كيف اغتال الخمينيون مدنية الثورة الإيرانية وأفقها الديمقراطي

صدرت مؤخرا عن منظمات إيرانية معارضة مجموعة من البيانات تندد فيها بممارسات النظام الإيراني ضدها طيلة أزيد من ثلاثة عقود، بين اغتيالات وحبس ونفي. ولعل أبرز تلك المجموعات مجاهدي خلق ذو النزعة اليسارية، والذي أكد في بيان له بمناسبة تأسيسه في بداية شهر سبتمبر الجاري على ضرورة مواصلة مقاومة النظام الإسلامي الطائفي الإيراني. وقد أعاد هذا الحدث إلى الذاكرة، كيفية اختطاف إسلاميي إيران للثورة ضد الشاه رضا بهلوي وتحويلها إلى مشروع إسلامي طائفي يتوسع على حساب المنطقة.
الاثنين 2015/09/21
النظام الإيراني يتوارث النظرة الخمينية المتطرفة لنظام الحكم القائم على الطائفية

باريس- “علينا الوقوف بشكل أقوى أمام طائفية النظام الإيراني، لقد حولوا الإسلام إلى سم لابتزاز الطوائف وهذا ما يلقي علينا مسؤولية أخلاقية لمقاومة هذه الممارسات”. بهذا التصريح، أعاد القيادي في تنظيم خلق مهدي أبريشمجي إلى الذاكرة أيام الثورة الإيرانية سنة 1979، وكيفية تحويل النظام الحالي طاقة الجماهير الإيرانية الثائرة في ذلك الوقت ضد الشاه رضا بهلوي واختزالها في نظام إسلامي كاتم لكل الأصوات اليسارية والليبرالية وحتى أصوات القوميات التواقة للتحرر من هيمنة النظام.

منذ بداية انتقال الثورة الإيرانية من الشوارع إلى أروقة السياسة والحكم بعد هروب الشاه، بدأت بوادر التناقض في التوجهات تبرز على السطح بين القوى اليسارية التي كانت مفعمة بالبرامج والأفكار الماركسية والتي تشكلت من مثقفين وطلبة وأساتذة، وبين الإسلاميين الراديكاليين الذين أتقنوا لعبة عدم الكشف عن مشروعهم ومناوراتهم المتكررة أثناء التحالف الثوري ضد نظام الشاه.

وقد استغل الإسلاميون (وهم أعمدة النظام الإيراني الحالي) الأرضية الطائفية العامة التي كانت تمثل المنظومة العقدية للإيرانيين في تلك الفترة، وهي العقيدة الشيعية بشكل جعل من هذه الأرضية محورا للخطاب السياسي للقيادات الجديدة في تلك الفترة، وبقوة الدعاية، أضحى الإسلام السياسي إطارا للحكم والثورة بعد تحويله إلى أيديولوجية عارمة بآلة التنظيمات “الفاشية” مثل تنظيم الحرس الثوري. فحتى وإن كان جزء واسع من معارضي الشاه في تلك الفترة هم من اليساريين والليبراليين إلا أن المشترك العقائدي كان طاغيا بشكل واضح في المعتقد والسلوك.

لكن التناقض في الرؤى بالنسبة إلى المسألة الدينية تبلور أساسا في الرؤية للدين والسياسة. فقد سعى الليبراليون واليساريون في إيران إلى الحفاظ على قدسية الإسلام بعيدا عن الصراع السياسي الذي يعد أمرا طبيعيا بين تيارات مختلفة، في الحين الذي سعى فيه الراديكاليون بزعامة الخميني إلى تحويل الشحنة الدينية الطاغية داخل المجتمع الإيراني إلى نظام سياسي يقوم على شعار ما يسمى “الجمهورية الإسلامية”، وقد وجد هؤلاء أشكالا خطابية متنوعة في تسريب هذه العقيدة لعل أبرزها معاداة الغرب وشيطنة أميركا ورفض الديمقراطية.
الإسلاميون استغلوا العقيدة الإسلامية الشيعية للعامة لتحويلها إلى خطاب ثم إلى نظام سياسي إقصائي

وكان من شأن الاستيلاء على السفارة الأميركية في نوفمبر عام 1979 أن أنهى الصراع بين المعتدلين والمتشددين، لصالح المتشددين. فقد هيمنت رؤية آية الله الراديكالية على إيران هيمنة جارفة، إلى حد أن وفاته عام 1989 لم تغير النظرة الراديكالية التي خلَّفها وراءه. وقد جرت محاولتان جديدتان للنأي بإيران عن تطرف آية الله الخميني بعد موته، كانت المحاولة الأولى من جانب أكبر هاشمي رفسنجاني عندما أصبح رئيسا عام 1989 بعد وفاة آية الله، وجرت المحاولة الثانية بعد ثماني سنوات عندما فاز محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسية عام 1997 فوزا ساحقا.

وكانت محاولة رفسنجاني تهدف أساسا إلى إدخال اقتصاد السوق الحرة إلى الاقتصاد الذي تديره الدولة، أما خاتمي فقد كان يطمح إلى إجراء إصلاح سياسي، ولكن كليهما فشل، حيث ظل تفسير الإمام الخميني الإسلامي الراديكالي هو السائد دون مساس طيلة الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية. لكن هذا التفسير الراديكالي، الذي شكل العمود الفقري لقوة إيران الناعمة حتى الآن، قد يتوجب عليه أن يتغير في المستقبل، وفي هذا السياق، يطرح التساؤل عن أفق الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب الذي حصل مؤخرا، وهل سيكون فاتحة لإضمار إستراتيجية أخرى تقوم على “تقية ثانية”؟.
تمكّنُ الخمينيون من أجهزة النظام في إيران وسيطرتهم المطلقة على مفاصل الدولة بعد التخلص من المعارضين بشكليهم اليساري الماركسي واليساري القومي (أكراد وآذريين أساسا) من جهة، والليبراليين من جهة أخرى، دفع الإسلاميين بشكل مباشر إلى التفكير في التوسع غربا، أي مباشرة إلى المنطقة العربية والبداية طبعا بالعراق، حيث اندلعت الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات تقريبا بعد عام واحد من صعود الخميني إلى سدة الإرشاد في نظامه الجديد. وبقطع النظر عن العامل الدولي في هذه الحرب وديمومتها، فإن الأيديولوجية التوسعية الطائفية لإيران كانت المحرك الأبرز لدخول الحرب ضد صدام حسين زعيم النظام البعثي ذو النزعة العروبية العلمانية.
بعد عام من التمكن الإسلامي للنظام في طهران، توجهت القوة الإيرانية غربا للهيمنة على الشرق العربي

الهلال الشيعي، هو عنوان الإستراتيجية الإقليمية التي تعتمدها طهران منذ تمكن إسلاميوها من الحكم، وهو زعم تحاول من خلاله إيران التوسع في العراق وسوريا ولبنان وحتى اليمن، عبر أذرع طائفية تريد أن تحركها في اتجاه سياسي معين مستغلة بذلك المعطى الطائفي الشيعي، في الحين الذي تؤكد فيه المعطيات أن شيعة تلك المناطق يرتكزون إلى الولاء الوطني والقومي قبل الطائفي، وحتى وإن ظهرت أطراف لها ولاء مباشر لإيران مثل ما يحدث في العراق الآن، إلا أنها ولاءات لن تدوم بمعايير الانتماء الوطني.

ويقول متابعون للشأن العراقي إن هذا الطرح أصبح ثابتا الآن خاصة بعد أن تحرك مئات الشيعة ضد حكم العبادي الآن وانخراطوا في التحركات المدنية الأخيرة ذات المضامين الخدمية والاجتماعية ولكنها تحوي موقفا سياسيا عاما من السياسة الطائفية للحكومة والدستور أيضا. إذ رفع المتظاهرون في أكثر من مناسبة شعارات تندد بالهيمنة الإيرانية على دواليب الحكم في العراق ويطالبون بعلمانية صريحة لحكم العراق المتعدد والمتنوع، والابتعاد عن النظام الذي يميل إلى الإسلامية المفعمة بروح طائفية واضحة، الأمر الذي أكد بداية انحسار المد الإيراني في العراق مثلا أو حتى في لبنان الذي رفعت فيه شعارات مماثلة تندد بالطائفية.

13