كيفيات استفحال داء البغضاء والحقد والعدوان

الاثنين 2016/09/26

عندما يشعر المتدين بأنّه يملك دينا “يعلو ولا يعلى عليه”، لكنه دين “مغلوب على أمره”، فالنتيجة، إن لم تكن شفاء مستعجلا بواسطة تنمية القدرة على الإبداع العلمي والفني والأدبي والفلسفي، وتجديد الطاقة الحيوية، وتفعيل الطموح الإنساني، فقد تكون مجرّد تعويض وسواسي كارثي، تتجلى أعراضه في مضامين الأناشيد الجهادية اليوم.

أناشيد شجية مهيجة تصدح بها العديد من مخيمات ومعسكرات وملتقيات التجنيد الدعوي في مشارق الأرض ومغاربها، وبالمناسبة فنحن ندعو الباحثين إلى التعامل معها كوثائق لتشخيص “أمراض الحضارة”، ونحسب أن الأمر متعلق بخمسة وساوس:

أوّلا، الاعتقاد بأنّ الغرب يخاف من الإسلام لأنه الدين الذي سيغزو العالم في الأخير، وأن إثارة الخوف في النفوس مطلب محمود وهدف مقصود، وأن إلقاء الرّعب في قلوب الكافرين واجب ديني بالأساس.

ثانيا، الاعتقاد بأنّ الغرب يكره حضارة الإسلام لأنها رغم وهنها فهي قائمة على “الحق”، وحضارة الغرب رغم قوّتها فهي قائمة على الباطل، وأكثر شيء يظهر فيه الباطل جليّاً هو لباس المرأة، الذي يظنّه البعض من علامات السّاعة.

ثالثا، الاعتقاد بأنّ الغرب منشغل طول الوقت بالتآمر على الإسلام، لأنّ “الإسلام يتحدّى جاهلية القرن العشرين” عن طريق إحياء “الفريضة الغائبة”، ومن ثمّة فأكبر همِّ الغرب هو تعرية نساء المسلمين حتى تموت غيرتهم وتزول فحولتهم وتنكسر شوكتهم.

رابعا، الاعتقاد بأن انهيار الغرب سيكون فال خير على مستقبل الإسلام والمسلمين؛ لأن الغرب عقبة أمام انطلاق الفتوحات التي هي مجد الإسلام وتاجه، بل لا بدّ من العمل على تحقيق ذلك الانهيار، سواء بالدّعاء أحيانا أو بالتفجير في البعض من الأحيان.

خامسا، إذا انهارت الحضارة المعاصرة سواء بالحروب أو الزلازل، أو حتى بالتفجير والتهجير، فستعلو راية الإسلام؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، يعلو حتى ولو على الأنقاض والخراب، المهم أن يعلو.

إنها معتقدات كارثية بالفعل، لكنها راسخة في اللاوعي السياسي للكثير من المسلمين البسطاء. وزاد من رسوخها الموروث الفقهي، ثم أدبيات الإسلام السياسي بمختلف ألوانها وأطيافها، بحيث يصعب اجتثاثها من دون جهد تنويري جهيد. إنها معركتنا في الأول والأخير.. ثمّ لا ننسى هذا الأمر: عندما يتجمّد العقل تتحرك كل الانفعالات السلبية؛ الحقد، الثأر، الغيرة، الغضب، الشماتة، التشفي، إلخ. هنا مكمن الداء. في المقابل تنتهي الانفعالات السلبية إلى اغتيال السياسة. وذلك هو الدرس الأول لأب الفلسفة السياسية، أفلاطون.

تقاس صحّة موقف سياسي معين بمدى قدرته على توسيع دائرة الأصدقاء وتقليص دائرة الأعداء. مثل هذا التعريف الخلاّق، يساهم في تطوير المجتمعات المفتوحة التي يبحث فيها النّاس عن الصداقات بدل الخصومات، لكن ثمة في المقابل تعريف مضاد يقود إلى نشوء مجتمعات مغلقة لا يبحث فيها الناس سوى عن الخصومات والأعداء، ويقوم على أساس أن الهوية السياسية لا تتحدد إلا بنحو سلبي، من خلال تحديد دائرة الأعداء الواقعيين والافتراضيين.

وبالفعل، فقد ساقتنا الانفعالات السلبية إلى تصور احترابي عدواني للعلاقات بين الدول والحضارات والبشر، بحيث أصبحت خطاباتنا الدينية مفعمة بعبارات من قبيل “أعداء الإسلام”، “أعداء الملة”، “أعداء الدين”، “أعداء الأمة”، “أعداء المقاومة”.

فوق ذلك، جاءت مقولة “الجاهلية” كما صاغها الأخَوان قطب لترسخ لدى الكثيرين رؤية دينية ذات طابع مفرط في العدوانية: لكي تكون مسلما لا يكفي أن تصلي وتصوم، لا يكفي أن تعيش في مجتمع أغلبيته مسلمة، بل يجب عليك أن تعيش في مجتمع يطبق “الشريعة” تطبيقا كاملا. وقد نجمت عن كل ذلك ثلاث نتائج خطرة:

أولا، لأول مرّة يتم تكفير الناس ليس على أساس الموقف من العقيدة، وإنما على أساس الموقف من “الشريعة” والتي هي اجتهاد الفقهاء.

ثانيا، طالما لا يوجد مجتمع يطبق “الشّريعة” فإن العالم بأسره يعيش اليوم في عصر جاهلي، والمحصلة أن العالم بأسره تنطبق عليه مقولة “دار الحرب”.

ثالثا، يجب على المسلم “الحقيقي” أن يتبرأ من المجتمع الذي يعيش فيه ولو بالقلب، في ما يسمى فقهيا بمبدأ البراء، ويسمى ثقافيا بثقافة الكراهية. بهذا النحو استفحل داء البغضاء والحقد والعدوان.

كاتب مغربي

9