كيف انقض الإخوان وقطر على الإسلام في فرنسا

التقاء مصالح جمع انطلاقا من المنتصف الثاني للتسعينات بين دولة قطر والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين في فروعه الأوروبية. الالتقاء تحول إلى رهان استراتيجي كانت أدواته منظمات إسلامية، تزعم التكلم باسم المسلمين في أوروبا، لكن غاياتها الحقيقية التي لا يعسر تبينها، كانت خدمة التنظيم الدولي للإخوان وتسريب أفكاره. في فرنسا كان الفهم الفرنسي الرسمي القاصر لدور تلك الجمعيات دافعا تضافر مع المال القطري والدعم الإعلامي في تحويل المنظمات الإسلامية إلى منصات إخوانية.
الجمعة 2017/07/28
فعاليات سنوية لتثبيت الحضور الإخواني

لم يكن اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا، ممثل الإخوان المسلمين اليوم في البلد في بداية الثمانينات من القرن الماضي سوى خلية صغيرة من الناشطين. وقد تهيكل سنة 1983 من طرف طلبة عرب كانوا من أتباع جماعتين إسلاميتين: أنصار راشد الغنوشي، مؤسس النهضة ومن جماعة الإخوان المسلمين الممنوع في ما بعد من الإقامة في فرنسا، ومن جهة ثانية المعجبين بالداعية الإخواني اللبناني فيصل مولوي مؤسس جمعية الطلبة المسلمين بفرنسا والذي أصبح إلى أن توفي سنة 2011 مسؤولا عن الجماعة الإسلامية في لبنان، وهي جماعة إرهابية.

ومع مرور الزمن كبر شأن الخلية بدعم مالي قطري في أغلبه، وأصبحت فدرالية تضم عشرات الجمعيات إلى أن وصلت لتكون محاورا أساسيا للدولة الفرنسية في تسيير شؤون الإسلام والمسلمين ابتداء من سنة 2003.

يحتل هذا التجمع الإخواني المدعوم من الدوحة مكانا معتبرا في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، تلك الهيئة الرسمية التي أسسها نيكولا ساركوزي سنة 2003 حينما كان على رأس وزارة الداخلية، والتي وصل إلى قيادتها في نهاية شهر يونيو الماضي أحمت أوغراس، ممثل الإسلام الإخواني التركي في فرنسا، المشرف على أكثر من 250 مسجدا وهو إخواني فرنكو-تركي من أنصار رجب طيب أردوغان وحزبه.

فكيف تم هذا الصعود المدوي لـ”الاتحاد”؟ وما سر هذا النجاح الإعلامي في مدة لا تتجاوز الثلاثين عاما؟ وما هي أهداف هذا الاتحاد الإسلامي الخفية؟

لم يكن ساركوزي في مطلع الألفية على دراية بالحركة الإسلامية ولا بالأيديولوجية الإخوانية بل كان خطابه في الموضوع مثيرا للسخرية أحيانا إذ تحدث في قناة تلفزيونية مرة عن “طالبان الجزائر”. وبما أنه لم يكن يعي ما كان يخطط له حكام الدوحة وعلاقتهم بالإخوان، اعتبر سنة 2003 أنه من الأفضل إدماجهم في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بهدف السيطرة عليهم بدل تركهم خارج المجلس دون تأطير رسمي.

خطأ السلطات الفرنسية كان فادحا لما اعتبرت الحركة الإخوانية حركة دينية لا شغل لها سوى حياة المسلمين الروحية

ولكن من الرابح في نهاية الأمر، بعد أكثر من 14 سنة من هذا الإدماج، الإخوان أم الجمهورية الفرنسية؟

كان خطأ السلطات الفرنسية فادحا لما اعتبرت الحركة الإخوانية ممثلة في اتحاد المنظمات الإسلامية حركة دينية تقليدية لا شغل لها سوى حياة المسلمين الروحية. وغاب عن يمين ووسط ويسار تلك السلطات أن حركة حسن البنا بكل تفرعاتها هي حركة سياسية شمولية بل هي مصدر الإسلام السياسي الذي فرّخ التطرف.

ولكن يبدو أن كثيرا من السياسيين الفرنسيين بدأوا يدركون أن هذا الإتحاد يحمل مشروعا سياسيا معاديا لقيم الجمهورية الفرنسية، وأنه كان من السذاجة جعله يحظى بطرق انتخابوية ملتوية بثلث المقاعد في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، بينما لا يؤدي الصلوات في مساجده سوى حوالي 159 ألفا على أكثر تقدير من بينهم ما يقارب 1600 مناضل منخرط.

وقد تبيّن بمقارنات دقيقة أن وسائل الإعلام قد سقطت في فخ التنظيم وراحت تتحدث عن أرقام خيالية يقدمها لتضخيم نفسه في ما يخص عدد الأشخاص الذين يزورون الملتقى الذي ينظمه بـ“البورجي” قرب باريس كل عام.

ما يثير الانتباه هو خطاب اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا المزدوج على الطريقة الإخوانية والذي لم تستطع السلطات السياسية والإعلامية الفرنسية فك شفرته: خطاب مسالم، مُسكّن موجّه للسلطات والرأي العام الفرنسي، وآخر متشدّد موجّه لمناضليـه ومناصريه والمسلمين الـذين يرتادون مساجده. وهو ما عبّر عنه أحد مؤسسيه ورئيسه الأول أحمد جاب الله حينما صرّح ذات عام أن تنظيمه هو عبارة عن “صاروخ ينقسم إلى طابقين: الأول ديمقراطي، والثاني يضع في المدار مجتمعا إسلاميا”.

من الناحية الأيديولوجية، لا يفتح التنظيم أي نقاش بل يعود في كل المسائل إلى مرجعية الإخوان المسلمين. ولا يخرج الاتحاد عن أوامر المجلس الأوروبي للإفتاء، ذلك الذي نصّب نفسه وصيّا على مسلمي الغرب وعن كيفية عيش حياتهم في أوروبا والذي أصدر فتاوى ضد حقوق النساء وضد الإجهاض والذي بررّ بعض العمليات الانتحارية وهو ما لم يخالفه فيه الاتحاد حيث لزم الصمت.

وفي مسألة الحجاب وما دار حوله من نقاشات في فرنسا، اتخذ موقفا متشددا ذهب فيه إلى طرد إمام بوردو طارق أوبرو من النقاش- الذي كان رئيس الأئمة في التنظيم- لأنه يعتبر ارتداء الحجاب مسألة شخصية وليست واجبا دينيا.

لا يمكن أن نغفل الدور المؤثر الذي لعبه في فرنسا حفيد حسن البنا طارق رمضان في نشر فكر ديني منغلق عن طريق الكتيبات والمحاضرات

ولئن حاول “الاتحاديون” إخفاء ارتباطهم بالإخوان المسلمين في تصريحاتهم فكل الدارسين يعرفون أنهم يتخذون من كتابات حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي مصدرا لتوجهاتهم ومرتبطون ارتباطا عضويا بجماعة الإخوان. وليس هذا فحسب بل يعتبرون كل من يرفض تأويلات ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وسيد قطب ويوسف القرضاوي مارقا.

وفي تصريحات عديدة صرح بعض مسؤولي التنظيم “القرآن دستورنا ” وهو شعار الإخوان الأساسي. ويكفي زيارة خاطفة لملتقى “البورجيه” السنوي ليشاهد الزائر كيف تُجمع الأموال لحركة حماس عن طريق جمعيات تحت أسماء مختلفة كلجنة الإحسان ودعم الفلسطينيين، وكيف تباع كتب الإخوان التي تدعو في معظمها مسلمي الغرب إلى الانعزالية وعدم الاختلاط مع غير المسلمين للحفاظ على هويتهم وعقيدتهم الدينية.

وهو ما تفطنت إليه المناضلة ليديا غيروس ذات الأصول الجزائرية والناطقة السابقة لحزب الجمهوريين، ووجهت رسالة إلى وزير الداخلية الفرنسي السابق مانويل فالس طالبته فيها بمنع هذا التنظيم من النشاط باعتباره يساهم في نشر الفكر المتطرف لدى الشباب الفرنسي ذوي الأصول الإسلامية.

وهو الشيء الذي يؤكده قيادي سابق في التنظيم محمد لويزي في كتاب صدر أخيرا تحت عنوان “لماذا غادرت الإخوان المسلمين، عودة مضيئة إلى إسلام لا سياسي”، ويقصد بالإخوان اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا حيث كان لويزي مناضلا بين صفوفه.

لا يتردد لويزي في القول إن الاختلاف بين الإخوان والمتطرفين الآخرين هو اختلاف في درجة التطرف، وليس في طريقة التفكير، ويضيف “إن نظرنا إلى رسائل حسن البنا المتعلقة بالجهاد والتي تعدّ القاعدة الأساسية لتكوين الإخوان في فرنسا أو غيرها من الدول، لأدركنا حجم التطابق بين ما يُبشر به البنا، والمكون الأيديولوجي لدى داعش أو القاعدة. هي نفس النصوص العنيفة ونفس المصطلحات الدموية ونفس القواعد العقائدية التي تنتهي باللجوء إلى العنف والإرهاب”.

لا يمكن أن نغفل الدور المؤثر الذي لعبه في فرنسا حفيد حسن البنا طارق رمضان في نشر فكر ديني منغلق عن طريق الكتيبات والمحاضرات. ففي كتابه “المسلمون في العلمانية، مسؤوليات وحقوق المسلمين في المجتمعات الغربية”، لم يفعل طارق رمضان سوى تأكيد مقولة أصولية قديمة هي أن الإسلام ليس عقيدة فقط وإنما هو دين ودنيا.

ولكي يبدو محتكرا تمثيل كل المسلمين في فرنسا، غيّر التنظيم اسمه وأصبح ابتداء من فبراير 2017 يطلق على نفسه اسم “مسلمو فرنسا”. ونصب نفسه متحدثا باسم ملايين المسلمين في فرنسا حينما نشر ما أسماه “ميثاق قيم ومبادئ المسلمين في فرنسا” في 21 نقطة من بينها التمسك بالعلمانية، اللاسياسة، الكفاح ضد الإرهاب، وهو ما يذكر بمثل جزائري قديم “لو لم أكن أعرفك يا خروب بلدي لظننت بأنك موز”.

13