كيف بنى عبدالرحمن منيف خماسية "مدن الملح"

الناقد التونسي عبدالرزاق الحيدري يستأنس بأهم المصطلحات النقدية التي وفرتها مدرسة باريس السيميائية لتشييد الدلالة في الخماسية الروائية "مدن الملح" للروائي السعودي عبدالرحمن منيف.
السبت 2018/09/15
كتاب يكشف عن القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي شغلت منيف

تونس - يتنزل كتاب “مسار توليد الدلالة في مدن الملح” للناقد التونسي عبدالرزاق الحيدري ضمن مجال السيميائيات السردية، حيث سعى الناقد في هذه الدراسة الأدبية إلى الاستئناس بأهم المصطلحات النقدية التي وفرتها مدرسة باريس السيميائية لتشييد الدلالة في الخماسية الروائية “مدن الملح” للروائي السعودي عبدالرحمن منيف.

أجرى الناقد بحثه وفق مستويين كبيرين متكاملين تتحرك فيهما دلالة النص باعتبارها شكلا يقوم على مبدأي التتابع والاختلاف: المستوى الأول يتصل ببنية السطح، وفيها حلل الكاتب المقومين السردي والخطابي للخماسية، وأما المستوى الثاني فمداره بنية العمق، وقد تابع فيها الناقد التشاكلات الدلالية باعتبارها المؤطرة للنص “المنيفي” والضامنة للقراءة الموحدة وصولا إلى المربع السيميائي والبنية الأولية للدلالة ذات الطبيعة المجردة.

ساعد هذا التمشي الناقد على قراءة “مدن الملح” قراءة محايثة بتفكيك أبعاد النص والكشف عن اشتغاله الداخلي، وهو ما سمح له برصد تتابع الحالات والتحولات المسجلة في بنيات الخطاب والضامنة لإنتاج المعنى الذي يعد مدار النظرية السيميائية، كما انفتح هذا المنهج على السياق التاريخي الذي أنتج فيه الأثر الروائي للكشف عن القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي شغلت منيف. ومن ثم كانت دراسة هذه الملحمة الفذة اختبارا لطاقات النظرية السيميائية وغوصا نقديا في الخماسية لاكتشاف أبعادها الدلالية المحيلة على المرجعية الواقعية -التارخية.

في المقوم السردي نهضت “مدن الملح” على بنية سردية عامة حكمتها برامج سردية متنوعة ومتعارضة اضطلعت بها ثلاث شخصيات نموذجية حملها منيف أفكارا معينة وهي “الماسك بزمام السلطة” و”البدوي” و”الأجنبي”. كان لكل ذات برنامج سردي يدور حول الظفر بموضوع قيمة محدد على غرار “النفط” و”الثروة” و”السلطة المطلقة” و”الماء” و”الحرية” و”المساواة”. ووسمت هذه المواضيع النص بطابع سجالي يقوم على الصراع والمواجهة بين الذوات من جهة وحققت له نموه السردي من جهة ثانية.

امتدت علاقة الصراع التي وسمت البنية السردية العامة للخماسية إلى المقوم الخطابي إذ انتقى منيف تسميات شخوصه ونوعها (أسماء علم، أسماء اجتماعية، ألقاب ونعوت…) وبالتالي عمّق النظام الاسمي هذه المواجهة، حيث نجد تسميات إيجابية وتسميات سلبية. كما جاءت الأدوار الغرضية منسجمة مع دلالة التسمية والدور العاملي الذي اضطلعت به كل ذات في المستوى السردي، فالماسك بزمام السلطة بتجلياته النصية المتنوعة وباعتباره ذاتا تبحث عن مواضيع قيمة تجسدت من خلال “النفط” و”الثروة” و”السلطة”، اضطلع بأدوار غرضية تجاورت دلاليا مع أدواره العاملية، إذ يحضر في النص نموذجا للحاكم المطلق، الثري، المزواج والمجرم، والأجنبي مثل شخصية انتهازية، ماكرة ومستغلة تبحث عن الثروة والسيطرة على منابع النفط في الجزيرة العربية وترويض أمراء المدن الملحية. وأما البدوي فقد اضطلع بأدوار غرضية مختلفة فهو الفقير والمقاوم والمتشبث بالتقاليد.

وإذا كان إنتاج المعنى، وفق غريماس رائد مدرسة باريس السيميائية، لا يمكن استخراجه إلا بالكشف عن لعبة العلاقات القائمة في صلب النص، فإن الباحث حاول في القسم الثاني من الدراسة والموسوم بـ”بنية العمق” أن يمزج بين العناصر الداخلية المتوفرة في النص وأبعاده الخارجية، مما سمح له بالكشف عن خصائص هذه البنية، التي نهضت بدورها علاقات التضاد والصراع بين خصائص الثقافة التقليدية المحيلة على عصر البداوة والثقافة الحديثة التي ظهرت مع بداية مرحلة النفط. كما تجسدت هذه العلاقات الضدية في التشاكلات الدلالية المرتبطة بالمكان والشخصية والزمان.

 ونذكر أن كتاب “مسار توليد الدلالة في مدن الملح” لعبدالرزاق الحيدري صدر هذه الأيام عن دار الجنوب بتونس.

15