كيف تختار ممثليك

الثلاثاء 2014/04/29

كثرت في هذه الأيام، الكتب، التي تبدأ بكلمة “كيف” من مثل: كيف تصبح مليونيرا، وكيف تعيش سعيدا، وكيف تحصل على جسم رشيق ودون كرش.. أما في السابق، فكان المرء يأكل ويشرب ويعيش ويموت، دون إرشادات، وأظنه كان سعيدا. إلا أن علم الإدارة الحديث، يصر على تطبيق قواعد وإرشادات يضعها كعلامات الطريق، ترشد الناس إلى الاختيار الأمثل لأعمالهم والطرائق الأفضل لإدارتها، واعدا إياهم بحسن إنتاج وبخير وفير.

وأذكر يوما، أن صديقا، حكى لي نادرة حصلت له شخصيا في فن اختيار الموظفين.. قال: “كنت ذات يوم، من أيام تموز الحارة، أسير في أحد شوارع الشام، وكنت عطشان بل وجوعان أيضا. فاتجهت إلى مطعم قريب مني، وكانت واجهته الزجاجية، عريضة ونظيفة لماعة.. وقبل أن أدخل المطعم، لفت نظري شاب، يقعد وحده إلى إحدى الطاولات، ويتناول طعامه بشراهة وإقبال، قل مثيلهما، ولقد عددت عشرة أطباق فارغة أمامه، وكان مقبلا على الطعام لا يلتفت إلى من حوله، داخل أو خارج المطعم.

أثار منظره وطريقة أكله، شهيتي أكثر مما كانت عليه، وزاد الجوع نهشا في معدتي. دخلت، وطلبت، و.. أكلت، إلا أن الطعام لم يكن شهيا، بل أجزم أنه كان رديئا. وأرجعت إقبالي على طلب كمية زائدة عن حاجتي إلى طريقة أكل ذلك الشاب.

ولما كنت ومنذ مدة، أعتزم أن أفتح مطعما كمشروع استثماري، أزيد به ربحا في أعمالي، قلت لنفسي، سأوظف هذا الشاب عندي في المطعم الجديد. اتجهت إلى طاولته، وكان لا يزال منهمكا في الأكل، سلمت عليه، فقابلني باحترام، ودعاني إلى الجلوس.

قلت له: الحقيقة أن شهيتك إلى الأكل أعدتني ولذلك أريد أن أعرض عليك عملا، هذا إن لم يكن لديك عمل يشغلك. فأنا سأفتتح مطعما، وأرجو منك، فقط، أن تقعد في واجهته خلف الزجاج وأن تأكل بشهية، كما كنت ولا تزال تأكل الآن. وسأجزل لك العطاء إضافة إلى الوجبات التي تأكلها. فوافق الشاب، واتفقنا على موعد محدد يقوم فيه بعمله. وجاء يوم الافتتاح، وقمت باستئجار فرقة “عراضة” وأهازيج ودعوت الأصدقاء وكثيرا من الناس.

وأخذت الفرقة تهزج وتقرع الطبول، فتجمهر الناس في الشارع وعلى الواجهة وكانت أطباق الطعام مصفوفة أمام الشاب، الموظف الجديد وفيها من كل ألوان الطعام وأشهاه. إلا أن الموظف، لم يأكل، لا بشهية، ولا دون شهية! بل أخذ يبعد عنه أطباق الطعام، ويرجع بكرسيه إلى الوراء. وكأنه يأنف من الطعام، مما جعلني أدخل إليه، غاضبا متوترا، ومحرجا من الناس. وسألته بعنف: مالك لا تأكل والناس في الخارج بالآلاف؟ أنت من سيجعلهم يدخلون المطعم أو يبتعدون عنه، هل نسيت دورك ولماذا رشحتك للعمل؟ إلا أن الشاب قام عن الكرسي، ورد علي ببساطة متناهية: لقد تعبت من الأكل، فأنا طيلة النهار قبل الافتتاح، كنت أتدرب على الأكل!”.

فاجأني صديقي بهذه النهاية المضحكة المبكية. وقست على نتيجتها، مواقف مشخينا وممثلينا إلى محافل ومؤتمرات الأمم، وقلت: لعلهم دائما يتدربون.. وعندما يصلون إلى ما عهدنا إليهم، ينامون.

24