومقصودة بحق كيسنجر: ” أنا أقدر صراحتكم. وأبادلك الصراحة. وأقول لكم إن مواطن أية دولة يجب أن يدين بالولاء لهذه الدولة (للولايات المتحدة)، لا لدولة أخرى (إسرائيل)”.

يقول كيسنجر: إنني مع الإطاحة ببشار الأسد، لكن الخلاف بيننا والروس حول هذه المسألة هو إصرارهم على أن الإطاحة بالأسد ليست المسألة، بل هي كسر إدارة الدولة على غرار العراق، حيث لا يتبقى مَن يمسك بها


كيسنجر واستخدام حافظ الأسد


كان هنري كيسنجر مؤمنا بدور هام واستراتيجي يمكن لحافظ الأسد لعبه في المنطقة، بعد ترسيخ وقف إطلاق النار مع الإسرائيليين، وقال كيسنجر عن الأسد إنه “من أذكى الشخصيات التي قابلها، وهو الشخص الوحيد القادر في سوريا على جذب كل الحبال، والموازنة بين الفئات والأجنحة الحاكمة المختلفة، واتجاهاتها ومطامحها الخاصة، التي تتضارب عادة حتى حافة الصدام المسلح”، وشرح في مذكراته التحديات التي واجهها خلال تفاوضه مع الأسد، فكان كيسنجر معجباً بالدكتاتور السوري، وقد أكثر من وصف المباحثات بينهما وصوّرها على أنها شاقة ومتعبة بفضل ذكاء الأسد، فيقول: ” رغم وجود مترجم واحد لدى ابتداء المفاوضات بيني وبين الأسد. وبعد ساعات عدة من المحادثات الشخصية بيننا، التي غالبا ما كانت تمتد حتى ساعة متقدمة من الليل، كان الرئيس السوري يدعو مساعديه المقربين منه، العسكريين والمدنيين، ثم يطلب مني استعراض جولة المحادثات كلها مرة أخرى. فهو عن طريق إرغام زملائه على سماع كل ما جاء في المناقشات، كان الأسد يقوم بأكثر من التفاوض معي، بل أكثر من إلزام مستشاريه بهذه المناقشات. إذ كان يقوم في الواقع بتعزيز قاعدة قوته الداخلية” وأضاف كيسنجر: “لقد كانت سياسة داخلية فعالة على حساب الكثير من ليالي الأرق التي عانيتها”.

تلك الطريقة التي تعامل بها كيسنجر مع الأسد والصورة التي نقلها للعالم من خلال تقاريره لإدارته، جعلت مهمته التالية سهلة للغاية حين قرّر تفويض الأسد بمعالجة ملفات خطرة في المنطقة، تصفية منظمة التحرير الفلسطينية، احتلال لبنان عسكرياً وتغيير معالم الصراع على أراضيه، وتفكيك الحركة الوطنية اللبنانية العلمانية لتعزيز وجود اليمين المسيحي المتطرف وتكريس دور الأحزاب الدينية الشيعية وثمن ذلك كلّه كان غض النظر عمّا يحصل داخل سوريا، وكذلك استمرار الأسد في الحكم بتطويب جديد أميركي.

مع الإطاحة ببشار الأسد ولكن

يعتبر الأميركيون أن هنري كيسنجر صاحب معجزات كبيرة، تم تحقيقها أثناء عمله في البيت الأبيض، مثل الانسحاب من فيتنام، وفصل القوات على الجبهة العربية الإسرائيلية في العام 1974، وزيارة الرئيس الأميركي نيكسون للصين، ومعاهدة الحد من التسلح SALT التي عقدت مع الاتحاد السوفياتي ودوره في الإعداد للسلام في الشرق الأوسط، وبعد مغادرته الخارجية عينه الرئيس ريغان في العام 1983 رئيساً للهيئة الفيدرالية التي تم تشكيلها لتطوير السياسة الأميركية تجاه أميركا الوسطى، وقام الرئيس جورج بوش (الابن) بتعيينه رئيساً للجنة المسؤولة عن التحقيق في أسباب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ـ أيلول 2001 وهو من حدّد الخصم والهدف.

قال الملك فيصل لهنري كيسنجر قاصدا التلميح إلى ولائه: أنا أقدر صراحتك. وأبادلك الصراحة. وأقول لكم إن مواطن أية دولة يجب أن يدين بالولاء لهذه الدولة (للولايات المتحدة)، لا لدولة أخرى (إسرائيل)

ولكن كيسنجر لم يتوقف عن الاشتغال على قضايا العالم، فقد فاجأ الرأي العام في العالم والعالم العربي، بتصريحاته في محاضرته التي ألقاها في ندوة نيويورك، في “مدرسة جيرالد فورد للسياسة العامة”، بجامعة ميشيغان، إذ رأى أن الوضع في سوريا اليوم يواجه ثلاث نتائج: ” انتصار للأسد. انتصار للسنّة. أو نتيجة تنطوي على قبول مختلف القوميات بالتعايش معاً، ولكن في مناطق مستقلة ذاتياً على نحو أو آخر، بحيث لا تقمع بعضها البعض. هذه هي النتيجة التي أفضّل رؤيتها تتحقق. لكنها وجهة نظر لا تحظى بشعبية”، ويشرح كيسنجر: “سوريا، أوّلاً، ليست دولة تاريخية Historic State. لقد خُلقت، في هيئتها الراهنة، سنة 1920، وأُعطيت هذه الهيئة بغرض تسهيل سيطرة فرنسا على البلد، وكان ذلك قبل انتداب الأمم المتحدة. العراق، البلد الجار، أُعطي بدوره هيئة عجيبة، لتسهيل سيطرة إنكلترا. وهيئتا البلدين صُمّمتا على نحو يجعل من الصعب على أيّ منهما أن يسيطر على المنطقة”. ذلك يمكّن كيسنجر من الجزم بأنّ الوحدة الوطنية السورية مصطنعة، ولا تقوم إلا على قبائل مختلفة ومجموعات إثنية، فيتابع هكذا: “الصحافة الأميركية تصوّر الحرب في سوريا وكأنها نزاع بين الديمقراطية والدكتاتور، والدكتاتور يقتل شعبه ومن واجبنا معاقبته. لكنّ الحال في مجملها هي نزاع إثني وطائفي، ويتوجب عليّ القول إننا أسأنا فهمه منذ البداية”.

يقول كيسنجر: “إنني مع الإطاحة بالأسد، لكنّ الخلاف بيننا والروس حول هذه المسألة هو إصرارهم على أنّ الإطاحة بالأسد ليست المسألة، بل هي كسر إدارة الدولة على غرار العراق، حيث لا يتبقى مَن يمسك بها. عندها سوف تواجهون حرباً أهلية أسوأ. هذه هي الكيفية التي جعلت الفوضى تأخذ شكلها الراهن”. ويعتبر كيسنجر أن الثورات العربية أو ما عرف بربيع العرب، انتهت إلى نقيضها، فيقول: ” ليبيا بلا دولة، ومصر تتحكم بها أغلبية إسلامية ناخبة”، وأمّا في سوريا، فإنّ الأمر يعكس النزاع القديم، العائد إلى آلاف السنين، بين الشيعة والسنّة، ومحاولة الأغلبية السنّية استرداد الهيمنة من الأقلية الشيعية وهذا هو السبب في أنّ الكثير من مجموعات الأقليات، كالدروز والكرد والمسيحيين، ليسوا مرتاحين للتغيير في سوريا”.


أوكرانيا في عين عجوز السياسة


أما عن أوكرانيا، والثورة التي فجّرت أطماع الروس في القرم وضمّها فيما بعد فقد اعتبر كيسنجر أن الطريقة التي يرى فيها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سير الأحداث والاضطرابات بين الحكومة والمعارضة بالدولة المجاورة أوكرانيا، هي ما يهم في الأمر، وقال في لقاء مع سي أن أن الأميركية: ” أعتقد أن ما يراه بوتين في العاصمة الأوكرانية كييف هو تجربة لما نريده أن يحدث في روسيا، إن قضية تغيير النظام تجعل بوتين أكثر ريبة”. ثم يضيف: “بوتين يعتقد أن تفكك الاتحاد السوفياتي كان كارثة تاريخية كبيرة، لذلك فإن من الواضح أن الجزء الأكبر من هذا الاستقلال هو أوكرانيا والـ50 مليون نسمة الذين يقطنوها، وأنه لا يمكن أن يكون غير مبال”.

وأخيراً فإن كثير من الاصطلاحات الرائجة في لغة الصحافة السياسية اليوم، كانت من ابتكار هنري كيسنجر، “عملية السلام” وليس “السلام”، إجراءات منح الثقة، بدلاً عن “الانسحاب من الأراضي المحتلة”، تبادل الأراضي، وغيرها، قام هنري كيسنجر باستخدامها في اجتماعاته مع الرؤساء العرب، وظلّ يكررها، حتى أدخلها في روعهم والفرق العاملة معهم، وكذلك الإعلام العربي، ذلك التغيير الكبير في اللغة السياسية، كان بداية التغيير في الخرائط فيما بعد.

8