كيف تزول الحضارات

الخميس 2017/03/09

حضارات عديدة سادت ثم بادت، دون أن يتفق المؤرخون على أسباب زوالها. هل ماتت ميتة طبيعية، أم قُتلت بفعل فاعل، أم انتحرت؟ والثابت لديهم أنها لم تختف لسبب وحيد، بل تضافرت في اختفائها عناصر عديدة، داخلية وخارجية. كذلك الشأن مع سائر الحضارات، من السومريين والمايا والأولميك والفراعنة إلى السلت والخمير والرومان وسواها.

إذا كانت الحضارات تموت، فهل يجيئها الموت من الداخل أم من الخارج؟ هذا السؤال شغل المؤرخين والفلاسفة في القرنين الـ18 والـ19، خصوصا في ما يتعلق بالإمبراطورية الرومانية، هل زالت بفعل البرابرة أم بفعل الرومان أنفسهم؟ وكان المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي قد قطع في القرن الماضي برأي حاسم وهو أن “الحضارات تموت منتحرة لا مقتولة”. وهي الفكرة التي طوّرها من بعده الفرنسي رونيه غوسّيه في كتابه “حصيلة التاريخ” مؤكدا أن الحضارة تُدمّر بأيدي أبنائها.

وكلاهما، أي توينبي وغوسيه، لا يبعدان كثيرا عن رأي ابن خلدون حين يعزو الانحطاط إلى عوامل داخلية، كالاستبداد بالملك وحصول الترف، يقول في المقدمة “الترف مفسد للخُلق بما يحصل في النفس من ألوان الشر والسفسفة وعوائدها، فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على الملك ودليلا عليه، ويتصفون بما يناقضها من خلال الشر، فتكون علامة على الإدبار، والانقراض.. وتأخذ الدولة مبادئ العطب، وتتضعضع أحوالها وتنزل بها أمراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضي عليها”.

ويضيف أن “طبيعة الملك تقتضي الدعة، وإذا اتخذوا الدعة والراحة مألفا وخُلُقا، صار ذلك طبيعة وجِبلة، فتربَّى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش ومهاد الترف والدعة، وينقلب خلق التوحش، وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك.. فتضعف حمايتهم، ويذهب بأسهم، وتنخضد شوكتهم، ويعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس به من ثياب الهرم..”.

ولكن الأميركي يارد دياموند يذهب مذهبا آخر، فهو وإن يقرّ هو أيضا بأن المجتمعات تقرر زوالها أو بقاءها، يعدد خمسة عوامل أساسية لموت عوالم البشر؛ أولا إضرار البشر بمحيطهم، ثانيا عجزهم عن التأقلم مع تغير مناخي عميق، ثالثا وجود أجوار معادين يهزون نظامهم أو يهزمونهم، رابعا تبعيتهم لشركاء تجاريين يربكون منظومتهم، وخامسا، وهو الأهم، تقديمهم أجوبة خاطئة على التهديدات والاضطرابات التي سببتها العوامل الأربعة السابقة.

وفي رأيه أن القرارات التي تتخذها حضارةٌ ما لتجاوز الأزمات هي التي تقود في النهاية إما إلى بقائها أو زوالها، وأيا ما تكن الرهانات فلا شيء يحصل بشكل آلي. أي أن الحضارات مسؤولة في النهاية على دوامها أو اختفائها.

كاتب من تونس

15