كيف تخدع شركات جمع البيانات وكلاءها الإعلانيين

شركة أكسيوم تزرع بيانات خاطئة وتحصد مقابلها أموالا طائلة، وفيسبوك أكبر شركة بيانات في العالم.
السبت 2018/03/31
كنز من البيانات

لندن- توم بيرغن – أنا في السابعة والخمسين من العمر وزوجتي في الثلاثين ولدينا غلاية مياه جديدة بعض الشيء وجهاز تلفزيون من الطراز القديم وسيارة تعم بالبنزين ولم ننجب أطفالا.

في واقع الأمر ليس أي من هذه المعلومات صحيحا، لكن هذا هو ما قد تعتقد في صحته إذا تعاقدت على شراء بياناتي من أكبر شركة في العالم للوساطة في المعلومات من حيث القيمة السوقية.

اشتد القلق العام من الطريقة التي تجمع بها الشركات بيانات المستخدمين الشخصية وتستخدمها، بعد ما تكشف في الآونة الأخيرة أن شركة كامبريدج أناليتيكا لاستخلاص البيانات استخدمت بشكل غير سليم البيانات الشخصية لنحو 50 مليونا من مستخدمي فيسبوك بغرض استهداف الناخبين. فتوجهت إلى شركة أكسيوم، التي تعمل انطلاقا من أركنسو وتحقق دخلا يتجاوز 800 مليون دولار سنويا من بيع بيانات عن المستهلكين لكبرى الشركات العالمية، وطلبت منها ما تملكه من بيانات واستنتاجات عني.

وتسمح القوانين في أوروبا والولايات المتحدة لشركات مثل أكسيوم بجمع البيانات من المصادر المتاحة للجميع وغيرها عنا.

 

رغم اعتذار مسؤولي فيسبوك عن سماحها للشركة البريطانية كامبريدج أناليتيكا بالوصول لبيانات 50 مليون مستخدم تقريبا، وهي البيانات التي استخدمتها الشركة للتأثير على الناخبين الأميركيين، إلا أن الموقع مازال يتعرض لهزة قوية، تعيد تسليط الضوء على أزمة الخصوصية في عصر الانفتاح الرقمي الذي ساعد في تكاثر شركات جمع البيانات التي تتعامل مع معلومات الأفراد الشخصية والتي يمكن أن تجمعها وتخزنها وتستخدمها الحكومات أو المؤسسات الحكومية أو الخاصة.

وتقضي قوانين الخصوصية السارية في أوروبا، والمقرر تشديدها في الأشهر المقبلة، بأن تكشف كل الشركات التي تتولى جمع البيانات لأي أوروبي يطلب المعلومات التي بحوزتها عنه. أما القانون الأميركي فلا يمنح الأميركيين الحق في هذا القدر من الإفصاح.

وتبين نتيجة استقصاءاتي كيف تحاول الشركات تكوين صور تفصيلية عن الأحوال المالية للأفراد وعلاقاتهم واهتماماتهم الشخصية وأذواقهم في التسوق حتى إذا كانت تملك قدرا ضئيلا من البيانات.

هذه اللمحات البيانية تدار على أساسها الآن الآلية الموسعة التي توزع الإعلانات عبر الإنترنت، ويمكن أن تستخدم أيضا في تحديد القضايا السياسية التي يهتم بها الناس واتجاهاتهم عند التصويت في الانتخابات. والسؤال الآن هو: ما مدى دقة الصور التي ترسمها تلك الشركات؟

تعمل أكسيوم مثل منافساتها بجمع المعلومات المتاحة على المشاع من مصادر مثل سجل الناخبين الذي يتضمن عناوين إقامة الأفراد وسجل الأراضي الذي يتيح بيانات عن ملكية المنازل مثل أسعار الشراء والرهون العقارية إذا توفرت.

كما تشتري الشركة البيانات من شركات تجري استطلاعات إلكترونية من مواقع الإنترنت التي ينسى المستخدم وسم خانة تتضمن عبارة “لا توزع هذه البيانات على أطراف ثالثة”، ومن مصادر أخرى.

الباحث المترف عن المتعة

تتم بعد ذلك تغذية نموذج خاص بالشركة بهذه البيانات لاستخلاص قائمة من الاستنتاجات والميول مثل احتمال أن يقدم المستهلك على دخول متجر مراهنات.

وتبيع أكسيوم هذه المعلومات للشركات الراغبة في توجيه الإعلانات للمستهلكين المحتملين. وليس لشركة أكسيوم فرع سياسي مثل كامبريدج أناليتيكا لكن الشركتين تتنافسان على العملاء التجاريين.

وفي أعقاب الفضيحة التي تكشفت عن الكيفية التي تتعامل بها شركة فيسبوك مع المعلومات الشخصية، قالت الشركة الأربعاء إنها ستنهي شراكاتها مع عدد من شركات الوساطة الكبرى في عالم البيانات التي تساعد شركات الإعلان على استهداف الناس على شبكات التواصل الاجتماعي.

وانخفضت أسهم أكسيوم أكثر من عشرة في المئة إلى 25 دولارا في أعقاب إعلان فيسبوك.

ومن الواضح أن النتائج الخاصة بالفرد الواحد لا تنبئنا كثيرا عن دقة قاعدة البيانات التي تقول أكسيوم إنها تتضمن نبذات عن 47 مليون مستخدم في بريطانيا، و700 مليون مستهلك على مستوى العالم.

كما يبدو أنني طرف سيء في عملية جمع البيانات لأنني أتراجع في العادة عندما يُطلب مني إعطاء الشركات حقوق نشر البيانات.

قوانين الخصوصية في أوروبا، والمقرر  تقضي بأن تكشف كل الشركات التي تتولى جمع البيانات لأي أوروبي يطلب المعلومات التي بحوزتها عنه

وقالت أكسيوم “معلوماتنا تكون أكثر دقة عندما نمتلك بيانات أكثر من صاحب الشأن نفسه، وأكثر التزاما بالخصوصية. في حالتك لم يكن لدينا شيء يذكر من هذه البيانات وأغلب المتغيرات التي ارتبطت بك مبنية على نماذج بناء على الرمز البريدي الخاص بك وتاريخ الأسرة”.

ويضم ملف بياناتي لدى أكسيوم حوالي 750 خانة للبيانات تحت أكثر من عشرة أبواب من “تكوين الأسرة” إلى “العمل والدخل” و”أسلوب المعيشة والاهتمامات”. ويصفني الملف بأنني “الباحث المترف عن المتعة”، لكن بعض المعلومات الواردة في الملف خطأ في خطأ.

فأنا أبلغ من العمر 46 عاما لا 57 عاما، ولن أكشف عن سن زوجتي، لكني أؤكد أنني عندما تزوجتها وأنا في الرابعة والثلاثين لم تكن هي في سن المراهقة. وقد أنجبنا اثنين. كما أنني أقود سيارة تعمل بوقود الديزل وغلاية المياه لدينا عمرها أكثر من 15 عاما، وليس أقل من خمس سنوات كما وصفتها أكسيوم.

ربما يكون هذا أمرا مخيبا لآمال شركات مثل تيسكو لتجارة التجزئة وتويتر وفورد موتور وفيسبوك، التي قالت أكسيوم إنها ربما زودتها ببياناتي في العام الماضي. وربما لم يحدث ذلك.

قالت كارول هارغريفز الأستاذة الجامعية ومديرة مركز داتا أناليتيكس للاستشارات في الجامعة الوطنية في سنغافورة، إن احتواء ملفي على أخطاء لا يمثل مشكلة بالضرورة لشركات التسويق. فالمهم فعلا هو التنبؤات بسلوك الأفراد واهتماماتهم وميولهم في شراء منتجات بعينها.

وقالت هارغريفز “الأشياء التي تبيعها لرجل في السادسة والأربعين أو السابعة والخمسين هي نفسها”.

الكشف عن حسابات التواصل الاجتماعي للحصول على تأشيرة أميركية

واشنطن – سيتعين على الراغبين في الحصول على تأشيرة أميركية الإفصاح عن حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، وأرقام هواتفهم السابقة، وحساباتهم البريدية الإلكترونية، في إجراء جديد يطال 10 ملايين شخص سنويا. وبموجب خطة لوزارة الخارجية نشرت الجمعة، سيتعين على المتقدمين للحصول على تأشيرة سواء للزيارة أو كمهاجرين محتملين، ملء قائمة بحساباتهم في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي. وسيكون على المتقدمين تعريف أي منصات يستخدمونها و”أي محددات هوية يستخدمونها في هذه المنصات خلال السنوات الخمس السابقة لتاريخ الاستمارة”. ونصت المذكرة المنشورة في السجل الفيدرالي على أن “الأسئلة الأخرى تتضمن تقديم أرقام الهواتف المستخدمة سابقا، والحسابات البريدية الإلكترونية، وسفرهم خارج دولهم خلال الخمس سنوات السابقة”. واقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حزمة القواعد الجديدة العام الماضي فيما وصفه بأنه “التدقيق الشديد” وهو ما قالت جمعيات حقوقية إنه يتعارض مع الخصوصية، لكن مسؤولين أميركيين قالوا إن التعديل الجديد سيمكنهم من التعرف على متطرفين محتملين، مثل أحد المهاجمين في إطلاق النار في سان برنادينو أواخر 2015، والذي حصل على تأشيرة رغم أنه كان من مؤيدي “الجهاد” على مواقع التواصل الاجتماعي. وسيطبق التعديل الجديد على تأشيرات المهاجرين وغير المهاجرين على حد السواء. وخلال العام المالي الماضي، تقدّم نحو 600 ألف شخص للحصول على تأشيرة هجرة في حين تقدّم حوالي عشرة ملايين للحصول على أنواع أخرى من التأشيرات.

وفي بعض المجالات التي يحتمل أن تكون مهمة، كانت البيانات أفضل من مجرد التخمين العشوائي. فقد تنبأت بأن احتمال أن أكون أنا صاحب عمل ولا أعمل لدى الغير يبلغ 5.2 في المئة فقط. وتبين البيانات الرسمية أن حوالي 17 في المئة من البريطانيين من أصحاب الأعمال.

كما كان تنبؤ أكسيوم بدخل أسرتي أقرب كثيرا من الرقم الحقيقي عن المتوسط الذي تنشره هيئة لندن الكبرى لدائرتي الانتخابية.

غير أنه إذا كانت قرارات الشراء مدفوعة بالاهتمامات الخاصة بأسلوب الحياة، فإن البيانات التي جمعتها أكسيوم عني غير ذات فائدة لشركات التسويق.

أخطاء الملفات

تشير التنبؤات بقراءة عداد الأميال السنوي الخاص بسيارتي إلى نطاق يتراوح بين 8 آلاف و100 ألف بناء على “نموذج الاحتمالات”.

ويقارب هذا الرقم المسافة التي تقول مجموعة آر.ايه.سي لبيانات السيارات إنها المتوسط الذي يقطعه صاحب سيارة في لندن كل عام، لكنه يزيد مرتين عن المسافة التي أقطعها سنويا.

وتخطئ أكسيوم عندما تقول إنني لا أملك جهاز تلفزيون بشاشة مسطحة، وهو الأمر الذي توصلت إليه من خلال النماذج، وذلك رغم أن تقريرا أصدرته الحكومة البريطانية عام 2013 ذكر أن أغلب الأسر لديها تلفزيونات مسطحة. ويبين استطلاع أجري في العام 2017 أن واحدا من كل سبعة بريطانيين عضو في صالة للتدريبات الرياضية، لكن أكسيوم تقدر أن احتمال اهتمامي بعضوية صالة للتمرينات يبلغ 47.5 في المئة فقط.

وقد انتهى آخر اشتراك لي من هذا النوع قبل أكثر من عشر سنوات.

كما تعتقد أكسيوم أنني على الأرجح أهتم بحل مسابقات الكلمات المتقاطعة، وهو ما لم يحدث منذ الثمانينات، أكثر من اهتمامي بالشؤون الجارية التي هي من صميم عملي في حياتي العملية على مدى 20 عاما.

ومن الجوانب الإيجابية ثمة مؤشرات على أن أكسيوم لا يدخل في نشاطها التصنيف العرقي.

وتتنبأ الشركة بأن احتمال اهتمامي بالذهاب بانتظام إلى حانة يبلغ 13.6 في المئة. وقد سألت الأستاذة الجامعية هارغريفز عما إذا كان ذلك يبدو معقولا من الناحية الإحصائية لصحافي أيرلندي.

قالت بعد أن توقفت عن الضحك إن التنبؤات الدقيقة تتوقف على البيانات الأولية.

قالت أكسيوم إن المعلومات غير الدقيقة بمفردها لا تضعف قيمة خدمتها. وقالت في بيان “نحن نعلم من خلال عملنا مع الأسماء التجارية البارزة أن البيانات تساعدها على إنجاز تسويق أكثر دقة وأهمية لعملائها حسب المطلوب… والعامل الرئيسي هنا هو ’حسب المطلوب’”.

وقالت أنابيل كيلنر، كبيرة المسؤولين التجاريين بشركة ميد.كوم لتجارة الأثاث على مستوى التجزئة، إن بيانات المستهلكين تساعد الشركات على توصيل رسائل تجد صدى لدى المستهلكين.

وأضافت كيلنر “نحن نتبنى نهجا يقوم على الاختبار والتعلم لتحقيق المستوى الأمثل لحملاتنا الدعائية”.

وقال شياوغينغ دونغ، الأستاذ المساعد للتسويق وتحليلات الأعمال بجامعة سانتا كلارا في وادي السيليكون، إن التنبؤات النوعية مثل تلك التي تنتجها أكسيوم تتيح للشركات المعلنة فكرة أفضل كثيرا عمن تصل إليه من المستهلكين.

لكن هارغريفز قالت إن ثمة مخاوف بين بعض المعلنين أن ملفات المستهلكين التي يشترونها من شركات جمع البيانات قد لا تساوي على الدوام الأموال الضخمة التي تدفعها.

وقالت هارغريفز إنها على وشك أن تبدأ العمل مع عملاء لشركات مثل أكسيوم للتأكد مما إذا كانت تحصل على خدمة تساوي ما تدفعه من مال. وأضافت “بعض بائعي البيانات يسايرون الموضة فحسب”.

وقال الخبراء إن مفتاح دقة الملفات هو سلامة البيانات الخام. وأفضلها تمتلكه الشركات التي نتفاعل معها أكثر من غيرها وهي شركات مواقع التواصل الاجتماعي العملاقة مثل فيسبوك وتويتر وشركات التجزئة مثل أمازون.

وقال ستيفان ليواندوسكي، أستاذ علم النفس المعرفي بجامعة بريستول في بريطانيا، إن ذلك يفسر سبب تلهف شركات مثل كامبريدج أناليتيكا على بيانات فيسبوك.

وأضاف “الفرق بين استخدام سجل الناخبين وفيسبوك هو أن المعلومات التي نكشف عنها على فيسبوك كافية لكي يستخلص منها برنامج كمبيوتر شخصيتنا بدقة أكبر من أزواجنا وزوجاتنا”.

7