كيفين سيستروم شاب آمن بالشغف المستمر الذي يصنع الإبداع

الأحد 2016/02/14
مؤسس إنستغرام الذي يحمل عليه الناس 80 مليون صورة يوميا

بوخارست – من يصدق أن مبتكر التطبيق الأشهر عالميا “إنستغرام” كانت له تجربة سابقة غير ناجحة، ظن أنها ستحدث فرقا كبيرا في عالم تطبيقات الهواتف الذكية، ولكنها فشلت؟ ومن يصدق أن المهندس الشاب الذي باع منتجه بمبلغ تجاوز المليار دولار أميركي، كان قد تنقل بين مهن تكنولوجية كثيرة في شركات عدة؟ ببساطة هو كيفين سيستروم الذي لا يكل ولا يمل من الاستفادة من تجاربه المهنية السابقة، ليبني عليها نجاحاته المتكررة ويفرض شروطه على شركائه ومدرائه.

ولد سيستروم عام 1982 في بلدة صغيرة بولاية ماساتشوستس الأميركية. ودخل أول جهاز حاسوب إلى منزله عندما كان عمره 12 عاما. حينها كان مولعا باللعبة الشهيرة دوم 2. لدرجة أنه قام بتعديل مستوياتها. وقال في أكثر من مقابلة صحفية أجريت معه، إنه ممتن لتلك اللعبة، التي حفزت تفكيره ونمّت إبداعه كثيرا.

في المدرسة الثانوية كان الطفل كيفن يحضر دروس علوم الكمبيوتر بدلا من علم الأحياء. حيث مارس هواية البرمجة أولاً بلغة كيو بيسيك، واستطاع الحصول على شهادة “آول” حين طور برامج باستخدام لغة فيجوال بيسيك للإقلاع دون اتصال بالشبكة.

نادي المهندسين الأذكياء

انتقل سيستروم إلى كاليفورنيا ليدرس علوم الإدارة والاستثمار في الجامعة العريقة ستانفورد. وهي واحدة من أفضل الأماكن لمقابلة المهندسين الأذكياء جدا، وذوي الخبرات الهائلة أيضا. وهناك انشغل في مجال البرمجة في نشاطه الجانبي طوال الوقت.

طوّر سيستروم موقعا يستهدف الحرم الجامعي في ستانفورد. واستخدمه في ذلك الوقت أكثر من 8000 شخص في الجامعة، كانت هذه واحدة من أولى تجاربه في تأسيس الشركات الناشئة.

وقع الاختيار عليه ليكون ضمن برنامج زمالة مايفيلد. وهو برنامج عمل يهدف إلى التعرف إلى شركات التكنولوجيا الصاعدة. كما يقتصر الانتساب إلى البرنامج على القليل من الطلبة المميّزين في ستانفورد، أو الطلبة الذين يدرسون درجة الماجستير جنبا إلى جنب مع البكالوريوس. فكان سيستروم من أولئك المتميزين بالطبع. وبذلك سجل اسمه في صف علوم الكمبيوتر، يتذكر حينها أنه وجد الصف صعبا للغاية، ولم يحصل على علامات رائعة.

ضمن لنفسه في العام 2005 فرصة تدريب في أوديو. وهي شركة ناشئة تنتج البودكاست، والتي أصبحت في وقت لاحق تويتر. وهناك تعرف على جاك دورسي مؤسس تويتر، والذي أصبح أحد أوائل المستثمرين في إنستغرام بعد عدة سنوات. كما اجتمع كيفن خلال تلك الفترة التدريبية بشون باركر، ومارك زوكربيرغ، وأتيحت له الفرصة للعمل لصالح موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، ولكنه لم يقم بذلك.

العمل في جوجل

بعد تخرج سيستروم من ستانفورد استطاع الحصول على وظيفة في مجال التسويق للمنتجات في غوغل. باعتبار أنه يملك خبرة تسويقية نتيجة لتدريبه في عدد من وكالات التسويق. فعمل على تطوير “جي مايل”، و”تقويم غوغل”، وتطبيق “المستندات”، و”جداول البيانات”.

انتقل التقني الطموح إلى فريق تطوير الشركات الذي يقوم على أمر الاستحواذ على الشركات الناشئة. الأمر الذي أطلق شرارة رغبته في أن يكون جزءا من شركة ناشئة هو أيضاً. ويقول سيستروم عن الفترة التي عمل فيها في فريق تطوير الشركات في غوغل “رأيت الكثير من رواد الأعمال يستمتعون للغاية بتأسيس الشركات الناشئة، حتى أني انضممت إلى شركة أسسها بعض موظفي غوغل”.

كان يتحدث هنا عن شركة نيكست ستوب، التي تحولت فيها مهنته من التسويق إلى الهندسة، وتحول من مرحلة الهواية إلى الاحتراف فعليا. حيث أصبح قادرا على كتابة برامج تكنولوجية تصلح للخروج إلى النور.

كيفين سيستروم صاحب الشغف المستمر للإبداع والإنجاز يجمع 400 مليون إنسان بواسطة إنستغرامه الشهير

الغيظ من الفيسبوك

بعد أن ترك سيتسروم شركة نيكست ستوب، استحوذت شركة فيسبوك عليها. فقرر أن يؤسس شركته الناشئة تحت اسم بوربن. وطرح تطبيقا لتسجيل الحضور عبر الهاتف المحمول حمل الاسم “شيك ـ إن” مبني بالكامل على لغة “إتش تي إم إلـ 5”، مع إمكانية إضافة مقاطع فيديو أو صورة.

في ذلك الوقت التقى بأندرسون ستيف من شركة بيسلاين للاستثمار. وخلال الاجتماع، كان سيستروم يستقبل رسائل نصية تبلغه بأن مستخدمين جدد كانوا ينضمون إلى بوربن، كان ستيف يعرف بعضهم. مما دفعه إلى اتخاذ قراره بأن ثمة أمرا مهما ما يحدث أمام عينيه. فقرر الاستثمار بقيمة 50 ألف دولار مع سيستروم الذي استطاع جذب عدد كاف من الناس لمشروعه، فوصل المبلغ إلى 500 ألف دولارٍ كتمويل مبدئي.

إنستغرام وجنون العصر

ولادة تطبيق إنستغرام كانت نتيجة ضعف تطبيق بوربن. حيث لم يكن مميزا كثيرا في مجال تطبيقات تسجيل الحضور، ولكن ميزة إضافة الصورة كانت هي الجاذبة للكثير من المستخدمين. وعلى هذا ارتكز سيستروم رفقة صديقه القديم في جامعة ستانفورد مايك كريغر، ذي الأصل البرازيلي، في التخطيط لابتكار أنجح تطبيق للصور.

بُني إنستغرام ببداية العام 2010 حول ثلاث مشاكل حقيقية؛ أولها أنه لم يكن باستطاعة المستخدمين التقاط صور جميلة بهواتفهم. وثانيها صعوبة نشر الصور على شبكات متعددة. وثالثها بطء تحميل الصور عبر التطبيقات الأخرى. ومن هنا تم العمل بين سيستروم وكريغر على تقديم تطبيق يلبّي احتياجات محبي التصوير. ومن ثم توظيف ذلك ليكون وسيلة للتواصل الاجتماعي.

وبالفعل شهد شهر أكتوبر من العام ذاته، إطلاق التطبيق على منصة إيزو. وخلال شهر واحد فقط حصل على حوالي مليون مستخدم، أما في العام التالي 2011 فقد ارتفع العدد إلى 5 ملايين مستخدم. وفي السنة الثالثة 2012 تضاعف العدد مرات عدة، خصوصا مع إطلاقه على منصة أندرويد ليتخطى عدد المستخدمين حاجز الـ30 مليونا.

في تلك الفترة فاجأت شركة فيسبوك الأسواق في وول ستريت وسيليكون فالي عندما قامت بشراء إنستغرام مقابل مليار دولار. لتصبح الصفقة أولى أكبر عمليات الاستحواذ التي تقوم بها الشركة. ولكن بنود الصفقة كانت تنص على عدم التدخل في شؤون إدارة إنستغرام، ليبقى سيستروم بذلك مديره التنفيذي، وكريغر مديره الفني.

خبراء التكنولوجيا يرون أنه لو لم تدفع شركة فيسبوك المليار دولار عام 2012 لاضطرت اليوم إلى دفع 35 مليار دولار للاستحواذ على إنستغرام، مما يدفع البعض إلى التساؤل فيما إذا كان سيستروم يشعر بالندم على تلك الصفقة

كان مبلغ المليار دولار حينها رقما مدويا في عالم التقنية المليء بالتطورات السريعة والمتلاحقة، وكان يعمل في إنستغرام آنذاك 13 موظفا فقط في مكتب صغير. كما لم يتجاوز عدد المشتركين في التطبيق الـ100 مليون مستخدم. ووصف العديد من العاملين في مجال التقنية تلك الأنباء بالفقاعة الإلكترونية، أو مجرد منافسة بين فيسبوك وتويتر التي حاولت شراء إنستغرام من قبل. ولكن يبدو أن نظرة زوكربيرغ مؤسس الفيسبوك كانت الأصوب. إذ أعلنت إنستغرام مؤخرا تخطيها حاجز الـ400 مليون مستخدم نشط شهريا، يحمّلون أكثر من 80 مليون صورة يوميا.

الفيسبوك يوفر 34 مليار دولار

يرى خبراء في التكنولوجيا أنه لو لم تدفع شركة فيسبوك المليار دولار عام 2012 لاضطرت اليوم إلى دفع 35 مليار دولار للاستحواذ على إنستغرام، مما يدفع البعض إلى التساؤل فيما إذا كان كيفين سيستروم نادما على تلك الصفقة.

من جهة أخرى ربما لم يكن تطبيق إنستغرام ليجمع 400 مليون مستخدم لولا فيسبوك. إذ تضاعف عدد المستخدمين بأكثر من 10 أضعاف خلال سنتين فقط بعد إتمام الصفقة. وقد تبدو قرارات زوكربرغ أكثر منطقية اليوم بعد قيام فيسبوك بالاستحواذ على واتس أب مقابل 19 مليار دولار وشركة أوكولوس العاملة في مجال الواقع الافتراضي، مقابل ملياري دولار العام الماضي. وقد تكون هذه الصفقات مقدمة للهيمنة على شبكة الإنترنت في ظل المنافسة الشديدة بين غوغل وآبل وفيسبوك.

إنستغرام بدوره، والمستحوذ عليه من قبل الفيسبوك، استطاع الاستحواذ في شهر أغسطس من العام 2015 على شركة لوما التي تعمل على تطوير أحد تطبيقات تسجيل ومشاركة الفيديو في سعي منه لتعزيز إمكانيات مشاركة الفيديو، وقالت شركة لوما في منشور لها حينها إنها انطلقت بالأساس لتتيح للمستخدمين تسجيل ومشاركة الفيديو بسهولة، ودون الحاجة إلى برمجيات باهظة الثمن ومعدات ثقيلة حسب تعبيرها. وقامت الشركة بإزالة تطبيقها من متجر “آبل” للتطبيقات.

لم تفصح إنستغرام ولوما عن تفاصيل صفقة الاستحواذ التي تمت بينهما، والتي تقضي بشراء الأولى للتقنية التي تطورها الثانية. حيث تشتهر لوما بتطوير تقنية خاصة لتثبيت مقاطع الفيديو المهتزة، وهو ما يرى المراقبون أنه الدافع وراء الاستحواذ، وذلك لتعزيز ميزة “سينما” الخاصة بإنستغرام.

إنستغرام ينافس تطبيق المحادثة الشهير واتس آب

إنستغرام منصة إعلانية مجانية

كانت خدمة إنستغرام في البداية مقتصرة على مشاركة الصور الثابتة فقط. مع إمكانية إضافة المؤثرات عليها أو ما يعرف بالفلاتر الرقمية. وفي خطوة منافسة لتطبيق مشاركة مقاطع الفيديو “فاين”، أضاف إنستغرام دعم مشاركة مشاهد فيديو قصيرة، لا يتعدى طولها 14 ثانية. وتتيح بعض التطبيقات المرافقة لخدمة إنستغرام مشاركة فيديو وصورة في آن واحد.

سعى إنستغرام لمنافسة تطبيق المحادثة الشهير واتس آب من خلال إطلاق خدمة حملت اسم إنستغرام دايركت، تسمح بمشاركة النصوص إلى جانب الصور والفيديو ضمن مجموعات محددة من المستخدمين.

وتتوقع شركة إيماركت لأبحاث ودراسات التسويق الرقمي، أن يحقق إنستغرام عوائد مالية من الإعلانات بقيمة مليار ونصف المليار دولار خلال العام الجاري فقط.

وعلى خلاف مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، يسمح إنستغرام لمستخدميه بنشر اعلاناتهم الخاصة. حيث أصبح منصة ترويجية خاصة ليس عليها قيود مثل تلك الموضوعة من قبل إدارة موقع الفيسبوك. ليصبح إنستغرام مضماراً يتسابق فيه التجار لعرض المنتجات والخدمات، والحصول على مكاسب مالية كبيرة.

ريفالدو وإنستغرام

من بين المروجين هناك مشاهير عالميون، ومنهم النجم الدولي البرازيلي السابق ريفالدو، الذي استغل حسابه على إنستغرام من أجل عرض النادي الذي يرأسه منذ 6 أعوام للبيع. حيث قال نجم برشلونة الأسباني السابق والفائز مع بلاده بلقب مونديال 2002 “أنا ريفالدو المالك الحالي لنادي موجي ميريماسبورتي قررت، ولأسباب شخصية، أنا أبحث عن مالك جديد للنادي الذي يلعب في الدرجة الثانية البرازيلية”، وأنهى ريفالدو إعلانه بوضعه عنوان بريده الإلكتروني، لكي يتمكن الراغبون بشراء النادي من التواصل معه.

كثيرة هي الأمور التي فعلها سيستروم قبل إنستغرام، أما في العمل على إنستغرام نفسه فيبدو واضحا بالنسبة إلى الكثيرين، أنه كان يبني على ما سبق وما مرّ به من تجارب. لم يكن من المرجح أن يجد سيستروم شغفا في العمل على مشاريع جانبية دون أن يلعب دوم 2 ويستمتع بتعديل مستوياتها. من دون هذا الشغف ربما لم يكُن ليبني موقعا منافساً لكرايغسليست في ستانفورد. ولم يكن ليستطيع ابتكار التطبيق الذي يشغل العالم كله؛ إنستغرام، لولا تطبيقاته التي لم تكن ناجحة كفاية، هو “الشغف المستمر الذي يصنع الإنجاز والإبداع” وهي مقولة كيفين سيستروم الشهيرة.

9