كيف تستدعي الأجراس الناس وكيف تهزمهم أصوات المدافع

آذاننا تستمر في العمل بانسجام تام مع جوانب حميمة من حياة الإنسان في ما يشبه الملحمة البطولية.
الثلاثاء 2021/04/20
الضجيج صناعة بشرية أفسدت العالم (لوحة للفنان فؤاد حمدي)

الضجيج ليس دائما مزعجا أو مثيرا للقلق، بل قد يكون مصدرا لحياة ثرية، فالضجيج يشتمل الموسيقى والكلام كما يشمل الصدى والترانيم وقرع الطبول والأجراس وزمجرة الرعد وإطلاق النار وجلبة الجماهير وقرقرة جسم الإنسان، والضحك والتنصت والأصوات الميكانيكية وضجيج الجيران والتسجيلات الصوتية والراديو والتلفزيون، إنه يشمل كل شيء، ويشكل عالما أوسع للصوت والإصغاء.

يتحدث أستاذ الإعلام والاتصال ومدير البحوث في كلية الإعلام والسينما والموسيقى بجامعة ساكسكس، البريطاني ديفد هندي في كتابه “الضجيج.. تاريخ إنساني للصوت والإصغاء” عن كيفية مساعدة الصوت لنا في فهم بعض الإثارة والصراع في تاريخ البشرية بطريقة جديدة متبصرة.

ويتتبع هندي قصة الصوت من الناحيتين الزمنية والجغرافية، تلك القصة التي تحكي الكيفية التي تعلمنا بها التغلب على مخاوفنا في عالم الطبيعة، بل ربما السيطرة عليها، وكيف تعلمنا التواصل والعيش جنبا إلى جنب مع الكائنات، وكيف خضنا الصراع مع بعضها من أجل الهيمنة، وكيف بحثنا عن الخصوصية في هذا العالم المزدحم بشكل متزايد، وكيف كافحنا مع عواطفنا وتعقلنا.

القوة والسيطرة والقلق

في كتابه الصادر عن مشروع كلمة يرى هندي أن للصوت البشري قصة طويلة ثرية بالأحداث والجوانب؛ تشمل جلبة الجماهير في روما القديمة والصراع على السلطة بين الأغنياء والفقراء في العصور الوسطى، وضغوط عصر التصنيع، وصدمة الحرب، وظهور المدن، وثرثرة وسائل الإعلام المتواصلة على مدار الساعات الأربع والعشرين.

ويرى هندي أنه مع كل هذا فإن على آذاننا أن تستمر في العمل بانسجام تام مع جوانب حميمة من حياة الإنسان فيما يشبه الملحمة البطولية، وكما تذكرنا المؤرخة إليزابيث فويستر فإن حاسة السمع هي دائما جزء من حياتنا الخاصة وأفكارنا ومشاعرنا وذاكرتنا وبعبارة أخرى “هي جزء أساسي من حياتنا اليومية”.

ديفد هندي: موجات الأثير التي عادة ما يكون من المستحيل فصلها، تنطوي أصواتها المختلفة العائمة على خاصية ثورية في جوهرها

ويلفت الباحث إلى أن تاريخ العلاقة بين الصوت والتاريخ الإنساني يميل إلى أن يقال بشكل كامل تقريبا، من ناحية أنه هادئ “ذلك الحين” وصاخب “الآن”، ولكن متى بالضبط “ذلك الحين” هذا بالطبع قابل للنقاش، كما قد يعد سببا في قطع أي علاقة بينهما.

 تقول الرواية الأكثر شيوعا إن الضيجيج ولد وترعرع خلال الثورة الصناعية، وهذا هو رأي ابن كلاسيكو الاسكتلندية الطبيب دان ماكنزي، الذي كتب في عام 1916 الحكاية الرمزية “مدينة الضجيج”. قال الطبيب “إن الطبيعة كانت هادئة ومريحة، وفي المقابل اتسمت الحضارة الحديثة بالضجيج، وكلما تطورت الحضارة أصبحت أكثر ضجيجا”.

هذا القول كان المسار الذي اتخذه مري شيفر في سبعينات القرن الماضي، عندما قال “لقد تلاشت أصوات الطبيعة بتأثير تشويش الآلات الصناعية والمنزلية معا”. وهو المسار الذي وضع العالم الطبيعي في مواجهة العالم الإنساني وسط مناشدات دعاة حماية البيئة.

في الواقع إن المشاهد الصوتية تتغير باستمرار بطرق دقيقة وليس دائما إلى الأسوأ. وهو ما يؤكد عليه كتاب هندي، الذي يأمل من خلاله أن يقول إن الأمر ليس مجرد قصة بسيطة عن الأصوات التي انحدرت فصارت نشازا أكبر وغير قابلة للعودة.

ويقول هندي “إذا كان الضجيج مثل ما تقول أغلب تعريفاته هو ‘صوت غير مرغوب فيه‘ إذا فلكي نفهم تأثيره على التجربة المعيشة فهما صحيحا علينا أن نعرف بالضبط من الذي يعده صوتا مميزا مرغوبا فيه، ومن يعده صوتا غير مرغوب فيه في أي وقت ومكان معينيين وما هو سبب ذلك؟ عندما ننظر إلى الماضي نظرة أوسع، حتى لو كان ذلك عن طريق سلسلة من اللقطات؛ فإن الجواب عن هذه الأسئلة يظهر خيطا قويا من ثلاثة أمور متشابكة: القوة والسيطرة والقلق”.

ويضيف “من بين هذه الثلاثة، فإن القوة الأكثر وضوحا. فمن هم في مراكز القوة والسلطة، أي الحكام المدنيون والسلطات الدينية والمستعمرون المسلحون تسليحا جيدا ومالكو العبيد ومديرو المصانع، كانوا إلى حد كبير قادرين على فرض معايير سلوكهم على أولئك الذين ليست لهم سلطة، أي المواطنون ورعايا الأبرشية وشعوب الأراضي الأصليون والعبيد والموظفون وبقية العالم”.

المحتلون لمراكز القوة هم من قرروا من يتحدث ومن لا يتحدث، من يصنع الضجيج ومن لا يصنع، ومن يستمع ومن لا يستمع. باختصار مارسوا سلطتهم لتشكيل المشهد الصوتي. ولكن الأمر يستحق النظر في العلاقات الإنسانية بالصوت، كيف تستدعي الأجراس الناس، كيف هزمتهم أصوات المدافع أو الطبول، أو الطلب منهم الغناء أو التزام الصمت، وتعرضهم لمستويات وحشية من ضجيج الآلات في الليل والنهار.

ويؤكد هندي أن العلاقة الوثيقة بالسلطة هي مسألة السيطرة. ويعني بذلك أن درجة السيطرة على أي مجموعة من الناس لها مشهد صوتي يجدون أنفسهم يعيشون فيه. وبطبيعة الحال، فإن الصوت هو قوة متقلبة: يتحرك بحرية عن طريق الهواء، ولا يستطيع أحد أو مجموعة من الناس امتلاكه أو التلاعب به، كما لو كان من ضمن ممتلكاتهم الحصرية.

وتنطوي قصة العبيد في إيجاد طرق مبتكرة لأداء تقاليدهم الموسيقية والشفوية حتى في وجه القمع الصريح، أو قصة الثورة الفرنسية عام 1789 باستخدام الأغاني الاحتجاجية للتعبير عن الاشمئزاز من البوربون على ما يكفي من الأدلة على ذلك.

تداول ثقافي

كتاب يكشف عن كيفية مساعدة الصوت لنا في فهم بعض الإثارة والصراع في تاريخ البشرية بطريقة جديدة متبصرة

يلفت الباحث إلى أن موجات الأثير التي عادة ما يكون من المستحيل فصلها، تنطوي أصواتها المختلفة العائمة على خاصية ثورية في جوهرها: وهي أن أي ضجيج تصدره مجموعة من الناس “يتسرب” إلى مجموعات أخرى منهم على مدى السمع، وهكذا فإننا في كثير من الأحيان نكتشف الثقافات الأخرى ونتواصل معها من خلال الصوت.

حدث هذا بين الأديان السرية المتنوعة في روما القديمة عندما استمعت الطقوس والتقاليد إلى بعضها بعضا، واقترضت من بعضها، وحدث ذلك مرة أخرى في وقت لاحق بعد 2000 عام عندما وجد الأميركيون البيض أنفسهم في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي يسمعون موسيقى الجاز من الأميركيين من أصل أفريقي، وموسيقى البلوز تعزف عبر مكبرات الصوت في المتاجر المحلية، أو تنجرف عبر النوافذ المفتوحة في حيهم، أو تخرج من الراديو في غرف المعيشة.

ويلاحظ هندي أنه في مراحل مختلفة أصبح الصوت نوعا من منطقة تداول للثقافة الإنسانية. ويقر بوجود ميزة واحدة ثابتة إلى حد معقول للصوت ألا وهي أن الناس عموما أكثر تسامحا مع البيئات الصاخبة، كلما شعروا بأن لديهم خيار الوصول لمفتاح الإغلاق. وعلى امتداد التاريخ كان الأقوياء قادرين على الوصول إليه بسهولة أكثر من أي شخص آخر.

تمكنت النخبة الحاكمة في روما القديمة والطبقات الوسطى في إدنبرة في القرن الـ18، في الواقع الأثرياء في كل مكان، من الفرار من صخب المدن بحثا عن الهدوء والخصوصية. وعزل العاملون في المكاتب في مانهاتن بالقرن الماضي أنفسهم من هدير الشوارع باستخدام سخي للمواد العازلة للصوت غالية الثمن. وعلى العكس من ذلك كان الفقراء والعاجزون أقل قدرة على مواجهة الأصوات التي يتعرضون لها، مثلما هم اليوم يعيشون بصعوبة في مساكن متراصة بالقرب من المطار المزدحم، وهم الذين عاشوا القرون السابقة تحت ضربات الحدادين والمدابغ وورش العمل الأخرى.

وبالنسبة إلى المكون الثالث في فهم الدور الاجتماعي للصوت في التاريخ، أعني القلق، يتساءل هندي: ما الذي يجعلنا نقلق؟ عادة الغريب وغير المألوف والآخر. ولقد عزز مفهوم “نحن” و”هم” في اللحظات الحاسمة من الماضي من التمييز المتكرر بين “الأصوات” التي نطلقها و”الضجيج” الذي يحدثونه، أيا كان الـ”نحن” أو الـ”هم”. في إحدى هاتين الجهتين المتقابلتين، كان ينظر إلى الأصوات بوصفها نقية ونبيلة وقيمة وثرية وجديدة، وينظر إلى الأخرى بوصفها غريبة وهمجية ووحشية ومهيمنة، أو شريرة. وباختصار هي مزيج من الضجيج يبدو بلا معنى.

ويتابع: هذا نمط رأيناه في الولايات المتحدة في القرنين الـ17 والـ18 عندما رفض المستعمرون الأوروبيون لغات السكان الأصليين المنطوقة وتقاليدهم الموسيقية بوصفها أصواتا ‘جهنمية’. وشاهدنا ذلك مرة أخرى في شوارع فيكتوريا في لندن، حيث كان توماس كارلايل يشكو آلة عزف الإيطالي الأصفر الفقير خارج منزله لكي “تطحن” إيقاعات عديمة الجدوى. ونرى ذلك اليوم عندما نجد كاتب عمود في صحيفة بريطانية يندب حظه في سفرة السكك الحديد عندما يضطر إلى تحمل رجل يحمل آي باد مزعجا وطفلا صغيرا يعبث بجهاز إلكتروني أو فتاة ذاهبة آتية من البوفيه. في هذا النقد الساخر العنيف يستشعر المرء أن الأصوات أصبحت جزءا لا يتجزأ من الناس الذين يصنعونها. لم تعد الأصوات مجرد إزعاجات بل هي إرهاصات الثقافة الجماهيرية المعاصرة المزعجة المستحيل إسكاتها، ولا يريد أحد أن يسمع الأصوات، لأنه يريد أن يرى الناس.

الأصوات لم تعد مجرد ضجيج بل هي إرهاصات الثقافة الجماهيرية المعاصرة المزعجة المستحيل إسكاتها

ويختم هندي كتابه الذي جاء في ثلاثين فصلا مؤكدا أنه ليس ثمة سبب يدعونا إلى افتراض أننا غير قادرين على التفكير بإيجابية مع آذاننا، لأنها خلال عشرات الآلاف من السنين جعلتنا في حالة استنفار شامل مع العالم من حولنا، وساعدتنا على التنقل وتتبع الزمن، وسمحت لنا بإقامة الروابط الاجتماعية وشكلت تجاربنا الروحية والثقافية وببساطة أبقتنا سعداء.

مع ذلك كله ظل الاستماع مهمّا لأنه بقي نشطا وعميقا وحاذقا وفعلا أخلاقيا. وهذا ما سمح لنا بالكشف عما كنا نظن أنه ضجيج لا معنى له ونقدر العلاقات الاجتماعية التي تتضمنه. كانت الأصوات التي قمنا بها نحن البشر عبر التاريخ،  الأصوات المزعجة والمثيرة للقلق وكذلك الممتعة، مليئة بالمعاني دائما. أعطت أسلافنا،  ومازالت تعطينا، إحساسا بالمكان والزمان، والخطر والراحة، وشعورا بالتواصل مع الآخرين. وجعلت منا بشرا. وبدلا من التوجس من الصوت بصيغته المجردة، فنحن بحاجة إلى استعادة الشعور بمدى أهميته في الحياة اليومية، ومدى أهمية تلك الظاهرة التي تبدو بسيطة ألا وهي المشهد الصوتي.

14