كيف تخفض التضخم المرتفع في عنان السماء على طريقة أردوغان؟

صار التضخم بمثابة اللعنة التي تطارد أردوغان وحزبه الحاكم منذ أن بدأ الاقتصاد في تسجيل نشاط محموم العام الماضي بسبب إجراءات التحفيز التي اتخذت من أجل تعزيز النمو الاقتصادي.
السبت 2018/10/20
التضخم يؤرق صهر أردوغان

هل تساءلت يوما عن كيفية خفض واحد من أعلى معدلات التضخم في العالم؟ فلتسأل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. الطريقة تبدو بسيطة. كل ما عليك هو أن تحصر السلع المستخدمة في حساب تضخم أسعار المستهلكين وتطلب من رجال الأعمال خفض أسعارها.

هذا بالضبط ما فعله اتحاد الغرف وبورصات السلع، أكبر مجموعات الأعمال في تركيا هذا الأسبوع بناء على طلب الحكومة.

قام اتحاد الغرف وبورصات السلع، الذي يضم تحت مظلته 365 شركة، بتوزيع قائمة تشمل 407 سلعة على أعضائه في أنحاء البلاد، وهي عبارة عن نسخة كربونية من سلة التضخم في تركيا. تضمنت القائمة الأغذية والمشروبات ومنتجات الألبان والأجهزة المنزلية ومواد التنظيف واللحوم والمنتجات الزراعية. ففي الواقع كل شيء يستخدم في حساب التضخم في البلاد ما عدا بنود مثل الوقود ورسوم الطرق والكهرباء. وقال اتحاد الغرف والبورصات إنه يجب على الشركات أن تخفض أسعار السلع بنسبة عشرة في المئة.

لم يكن مفاجئا بعد ذلك أن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، صهر أردوغان، توقع هذا الأسبوع أن يبدأ معدل التضخم التركي في التباطؤ في شهر أكتوبر، وأن يواصل الاتجاه النزولي في بقية العام. وقد طُلب من الشركات خفض الأسعار في وقت متزامن على مدى الأشهر الثلاثة المقبلة.

لقد صار التضخم بمثابة اللعنة التي تطارد أردوغان وحزبه الحاكم منذ أن بدأ الاقتصاد في تسجيل نشاط محموم العام الماضي بسبب إجراءات التحفيز التي اتخذت من أجل تعزيز النمو الاقتصادي. وتسارع معدل التضخم هذا العام مع هبوط الليرة إلى مستويات قياسية متتالية أمام الدولار الأميركي، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات كثيرا. وبلغت خسائر العملة التركية 45 في المئة بحلول شهر أغسطس بعدما دخل أردوغان في صدام مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسبب احتجاز قس أميركي.

وقفز معدل التضخم إلى 24.5 في المئة في سبتمبر، مسجلا أعلى مستوى له منذ عام 2003، من 17.9 في المئة في الشهر السابق له، الأمر الذي دفع البيرق إلى الإعلان عن إجراءات طارئة قصيرة الأجل. وكانت أهم خطوة بين هذه الخطوات، باعتراف البيرق نفسه، هي إقناع الشركات بخفض الأسعار.

أما الخطوة الثانية في تجربة “التضخم البالغ 101 في المئة” في تركيا فتتعلق بامتثال الشرطة. ففي الشهر الماضي أمر أردوغان المعروف بمراسمه التي تغطي جميع النواحي السياسية والاقتصادية ضباط شرطة البلديات بدخول المتاجر للتحقق من أي زيادات غير عادلة في الأسعار. ويواجه من يسمون بالمضاربين ومخزني البضائع عقوبات.

وجاءت الخطوة الثالثة حين أعلن البيرق عن مكافأة لرجال الأعمال الأتراك. فالشركات التي تمتثل لبرنامج الحكومة الذي يهدف إلى مواجهة التضخم وتخفض أسعارها ستتسلم ملصقات تثبت ولاءها كي تضعها داخل منافذها التجارية وعلى اللوحات الإعلانية. غير أن هذا التصنيف الإيجابي يسمح أيضا للمسؤولين والمستهلكين برصد الشركات التي لا تمتثل لرغبات الحكومة.

في بلد معروف بنظام حكمه المتسلط بشكل متزايد، إذ تزداد تركيا استبدادا في عهد أردوغان، فإن عواقب السير عكس تيار الحكومة قد تكون وخيمة

وقد تشمل الخطوة الرابعة القضاء. ففي بلد معروف بنظام حكمه المتسلط بشكل متزايد، إذ تزداد تركيا استبدادا في عهد أردوغان، فإن عواقب السير عكس تيار الحكومة قد تكون وخيمة.

ثمة العشرات من رجال الأعمال الأتراك يقبعون بالفعل في السجون التركية باتهامات تتعلق بالانتماء إلى حركة إسلامية سرية متهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في يوليو 2016. ويتهم المعارضون السياسيون لأردوغان وجماعات حقوق الإنسان الرئيس التركي باستخدام حملات القمع التي طالت عشرات الآلاف من الأشخاص، من بينهم بيروقراطيون ومفكرون ونحو 180 صحافيا، ليرسخ أجواء الخوف في البلاد. صحيح أن رجال الأعمال لن يتعرضوا للمقاضاة لعدم خفضهم الأسعار، إلا أن أردوغان سعى لخلق مناخ واضح المعالم في البلاد شعاره “إما معنا أو علينا”، وهو ما قد تترتب عليه تداعيات غير متوقعة.

وقد تم دمج وزارتي الخزانة والمالية حديثا في وزارة واحدة أصبحت حاليا تحت السيطرة الكاملة لأردوغان بعدما عين البيرق على رأس وزارة الخزانة والمالية الجديدة في أوائل يوليو.

استغل أردوغان بالفعل سلطة الوزارة في فرض غرامات ضريبية على دوغان القابضة أكبر مجموعة إعلامية في البلاد، والتي انتقلت ملكيتها إلى أحد الموالين للرئيس في وقت سابق هذا العام. جرى استكمال عملية البيع في الوقت الذي واجه فيه مالك الشركة آيدين دوغان احتمال احتجازه بسبب مخالفة قانونية مزعومة تتضمن عمليات شراء لأوراق الطباعة من الخارج. كما استغل الرئيس التركي منصبه في توزيع المكافآت المالية على من يظهرون له الولاء، متغاضيا عن ضرائب مستحقة بمليارات الليرات على رجال الأعمال المقربين من نظامه.

وفي شهر سبتمبر، عين أردوغان نفسه رئيسا لصندوق الثروة السيادي في البلاد، والذي يسيطر على أكبر البنوك التي تديرها الدولة بجانب مؤسسات كبرى أخرى. وفي السنوات الأخيرة وزعت البنوك عشرات المليارات من الدولارات لمساعدة الشركات في تمويل عملياتها. وكثير من تلك الشركات تواجه الآن صعوبات في السداد أو تحتاج إلى مصادر تمويل جديدة. ومن بين أعضاء مجلس إدارة صندوق الثروة السيادي رفعت حصارجيقلي أوغلو رئيس اتحاد الغرف وبورصات السلع.

في الوقت نفسه اتفقت معظم البنوك التركية على خطة شاملة لإعادة هيكلة قروض الشركات المتعثرة ينظمها اتحاد البنوك التركية. ويقود اتحاد البنوك حسين آيدين رئيس البنك الزراعي الذي تديره الدولة، وهو أحد المصارف الخاضعة لسيطرة الصندوق السيادي الذي يترأسه أردوغان. سجل أردوغان في استخدام مثل هذه الوسائل في الثواب والعقاب قد يكون أداة نفسية مفيدة في إقناع رجال الأعمال بالتخلي عن بعض الإيرادات والامتثال لخطط الحكومة الرامية لكبح التضخم، وإن كان ذلك يجافي الواقع.

في الحقيقة، هناك أشياء كثيرة تتوقف على محاربة ارتفاعات الأسعار. ذلك أن الرئيس وحزبه العدالة والتنمية الحاكم يواجهان انتخابات محلية في شهر مارس. في الوقت نفسه، يهدد الركود الاقتصادي الشديد البلاد بسبب التضخم الخارج عن نطاق السيطرة وارتفاع أسعار الفائدة. والعشرات من شركات البناء وشركات الطاقة التي تتمتع بصلات وثيقة بأردوغان تواجه شبح الإفلاس. كما أن شعبية أردوغان بين الناخبين الأتراك آخذة في التراجع.

يمكن القول إن الإخفاق في السيطرة على التضخم قد يكون له ثمن باهظ للغاية حقا.

9