كيفما نرى أنفسنا تكون صحتنا

المقارنة مع الآخرين تؤثر في التقييم الذاتي للياقة والصحة والتوقع السلبي للتجاوب مع الدواء يحد من أثره العلاجي.
الاثنين 2018/04/16
كلما كان تصورنا لأنفسنا إيجابيا تمتعنا بصحة أفضل

لندن – كشفت بحوث حديثة ارتباطا مفاجئا بين قناعات الأفراد وصحتهم العامة، فالبعض يفترض دائما الأسوأ في ما يتعلق بصحته البدنية، ما يضر فعلا بالصحة.

فقد اطلع العلماء بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة على بيانات تتعلق بـ61 ألف شخص بالغ، مسجلين على مدار21 عاما عشرات القياسات، بما في ذلك التمارين التي زاولها الأشخاص، والأهم من ذلك كيف قارنوا ما مارسوه من تمارين بما مارسه أقرانهم من نفس العمر. وخلال تلك الفترة، توفي بعض المشاركين في الدراسة جراء أمراض عدة.

وبتحليل العناصر المختلفة التي ربما أسهمت في الحالة الصحية للمشاركين، كشف الباحثون أمرا غير متوقع، وهو أن الذين اعتقدوا بقلة ما مارسوه من تمارين مقارنة بأقرانهم، توفوا قبل الذين اعتقدوا بتفوقهم في التمارين، حتى وإن كان مقدار التمارين في الحالتين متساويا.

وأشارت هيئة الإذاعة البريطانية، بي.بي.سي، إلى أن النتيجة لم تتغير بعد أخذ الحالة الصحية السابقة للمشاركين في الاعتبار، وكذلك العوامل من قبيل التدخين وخلافه.

ورغم دور الرياضة في العمل على إطالة العمر، ألمحت الدراسة إلى أن التقييم الذاتي أمر لا يمكن إغفاله.

 

يرى الباحثون أن صحة الجسم وتوازنه لا يتوقفان فقط على ما يمارسه المرء من تمارين رياضية، بل يعتمد أيضا وبشكل كبير على الكيفية التي ينظر بها لنفسه مقارنة بالأشخاص الذين يحيطون به، فكلما كانت نظرته لنفسه إيجابية كانت صحته أكثر توازنا

وقالت أوكتافيا تسارت، الباحثة صاحبة الدراسة بجامعة ستانفورد، إن خبرتها الشخصية كانت وراء إجرائها هذا البحث. فبانتقالها إلى سنوات الدراسة في كاليفورنيا، وجدت تسارت نفسها محاطة بأشخاص مولعين بالرياضة، وبدا عليهم أنهم يمضون جل أوقاتهم في صالة التمرين.

وحين كانت تسارت تعيش في لندن كانت تظن نفسها ممن يتمتعون بلياقة عالية، إذ كثيرا ما كانت تتنقل على دراجتها فضلا عن رياضات أخرى. أما بمقارنة نفسها بأقرانها الجدد، فقد رأت أن لياقتها متدنية بشدة.

وعندها تساءلت عما إذا كان مجرد الاعتقاد بتدني المستوى البدني مقارنة بآخرين قد يؤثر سلبا على الصحة، وهو ما أثبته البحث لاحقا.

فقد توصلت “تسارت” إلى أن احتمالات الوفاة زادت بما يصل إلى 71 بالمئة بالنسبة لمن ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أقل نشاطا، مقارنة بالذين اعتقدوا بتفوقهم على الآخرين رياضيا.

وربما لا يصدق البعض النتيجة التي توصلت إليها تسارت حتى يعرف أن هناك على الأقل ثلاثة أسباب قد تجعل مجرد الظن يؤثر على الصحة.

أول تلك الأسباب هو أننا ببساطة نقلق أكثر إذا ما اعتقدنا أننا لا نبذل ما يكفي من نشاط. ومع سيل التنويهات الصحية، ورؤية الجميع من حولنا معنيين بمواصلة التمارين، قد يستبد بنا القلق أكثر مما يضر بصحتنا.

كذلك يتحمس المرء أكثر للتمرن إذا رأى في نفسه أنه ذو جسد رياضي موفور النشاط، فيدفعه ذلك لمزيد من التمارين، للحفاظ على تلك الصورة. هذا الافتراض تدعمه دراسة أُجريت عام 2015 أظهرت أن اعتقاد المرء بتدني لياقته أسوة بأقرانه يجعل توقفه كليا عن الرياضة بعد عام أمرا أكثر ترجيحا.

وبدلا من أن تحفيز الرغبة في منافسة الآخرين على المزيد من التمارين، يدفعُ المرء الشعور بخيبة الأمل إلى التوقف إذا رأى أنه لا يطيق مجاراة أقرانه.

أما التفسير الثالث، فيتعلق بعكس أثر الإيحاء المعروف؛ فإذا كان الجسم مثلا يتجاوب بشكل أفضل مع دواء إذا توهم المريض نجاعته، فإن التوقع السلبي يحد في المقابل من الأثر الفسيولوجي للعلاج.

وفي حالة الرياضة، ربما كان المرء نشطا كالآخرين، غير أن اعتقاده بخلاف ذلك يحول دون تمتعه بالفائدة الكاملة لما يمارسه من نشاط.

وإذا نظرنا لعمال النظافة بالفنادق، نجدهم يزاولون يوميا نشاطا بالغا، إذ يتطلب عملهم الكثير من المشي في ردهات الفندق، ودفع الأشياء وحملها، ناهيك عن الجهد المبذول في تنظيف الأرضيات والحمامات والكنس وتغيير أغطية الفراش، إلى آخره.

المتدرب يتحمس أكثر للتمرن إذا رأى أنه ذو جسد رياضي ونشط، فيضاعف التمارين، للحفاظ على تلك الصورة

 ومع ذلك، توصلت دراسة في عام 2007 إلى أن هؤلاء العمال لم يعتبروا ذلك رياضة، حتى جاءت آليا كرام، من جامعة ستانفورد، لتطلع نصف هؤلاء الموظفين على القدر الهائل من الرياضة التي يمارسونها دون أن يعوا ذلك!

وبعد أربعة أسابيع، وُجِد أن هؤلاء العمال فقدوا وزنا، وتراجع ضغط الدم المرتفع لديهم في بادرة على تحسن صحتهم؛ أي أن إدراكهم لما انطوى عليه عملهم من ممارسة للرياضة ترك أثرا إيجابيا على أجسادهم، ربما لأنهم عملوا بحماسة أكثر أو بفعل الإيحاء السالف ذكره.

يشبه ذلك دراسة أُجريت عام 2003، حول الارتباط بين إدراك السن والحالة الصحية عموما، فقد سُئل سبعة آلاف موظف بريطاني عن السن الذي باعتقادهم ينتصف العمر عنده وبعده تبدأ الشيخوخة.

وبتحليل الباحثان هانا كوبر ومايكل مارموت للبيانات، توصلا إلى أن من اعتقدوا أن الشيخوخة تبدأ في سن الستين أو أقل، زادت احتمالات إصابتهم لاحقا باعتلالات خطيرة بالقلب، عمن اعتقدوا أن الشيخوخة تبدأ في السبعين أو بعدها.

وربما كان المجيبون بأن الشيخوخة تبدأ في الستين قد قالوا ذلك لشعورهم بأنهم شاخوا فعلا ووهنت صحتهم، وربما لظنهم أن زمنهم ولى وفات، فيأسوا من التمرين، وهو ما أثر تباعا على صحتهم، وربما كانوا أكثر توجسا وقلقا من الشيخوخة فتضررت صحتهم جراء القلق. وربما التقت تلك التفسيرات مع الآليات المحتملة في الدراسة الأولى عن مقارنة النفس بالآخرين.

ومازال ينقصنا من الإجابات الكثير، لكن هناك شيئا آخذا في الاتضاح، وهو ضرورة الانتباه لما نتصوره عن صحتنا عموما.

ولا يخلو الأمر من معضلة بالنسبة إلى العاملين في المجال الطبي، فهم عليهم من ناحية أن ينبهونا لضرورة النشاط وعدم الامتناع عن الرياضة، ومن ناحية أخرى تشير الدراسات إلى أن الإحباط جراء عدم إحراز الأهداف الصعبة ينعكس سلبا على الصحة! وحاليا لا نعرف يقينا ما يجب اتباعه لتحقيق أفضل النتائج.

17