كيف أصبح غوغل في عيده العشرين امتدادا لعقولنا

محرك البحث الأشهر يعمد إلى سد نقائصنا المعرفية وفي هذه الحالة ستتلاشى خصوصيتنا الذهنية وقدرتنا على التفكير بحرية.
الخميس 2018/09/06
العقل الممتد

لندن - بعد 20 سنة على إطلاق محرك البحث الأشهر في العالم (4 سبتمبر 1998) أصبحت خدمات غوغل جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، مما أدى إلى تغيير هيكلة البنية الذهنية في حد ذاتها. وهكذا، امتدت أدمغة البشر إلى الفضاء الافتراضي.

في الحقيقة، هذا ليس من وحي الخيال العلمي، ولكنه وليد لما يُعرف بفرضية “العقل الممتد”، وهي النظرية المعتمدة على نطاق واسع في مجال الفلسفة وعلمي النفس والأعصاب.

ويعد هذا التحول الجذري في علم النفس البشري، بمثابة أهم ما شهدته البشرية على الإطلاق، حيث بدأت تظهر تجلياته بنسق سريع للغاية، وفق مقال للأستاذ المحاضر في الفلسفة والأخلاق بنيامين كرتس نشره في موقع “كونفرساسيون”.

ويقول الكاتب إن الاتكال المتنامي على خدمات غوغل القائمة على الذكاء الاصطناعي، جعلنا نتخلى عن قدر أكبر من مساحتنا الذهنية الشخصية لصالح غوغل. وهكذا، بدأت خصوصيتنا الفكرية وقدرتنا على التفكير بحرية، بالتلاشي تدريجيا. عدا عن ذلك، بدأت الدلائل تشير إلى إمكانية وجود صلة بين استخدام التكنولوجيا وبعض المشكلات النفسية. بعبارة أخرى، ليس من الواضح ما إذا كانت أدمغتنا قادرة على تحمل الإجهاد الناجم عن توسع العالم الافتراضي. وربما نكون قد اقتربنا من نقطة الانهيار.

كان هذا هو السؤال الذي طرح في سنة 1998 (الذي صادف نفس سنة إطلاق محرك غوغل) من قبل اثنين من الفلاسفة والمختصين في علم الإدراك، آندي كلارك وديفيد تشالمرز، في مقال بات اليوم مشهورا ويحمل عنوان “العقل الممتد”. وقبل هذا البحث، كانت الإجابة المتفق عليها بين العلماء هي القول إن العقل محدود بالجلد والجمجمة (أي يحد أداءه الدماغ والجهاز العصبي).

وفي المقابل، قدم كل من كلارك وتشالمرز إجابة قاطعة. وفي هذا الصدد أشارا إلى أنه عند دمج عناصر من البيئة الخارجية ضمن طريقة تفكيرنا، يصبح لتلك العناصر نفس الدور الإدراكي لأدمغتنا.

ونتيجة لذلك، باتت هذه العناصر تشكل جزءا من أدمغتنا كغيرها من الخلايا والتشابكات العصبية. وعلى الرغم من أن فرضية كلارك وتشالمرز أثارت الجدل، إلا أنها لاقت منذ ذلك الحين دعم العديد من المختصين في دراسة الدماغ.

الاتكال المتنامي على خدمات غوغل القائمة على الذكاء الاصطناعي، جعلنا نتخلى عن قدر أكبر من مساحتنا الذهنية الشخصية

وضع كلارك وتشالمرز هذه الفرضية قبل ظهور الهواتف الذكية والجيل الرابع للشبكات الخلوية، بالتالي كانت الأمثلة التوضيحية المعتمدة في هذا البحث خيالية نوعا ما. فعلى سبيل المثال، اعتمد الباحثون مثال الرجل الذي اعتمد على مذكرة في حياته اليومية وجعلها بمثابة الذاكرة الخارجية له، لكن كما أوضحت الأبحاث الأخيرة، تمس فرضية “العقل الممتد” بشكل مباشر هوسنا بالهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة المتصلة بالويب.

لقد أصبح غالبية البشر حبيسي هواتفهم الذكية منذ الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل. فبات من الطبيعي اللجوء إلى خدمات غوغل (على غرار محرك البحث والتقويم والخرائط والمستندات ومساعد الصور وما إلى ذلك). وقد أضحى الاندماج الفكري مع غوغل واقعا، حيث تتكل العقول بشكل جزئي على خوادم غوغل.

ويتساءل المقال إن كان هذا الأمر مهما فعلا؟  يجيب الكاتب “نعم، لسببين رئيسيين. أولا، لا يعد غوغل مجرد أداة معرفيّة سلبيّة، فقد أضحت ترتكز آخر تحديثاته، القائمة على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، على الاقتراحات. ففي الوقت الراهن، لم تعد خرائط غوغل تكتف باطلاعنا على كيفية بلوغ وجهتنا (سواء سيرا على الأقدام أو بالسيارة أو بوسائل النقل العامة)، بل أصبحت تقدم لنا اقتراحات حول الأماكن التي قد تعجبنا.

كما لم يعد مساعد غوغل، الذي لا يتطلب تشغيله سوى استخدام كلمتين فقط (هاي غوغل)، يقدم معلومات سريعة فحسب، بل أصبح بإمكانه حجز المواعيد عوضا عنا وإجراء حجوزات للمطاعم.

فضلا عن ذلك، أصبح ‘جي ميل’ يقدم اقتراحات حول ما نرغب في كتابته. كما باتت أخبار غوغل تعرض آخر المستجدات التي لها علاقة شخصية بنا. فقد ساهمت جميع هذه العناصر في تبديد حاجتنا إلى التفكير واتخاذ القرارات بأنفسنا”.

ويؤكد أن غوغل يعمد إلى سد نقائصنا المعرفية، وبالتالي الذهنية. وفي هذه الحالة، ستتلاشى خصوصيتنا الذهنية وقدرتنا على التفكير بحرية.

ثانيا، وفق الكاتب، لا يبدو من الجيد أن تتصل عقولنا بالإنترنت، فلم تعد أحد أكثر الأسباب إثارة للقلق، وهي ما يسمى “بإدمان الهواتف الذكية”، مجرد مشكلة نادرة. فوفقا للتقارير الأخيرة، يتحقق مستخدم الهواتف الذكية العادي في المملكة المتحدة من هاتفه كل 12 دقيقة. وفي الواقع، هناك مجموعة كاملة من التداعيات السلبية لهذه الظاهرة على النفسية، حيث يعد الاكتئاب والقلق من أبرزها.وفي هذه الحالة، فقد أصبح مصطلح “إدمان”، مجرد مرادف للاندماج.

ويشرح الكاتب أن السبب الحقيقي وراء عجز العديد منا عن وضع هواتفهم الذكية جانبا، هو أننا قمنا بإدماج استخدامها في طريقة تفكيرنا اليومية. فقد أضحينا فعلا نفكر من خلالها.

يذكر أن دراسة أكدت أن غوغل تتتبع حركات وسكنات ما يزيد على ملياري شخص حول العالم، يستخدمون أجهزة تعمل بنظم تشغيل أندرويد إضافة إلى ما يزيد على 300 مليون شخص آخرين يستخدمون تطبيقات وبرامج غوغل العاملة على هواتف آيفون.

19