كيف أصبح لبنان دولة فاشلة؟

عندما سمح اللبنانيون للأيديولوجيا بدخول فردوسهم الصغير تخلت السماء عنهم.
الخميس 2020/05/07
لفظ الايديولوجيا

إن كان تعبير، قبل وبعد، ينطبق على نموذج واحد في الشرق الأوسط، فهو لبنان؛ لبنان قبل عام 1975 وبعده. قبل هذا التاريخ كان لبنان يلقب بـ”سويسرا الشرق”؛ بالطبع لذلك علاقة بازدهار القطاع المصرفي الذي تميّز بقوانين الحفاظ على السرية، وهي قوانين شبيهة بتلك المطبقة في سويسرا. وكان لبنان يعتبر حينها مركزا ماليا للشرق الأوسط.

خلال الأيام القليلة الماضية قارب سعر صرف الدولار في السوق السوداء 4000 ليرة، بينما كانت قيمته، قبل 1975، 3.3 ليرات، ليهبط إلى أكثر من 3000 ليرة للدولار.

لم يكن لبنان مركزا ماليا فقط، كانت بيروت عاصمة للنشر والطباعة في العالم العربي، وكما كانت باريس بالنسبة لأوروبا، كانت بيروت ملجأ للمثقّفين والفنانين العرب، احتضنتهم وحمتهم. وشهد النادي الثقافي العربي في “الوست هول” في الجامعة الأميركية سنة 1956 إقامة أوّل معرض للكتاب في العالم العربي.

كان لطعم النجاح في بيروت نكهة مختلفة، واعتبر الحصول على شهادة عليا من جامعة لبنانية شرفا مضاعفا، وكانت الشهادات الممنوحة من جامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية وساما يتباهى به، ليس فقط الطلبة اللبنانيون، بل الطلبة العرب.

كان للسياحة في لبنان نكهة مميزة، ولم يكن لبنان يوما مجرد منتجع لزوار يطلبون البحر، حيث استقطب التنوّع الجيولوجي والحضاري فيه السيّاح من كافة أنحاء العالم، خاصة من العالم العربي.

ولعب كازينو لبنان، الذي افتتح عام 1963، دورا بارزا في ازدهار السياحة، وكان أول مركز ترفيهي من نوعه في الشرق الأوسط، استضاف أبرز المغنّين العرب والعالميين وأشهر الفرق العالمية. وساهمت الأطباق اللبنانية في شهرة هذا البلد الصغير، وأصبح العالم يتحدث عن مطبخ لبناني، مثلما يتحدث عن مطبخ فرنسي وإيطالي.

وكما قدمت دول كبيرة قامات فنية مميزة، قدم لبنان الصغير قامات فنية فرضت حضورها في العالم العربي وعلى مستوى العالم؛ فكانت فيروز وصباح والأخوان رحباني ووديع الصافي وملحم بركات، وقائمة طويلة من الأسماء، التي لا تقل أهمية، ولكن لا يتسع المجال لذكرها.

وأصبح الذوق اللبناني هو المقياس في عالم الجمال والأناقة، ومع بداية السبعينات قدم لبنان للعالم ملكة جمال هي جورجينا رزق.

هكذا كان لبنان قبل عام 1975، فكيف تحول هذا الفردوس إلى جحيم، وتحول البلد الناجح إلى دولة فاشلة؟

كيف وصل لبنان إلى هذه المرحلة من الانهيار، وبات في مصاف الدول الأكثر مديونية في العالم، ولم يعد أمام الحكومة اللبنانية من مخرج سوى أن تستنجد بصندوق النقد الدولي لمساعدتها على الخروج من دوامة انهيار متسارع رمى بقرابة نصف اللبنانيين تحت عتبة الفقر؟

خلال سنوات الحرب الأهلية التي امتدت من عام 1975 إلى عام 1990، وأسفرت عن مقتل 120 ألف شخص، غنّى المطرب وديع الصافي أغنيته الشهيرة، بتحبني وشهقت بالبكي، طالبا من الرب ألا يهجر سما لبنان وأن لا يتركه للبوم والغربان.

ولكن، لماذا هجر الرب سماء لبنان؟ الأمر بدأ مع الإعلان عن دولة إسرائيل ونزوح الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان، ومعهم دخل الاصطفاف السياسي وسادت النزعات الأيديولوجية.

بدأ القتال بين قوات لبنانية والقوات الفلسطينية عام 1975، وشكلت الجماعات اليسارية والعربية والإسلامية اللبنانية تحالفا مع الفلسطينيين، وتحولت التحالفات بسرعة وبشكل لا يمكن التنبؤ به. وشاركت قوى أجنبية، في الحرب جنبا إلى جنب مع فصائل مختلفة، وتمركزت قوة متعددة الجنسيات وأخرى تابعة للأمم المتحدة في البلاد.

وشكل اتفاق الطائف عام 1989 بداية النهاية للقتال. وفي يناير 1989، بدأت لجنة عينتها جامعة الدول العربية في صياغة حلول للنزاع. وفي مارس 1991، سنّ البرلمان قانونا للعفو عن جميع الجرائم السياسية المرتكبة قبل عام، وحلت الميليشيات، باستثناء حزب الله.

ورغم انتهاء الاقتتال رسميا توالت الأزمات السياسية؛ أزمات تخللتها حروب واعتداءات، قسمت اللبنانيين، وشلت المؤسسات الدستورية، وحالت دون وضع سياسات عامة تخدم مشاريع التنمية.

وكان اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، في 14 فبراير 2005، القشة التي قسمت ظهر لبنان. لينقسم بين فريقين أحدهما معارض لسوريا ومؤيد للمحكمة الدولية التي أنشئت للنظر في قضية الاغتيال، وآخر مؤيد لدمشق ومعارض للمحكمة.

وتبعت ذلك أربع سنوات عجاف، شهدت البلاد خلالها تفجيرات واغتيالات تخللتها حرب يوليو 2006، بين إسرائيل وحزب الله. وفي عام 2008، شهدت البلاد أزمة سياسية حادة انعكست اشتباكات مسلحة في مناطق عدة؛ عوامل حال جميعها دون الاستقرار السياسي.

وتجدّد الانقسام عام 2011 على وقع الاقتتال في سوريا المجاورة، ووقعت اعتداءات وتفجيرات حتى العام 2013.

يلخص مركز كارنيغي للشرق الأوسط في أحد منشوراته الأزمة اللبنانية بأنها “في جوهرها أزمة حوكمة مُنبثقة من نظام طائفي يعاني من خلل بُنيوي، ما حال دون صنع سياسات عقلانية وسمح بانتشار ثقافة الفساد والهدر”.

في الستينات وبداية السبعينات كان لبنان نموذجا حيا للتصالح والتعايش بين الطوائف والأقليات، رغم اعتماده نظام المحاصصة الطائفية.

يخطئ من يظن أن الرب هجر لبنان وتخلى عنه لأسباب تتعلق بالمحاصصة الطائفية أو بالاقتصاد؛ نعم الاقتصاد اللبناني يعاني من صعوبات جمّة، ولكنّ لبنان واللبنانيين يدفعون ثمن سيادة النزعات الأيديولوجية وتغول حزب الله المدعوم من ملالي طهران.

عندما سمح اللبنانيون للأيديولوجيا بدخول فردوسهم الصغير تخلت السماء عنهم. وسيبقى لبنان مهجورا متروكا، طالما ظل مفتوحا لبوم السياسة وغربان الأيديولوجيا.

8