كيف تجنب ابنك التمييز في فرنسا.. حلم مفتاحه في الاسم

المهاجرون في فرنسا يفضلون التخلي عن الأسماء التي تدل على أصولهم أو إرثهم الثقافي بهدف حماية أبنائهم في المستقبل من أي معاملة تمييزية ضدهم في المجتمع.
الخميس 2019/04/11
المهاجرون لا يعاملون معاملة الفرنسي الأصيل

ما يزال الكثير من المهاجرين في فرنسا يعتبرون أن أصولهم الثقافية والعرقية والدينية ربما تكون لعنة لا تطالهم هم فقط بل تلاحق حتى أبناءهم وأحفادهم لهذه الأسباب قرر الكثير منهم منح أطفالهم أسماء البعض منها عالمي والبعض الآخر فيه تقارب كبير مع تلك الأسماء التي يطلقها الفرنسيون على أبنائهم. المعطيات بشأن أسماء أبناء المهاجرين القادمين من دول المغرب العربي أو أفريقيا جنوب الصحراء أو أوروبا أو حتى آسيا وأميركا تشترك كلها في إظهار حقيقتين الأولى وجود عدم مساواة كبير وتمييز ضد المهاجرين لاسيما في الحصول على سكن أو وظيفة والثانية هي مشكلة الاندماج التي تعد معضلة حقيقية تواجهها كل المجتمعات المختلطة.

باريس- أن تفكر في مستقبل ابنك وفي سبل تأمين حياة أفضل له فهذا أمر طبيعي، لكن أن يشمل هذا التفكير تفصيلا قد يبدو بسيطا يتعلق بالاسم الذي سيحمله هذا الطفل فهذا دليل على وجود مشكلة حقيقية يعاني منها المجتمع الذي يقيم فيه. هكذا كان تفكير الأسر المهاجرة في فرنسا التي فضلت أن لا يحمل أبناؤها أسماء تشير إلى أصولهم.

 بحسب المعهد الفرنسي للإحصاء فإن المهاجرين في هذا البلد أصبحوا يميلون إلى إعطاء أسماء “عالمية” لأبنائهم بدلا من إعطائهم أسماء معروفة في بلدانهم الأصلية. الفكرة قد تبدو في الظاهر تشير إلى رغبة هؤلاء المهاجرين في الاندماج داخل المجتمع الفرنسي لكنها في حقيقة الأمر ليست سوى توجه يترجم نزعة للتضليل بشأن أصول الأبناء وجذورهم وانتماءاتهم العرقية والدينية والثقافية.

هذه المعطيات أوردتها دراسة حديثة صادرة عن المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية الأربعاء ومن إنجاز عالمي الاجتماع باتيست كولمون وباتريك سيمون، وهما اللذان أكدا أن المهاجرين في فرنسا يفضلون التخلي بسرعة عن الأسماء التي تدل على أصولهم أو إرثهم الثقافي من خلال تسمية أولادهم وأحفادهم بأسماء “عالمية”.

وذكرت الدراسة أن “التلاقي بين غالبية الناس والمتحدرين من مهاجرين لا يحصل على أساس أسماء أولى فرنسية بحتة بل بأسماء أولى عالمية يتماهى معها كل إنسان”.

يهدف المهاجرون من هذا التضليل بشأن أسماء أبنائهم إلى حمايتهم في المستقبل من أي معاملة تمييزية ضدهم في المجتمع أو عند التقدم للحصول على وظيفة مثلا أو غيرها من الأسباب والظروف الأخرى.

يقول باتريك سيمون، الباحث في المعهد الوطني للإحصاء الذي شارك في إعداد الدراسة بشأن أسماء أبناء المهاجرين في فرنسا، إن “منح الأطفال أسماء مميزة وعلى الموضة أصبح أمرا شائعا في فرنسا”. ويستدرك موضحا بأن هذا الاختيار قد يكشف عن نوايا أخرى فهو “يعكس إلى جانب منح الطفل اسما مميزا ويتماشى مع روح العصر، الرغبة في تجنيبه التمييز في مرحلة لاحقة من حياته”. ويؤكد الباحث الفرنسي أن العديد من الدراسات أظهرت أن حمل اسم أول جذوره تعود إلى دول شمال أفريقيا أو أفريقيا جنوب الصحراء “يمكن أن يكون عاملا للتمييز أثناء عملية التوظيف أو لإيجاد منزل”.

البعض من المهاجرين يختارون أسماء لأطفالهم فيها قواسم مشتركة بين الثقافة الفرنسية وثقافة بلدهم الأصلي، فيما يختار آخرون منح الطفل اسمين أحدهما رسمي يستعمل في المدرسة والآخر عربي أو إسلامي مثلا ينادونه به داخل المنزل وهو ما يعتبره سيمون “كنوع من استراتيجية الخفاء”.

التماهي مع الفرنسيين لإخفاء الانتماءات الثقافية والعرقية والدينية
التماهي مع الفرنسيين لإخفاء الانتماءات الثقافية والعرقية والدينية

ورغم أن التمييز الذي يتعرض له المهاجرون في فرنسا حقيقة لا يمكن إنكارها وفق تقارير ومعطيات كثيرة ومنها ماهو صادر عن جهات رسمية، إلا أن العديد من المهاجرين استطاعوا اقتناص فرص هامة في فرنسا متجاوزين كل عراقيل صعوبة الاندماج فيكفي أن نذكر نجاة بلقاسم المنحدرة من أصل مغربي وتقلدت في فترة سابقة منصب وزيرة التعليم العالي في فرنسا. وأمثال جناة بلقاسم كثيرين في مجالات الفن والسياسة والأعمال والفكر.

شمل البحث مراقبة انتقال الأسماء في فرنسا على مدى ثلاثة أجيال لدى الأوروبيين الجنوبيين والأشخاص المتحدرين من دول شمال أفريقيا من خلال الإحصائيات الرسمية للسنوات الأخيرة.

نتيجة البحث بيّنت أن الجيل الأول للمهاجرين القادمين من دول المغرب العربي يحملون أسماء عربية وإسلامية مثل محمد ورشيد وفاطمة وخديجة بما يتجاوز 90 بالمئة. لكن ذلك تراجع مع أبناء المهاجرين وأحفادهم الذين أصبحت تشيع بينهم أسماء مضللة لناحية الأصول الثقافية من قبيل نادية ومريم، فيما يعمد الكثير منهم إلى إطلاق أسماء شبيهة أو قريبة من الأسماء الفرنسية مثل يانيس ونيكولا وسارة وإيناس ولينا.

وكدليل على التمسك بالخلفية الدينية، قالت الدراسة إن المسلمين في فرنسا يحتفظون بأسماء لها جذور دينية أكثر من غيرهم من الفرنسيين سواء من المسيحيين أو من لا يعتنقون أي ديانة. فنحو 63 بالمئة من أبناء الجيل الثالث يحملون أسماء عربية إسلامية في العائلات “المتدينة” مقابل 7 بالمئة في العائلات “التي لا تتبع أي ديانة”.

وقال جيروم فوركيه المحلل سياسي الفرنسي والذي يشغل منصب مدير في إحدى المؤسسات الخاصة التي تنشط في مجال استطلاعات الرأي، إنه ما يزال الميل إلى إعطاء الأسماء العربية الإسلامية قويا للغاية، مشيرا إلى أنها تبدو ظاهرة مستمرة مقارنة بالمهاجرين الآخرين. وكان فوركيه قد كشف في كتابه “الأرخبيل الفرنسي” الذي يقدم دراسة للمجتمع الفرنسي، بأن 18 بالمئة من الأسماء الجديدة في فرنسا هي أسماء عربية وإسلامية.

المهاجرون المسلمون في فرنسا يحتفظون بأسماء لها جذور دينية أكثر من غيرهم من الفرنسيين من أصول أجنبية سواء من المسيحيين أو من لا ديانة لهم

وفيما يعتبر المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية في اعتماد المهاجرين من دول المغرب العربي والشرق الأوسط أسماء عربية وإسلامية كدليل على التمسك بالدين، يرجع فوركيه هذه الظاهرة في جانب إلى تواتر حركة تدفق الهجرة من دول شمال أفريقيا بالأساس وقلة الزيجات المختلطة في هذه المجتمعات مقارنة بغيرها.

وبنفس المنطق يتخلص مهاجري جنوب أوروبا لكن بشكل أسرع من الأسماء اللاتينية. فخوسيه وماريا من الجيل الأول أطلقا على أطفالهما أسماء جان ودافيد وماري وساندرين وأحفادهم يسمون لوكاس وإنزو ولورا وليا.

ويعتبر فوركيه الذي تركز أعماله على السلوك السياسي والمواقف المتعلقة بالأديان أو قضايا الهجرة أو الهوية بأن الأسماء الأولى تقول الكثير عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية للأسر وبالتالي عن المجتمع. يمكن تحليل التنويع الاستثنائي لأسماء معينة في العقود الأخيرة كعرض من أعراض صعود الفردية والرغبة الشديدة في التمييز الموجودة في المجتمع الفرنسي.

وفي كل الأحوال، ما يزال عامل التنوع في المجتمع الفرنسي متوفرا، حيث بينت الدراسة أنه خلال العام 2005 أطلق على الأطفال أسماء غير فرنسية. ويرجع الفضل في هذا التنوع في الأسماء إلى إلغاء فرنسا قبل عشرين عاما قانونا يعود تاريخه إلى 1803 ليصل عدد الأسماء المتداولة في فرنسا إلى حوالي 13 ألف اسم. وقبل إلغاء القانون كان عدد الأسماء المصرح بها في حدود ألفي اسم.

13