كيف انهار معنى التعليم العالي في الشرق الأوسط

الثلاثاء 2016/07/12
السير على نفس الخطى القديمة

لندن – رغم أن منطقة الشرق الأوسط كانت مهدا للتعليم العالي، ومازالت تضم أقدم ثلاث جامعات في العالم، في مصر وإيران والمغرب، فإن جودة التعليم العالي في المنطقة هي من بين أدنى المعدلات في العالم.

وتمنح جامعة القرويين في فاس درجتها منذ عام 859 ميلاديا، كما كانت مكتبة الإسكندرية القديمة، بالإضافة إلى كونها مستودعا للكتب والمخطوطات، مركزا للتعليم في عصر البطالمة، حيث يسافر العلماء إلى هناك من مختلف دول البحر الأبيض المتوسط وما وراءه.

واكتشف علماء مثل ابن خلدون الاقتصاد الأساسي قبل أربعة قرون من آدم سميث وغيره.

واليوم لا تضم قائمة أفضل 500 جامعة في العالم سوى اثنتين أو ثلاث من الجامعات العربية. ولم تبلغ أي جامعة عربية قائمة الـ200 جامعة الأولى.

ويشكو أرباب العمل في المنطقة من أن خريجي الجامعات يفتقرون إلى المهارات اللازمة للعمل في السوق العالمية. ولم يتلق الكثير منهم تدريبات في مجال العلوم والرياضيات والهندسة وغيرها من المناهج التقنية التي يتطلبها سوق العمل. وبالإضافة إلى ذلك، يفتقر هؤلاء الخريجون إلى “المهارات الناعمة”، بما في ذلك الإبداع والعمل الجماعي.

ويقول متخصصون في شؤون التعليم إن ذلك يرجع جزئيا إلى أن التعليم الذي يتلقونه يرتكز على الحفظ والتلقين.

وفي مصر، على الرغم من أن معدل البطالة أكثر من 10 في المئة، لا تزال هناك أكثر من 600 ألف وظيفة شاغرة، كما أن حوالي 40 في المئة من خريجي الجامعات في منطقة الشرق الأوسط من العاطلين عن العمل.

ومشاركة المرأة في سوق العمل، ومعظم النساء أفضل تعليما من الرجال، هي الأدنى في العالم. وتم استخدام الجامعات من طرف الجماعات المتطرفة العنيفة باعتبارها واحدة من مصادرها للاستقطاب والتجنيد.

ويتساءل شانتا ديفاراجان، الباحث في معهد بروكينغز “كيف حدث هذا؟ كيف يمكن للمنطقة التي خلقت التعليم العالي أن يكون لديها نظام مختل للغاية بحيث يساهم في تفاقم المشاكل التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط؟ كيف يمكن أن يتغير هذا الوضع، حتى تصبح الجامعات مرة أخرى في هذه المنطقة أفضل لاعب في العالم؟”.

ويقول الكثيرون إن الأسباب التي أدت إلى ارتفاع معدل البطالة بين خريجي الجامعات متعددة ولها في الغالب علاقة بمناخ الاستثمار وتراجع نمو القطاع الخاص.

ورغم ذلك هناك ميزة واحدة مشتركة بين جميع البلدان في المنطقة وهي أن غالبية خريجي الجامعات يحصلون على وظائف في القطاع العام، بينما كانت الدولة هي الملاذ الأول والأخير للتشغيل.

كان لهذه الميزة تأثير على جودة التعليم الجامعي، إذ لم يكن موضوع التخصص ذا أهمية في القطاع العام، لذلك لم يختر الطلاب دراسة العلوم والهندسة، لكنهم اتجهوا إلى نوع من التخصصات “الأسهل” مثل الأدب والتاريخ. ولم يكن القطاع العام يتطلب مثل تلك “المهارات الناعمة”.

شانتا ديفاراجان: الأغنياء في وضع أفضل للاستحواذ على فرص مجانية التعليم من أيدي الفقراء

ويقول ديفاراجان “كانت طبيعة المناهج الدراسية، بتركيزها على الحفظ، وتكرار ما يقوله أستاذ دون استجواب أو مناقشة، مقبولة بالنسبة للقطاع العام، ولكنها لم تكن عاملا مساعدا في القطاع الخاص، الذي يبحث عن العقول المبدعة التي سوف تقدم ابتكارات واختراعات جديدة. سهل هذا المنهج على الجماعات المتطرفة تجنيد الطلاب”.

ويرتبط ثاني أكثر الأسباب إثارة للجدل بـ”تسعير” التعليم الجامعي. ووفرت كل الجامعات في المنطقة تقريبا تعليما مجانيا، استنادا إلى الاعتقاد بأن الفقراء يحتاجون الوصول إلى التعليم العالي كوسيلة للهروب من الفقر.

وكانت النتيجة أن الغالبية العظمى من الطلاب في الجامعات ينتمون إلى الفئات الغنية في المجتمع. ولا يقتصر هذا النمط على منطقة الشرق الأوسط وحسب، بل يشمل آسيا وأفريقيا أيضا.

ويعتقد الكثيرون أن السبب في شيوع هذا النمط مرتبط بالاقتصاد؛ فكلما تم تقديم شيء مجاني كان هناك فائض في الطلب.

وتوزع الجامعات الطلبات الزائدة عن طريق اشتراط امتحان قبول على الطلاب. ويستطيع الأغنياء إرسال أبنائهم إلى أفضل المدارس الثانوية لإعدادهم لاجتياز امتحانات القبول. ونتيجة لذلك، فإن الجامعات مليئة بالطلاب الذي ينتمون إلى أغنى الطبقات في المجتمع.

ويقول ديفاراجان “تتيح مجانية التعليم العالي فرصا ضخمة لأولئك الذين لديهم إمكانية الوصول إليه. ويبدو أن الأغنياء في وضع أفضل للاستحواذ على تلك الفرص من أيدي الفقراء”.

ويجعل ذلك المشكلة أكثر سوءًا، إذ يوفر التعليم المجاني حوافز ضعيفة لتحسين جودة التعليم الجامعي. ويقول مراقبون إن الجامعات أمامها الكثير لتكسبه من خلال الاستثمار في تحسين المناهج الدراسية.

وفي الغالب لا يطالب الطلاب بنوعية تعليم أفضل بقدر ما يطالبون بها إذا ما كانوا يدفعون مقابلا ماليا للتعليم معتبرين ذلك بمثابة استرداد لاستثماراتهم.

وتجربة جامعة “تريبهوفان” في نيبال مميزة، إذ عندما بدأت إدارة الجامعة في فرض الرسوم الدراسية في معهد الهندسة، تحسنت النوعية كثيرا بحيث استقطب المعهد الطلاب من جميع أنحاء جنوب آسيا، وانتشرت الإصلاحات لاحقا في كامل قطاع التعليم العالي في البلاد.

لكن خبراء في مجال التعليم قالوا إن مجرد فرض رسوم على التعليم العالي لن يحل مشاكل الجامعات في منطقة الشرق الأوسط، لشيء واحد، وهو أنه ينبغي أن يكون الفقراء قادرين على تحمل أعباء التعليم العالي.

وأضافوا أن ضمان مساعدة الفقراء على الالتحاق بالجامعات يجب أن يتم عبر توفير المنح الدراسية الخاضعة للاختبارات، بدلا من الإعانات المالية العابرة للحدود، والتي يمكن أن يستفيد منها الأغنياء.

وتحتاج هذه العملية إلى مرحلة انتقالية تجنبا لأي رد فعل سياسي. ومع ذلك، يجب على الجامعات أن تقدم حوافز للاستثمار في جودة التعليم العالي، ويجب أن يكون الطلاب دافعا للمطالبة بتعليم أكثر جودة.

17