كيف تدعم قطر ظلامية القرضاوي وتحتفي بحداثة تصاميم بورش

اجتاحت قطر في السنوات الماضية حمى الاستثمار في قطاعات الثقافة والإعلام والرياضة ووصلت إلى حد قطاع السينما الأميركية في هوليوود. وخلف بريق هذه الاستثمارات كانت الدوحة تخفي جانبا على النقيض تماما، وهو الاستثمار في جماعات الإسلام السياسي وتنظيمات وشخصيات مصنفة إرهابية. وعلى هذا التناقض تنبني عقيدة السياسة القطرية، حيث الجمع بين الشيء وضده؛ فهي تتوسط في المصالحات وتدعم المتمردين، من جهة تقدم نفسها كوسيط سلام ومن جهة أخرى تمد المعارضة بالسلاح. وتدعم الأفكار المتشددة وتروج لكتب الإخوان وفي نفس الوقت تنظم فعاليات ومعارض لأشهر الرسامين والفنانين الليبراليين والحداثيين في العالم. واستحواذ الدوحة على شركات الترفيه والثقافة العالمية أو المساهمة فيها، ليست دونه أهداف سياسية ودبلوماسية تستثمرها الدوحة عند الحاجة على غرار تنظيم مجموعة من الفعاليات تحتفي بالثقافة والفن الألمانيين في خطوة تسعى من خلالها قطر لاستقطاب برلين إلى صفها في أزمتها الراهنة.
الجمعة 2017/10/13
كيف لتخطيطات بورش أن تحل أزمة قطر

لندن – افتتحت السلطات القطرية معرض"الفن الألماني المعاصر" ضمن أحداث العام الثقافي قطر – ألمانيا 2017، عبر فعاليات بالغ المسؤولون عن المعرض في الاحتفاء بها، سعيا لجذب تغطية إعلامية واسعة النطاق قد تحسّن سمعة قطر المتهمة بدعم تنظيمات إرهابية، من قبل 4 دول عربية فرضت عليها مقاطعة دبلوماسية منذ 5 يونيو الماضي.

ويضم المعرض الذي تم افتتاحه الثلاثاء الماضي ويستمر حتى يناير المقبل، ورشات عمل وفعاليات لعرض مقتنيات لفنانين ألمان من الفترة من عام 1945 وحتى الآن. كما سيتم عرض مقتنيات فنية يملكها “دويتشه بنك” في معرض آخر، بالإضافة إلى تصاميم لبعض شركات السيارات الألمانية على رأسها شركة فولكس فاغن.

والمعرضان هما حدث روتيني ضمن فعاليات العام الثقافي الذي بدأ في قطر منذ عام 2012، لكن المبالغات التي صاحبت تنظيمه تحمل أبعادا سياسية. فالموقف الألماني من الأزمة الخليجية مازال ملتبسا ولم يش بعد بتبني برلين مقاربة واضحة تنحاز لطرف على حساب طرف آخر.

وخلال زيارة وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل في يوليو الماضي لجدة وأبوظبي ثم الدوحة، انتهج نهجا مغرقا في الدبلوماسية، وحافظ على أقصى درجات الغموض الممزوج بعبارات المجاملة لكل بلد عقد فيه مؤتمرا صحافيا مع مسؤوليه.

وعكس هذا الموقف رغبة ألمانية في الانتظار إلى حين اتضاح الرؤية بالنسبة للمسؤولين في برلين، وهو ما دفع قطر لطلب وساطة ألمانية لحل الأزمة.

وكانت برلين أولى محطات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في أول زياراته الخارجية، لكن مصادر دبلوماسية قالت حينها إن المسؤولين الألمان أعادوا على مسامع الشيخ تميم الموقف الملتبس من الأزمة، دون الانجرار إلى تبني وجهة النظر القطرية.

معرض الفن الألماني المعاصر هو جزء من حملة قطرية واسعة لتعزيز العلاقات مع ألمانياأملا في بناء نفوذ سياسي

وساهم ذلك في حفاظ الدوحة على اتصالات مكثفة مع برلين من أجل إقناعها بإعلان موقف صريح معاكس لرؤية دول المقاطعة.

ومعرض الفن الألماني المعاصر هو جزء من حملة قطرية واسعة لتعزيز العلاقات مع ألمانيا، أملا في بناء نفوذ سياسي قد يمكن الدوحة لاحقا من الضغط على حكومة المستشارة أنجيلا ميركل لانتزاع موقف سياسي داعم لها، ومماثل لموقف وسائل الإعلام الألمانية، الذي تقوده قناة “دويته فيله DW” الرسمية.

معارض دون جمهور

رغم التغطيات الإعلامية لفعاليات المعرض، لا يبدو أن معدل تجاوب الجمهور القطري مع افتتاح المعرض كان على المستوى المأمول. واعتاد الناس في قطر على هذه المعادلة في علاقتهم بالأنشطة الثقافية الكثيفة التي تستثمر فيها الدولة المليارات من الدولارات.

وتسعى قطر عبر هذه الفعاليات والمهرجانات الثقافية إلى تصدير صورة مغايرة للمجتمع وثقافة الحكم في قطر وفق فلسفة “الثقافة للخارج، والسلفية للداخل”.

وكرست هذه العقلية التوجه بترشيح وزير الثقافة السابق حمد الكواري لمنصب الأمين العام لليونسكو، وهو منصب بات ينظر إليه في أروقة الحكم في قطر باعتباره دفعة لقوة ناعمة تعول الدوحة عليها كثيرا لتغيير مفاهيم باتت ملتصقة باسم قطر مؤخرا، في مقدمتها دعم جماعات الإسلام السياسي ومتشددين كثر.

وعلى بعد كيلومترات قليلة من الحدود القطرية، لا تعمل المؤسسات الثقافية في دول خليجية مجاورة كالإمارات والسعودية مثلا، بنفس العقلية أو إنطلاقا من النهج نفسه، رغم ما تردده وسائل الإعلام القطرية عن هذه المؤسسات بأنها تحمل ضغينة نابعة من الشعور بالغيرة الوطنية من “إنجازات” ثقافية مفترضة في قطر.

فالمعرضان ينظمان في وقت تستعد فيه حكومة أبوظبي لافتتاح متحف “اللوفر أبوظبي” الذي أعلن مسؤولون فيه أنه سيضم قطعا أثرية ولوحات فنية ومقتنيات تمثل حضارات مختلفة، وسيصبح أول متحف عالمي في الشرق الأوسط.

كما تستعد لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي لتنظيم الموسم الثامن لمسابقة “شاعر المليون”، التي تجرى بالتناوب كل عام مع مسابقة “أمير الشعراء” التي انتهت في أبريل الماضي.

وتحظى هذه الفعاليات باهتمام إقليمي واسع في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كما تسهم في تقديم مواهب جديدة لبلدانها، مثلما تسهم “جائزة الشيخ زايد” للكتاب و”جائزة البوكر العربية” للرواية، وهما جائزتان تحظيان بمصداقية كبيرة وتقدير عالمي، وعادة ما تسهمان في بناء زخم واسع النطاق في الوسط الثقافي العربي مع اقتراب موعد الإعلان عن الفائزين بهما.

قطر تحاول إقناع ألمانيا بموقفها السياسي عبر توظيف لغة الثقافة والفنون التي يتقنها الأوروبيون. لكن هذه اللغة لا تعكس هوية الحكم في قطر وسياساته

وساهم هذا الزخم في تغير نظرة المسؤولين السعوديين أيضا للمشهد الثقافي والدور الذي تلعبه الفنون والأدب والموسيقى في انفتاح المجتمع السعودي المحافظ وتطوره.

وتحاول الهيئة العامة للترفيه، التي تأسست ضمن رؤية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (رؤية 2030)، إطلاق زخم ثقافي صاعد من أسفل إلى أعلى؛ من الشارع أولا إلى قمة المجتمع، بعكس السياسة القطرية التي تحكم المشهد الثقافي وفقا لرؤية نخبوية لا تهتم بالتفاعل الشعبي الحقيقي معه.

وبالفعل اجتذبت حفلات موسيقية ومعارض نظمتها الهيئة اهتماما واسعا خصوصا وسط الشباب السعودي، كما أدى قرار الهيئة بافتتاح دور السينما وإذاعة أغاني أم كلثوم على القنوات السعودية جدلا إيجابيا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تشكل مع الوقت مقياسا مجتمعيا للمزاج الثقافي في الشارع السعودي واتجاهاته.

وتقود فلسفة الهيئة تغيرات جوهرية في المجتمع السعودي، تتزامن مع السماح للمرأة بقيادة السيارة إلى جانب تغيير النظرة التقليدية التي رسخها رجال دين متشددون، عبر تحويل المرأة إلى جوهر أساسي في عملية أوسع لتحديث المجتمع، خصوصا في الجانب الثقافي.

ثقافة وتطرف معا

الفرق بين ما تقومه به هيئة الترفيه السعودية ومؤسسة “متاحف قطر”، التي ترأس مجلس أمنائها الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، هو أن الهيئة السعودية تهدف إلى محاربة التطرف الفكري، وملء الفراغ الذي يتركه المتشددون تدريجيا عبر توظيف الفنون والثقافة والسينما والمسرح والأدب.

وعلى العكس من ذلك، يسعى الحكم في قطر إلى إيجاد صيغة يمكن من خلالها تعايش نهجه السياسي الداعم للأيديولوجيا الإسلامية المتطرفة ولتنظيمات كالإخوان المسلمين، مع نهج مقابل يعتمد ثقافة المعارض للحديث إلى الخارج، في انعكاس لكم هائل من التناقضات التي تحكم رؤية قطر لنفسها وللعالم.

وسياسة التحدث إلى الخارج بلغة أخرى مغايرة لتلك التي يتم توظيفها للحديث إلى الداخل، هي الجوهر الذي بني عليه تنظيم المعرضين بالشراكة مع ألمانيا في الدوحة، إذ تحاول قطر اقناع ألمانيا بموقفها السياسي عبر توظيف لغة الثقافة والفنون التي يتقنها الأوروبيون. لكن هذه اللغة لا تعكس هوية الحكم في قطر وسياساته، إذ كيف يروج من يدعم أيمن الظواهري وأبومحمد الجولاني ويوسف القرضاوي، للوحات جوزيف ألبرز وجورج بازلتز وأندرياس ريشتر؟

7