كيف تسلل التطرف إلى المجتمع البريطاني

لم تحصن إجراءات الحكومات البريطانية وجهودها الحازمة طوال السنوات الماضية بهدف تجفيف منابع الفكر المتطرف البلاد من موجة الهجمات الإرهابية. وتمكنت الجماعات الإرهابية من تنفيذ عمليتين متتاليتين في لندن ومانشستر، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن الثغرات التي نجح تنظيم الدولة الإسلامية في التسلل منها ليدمي بريطانيا مرتين في مدة زمنية قصيرة.
الجمعة 2017/05/26
الطرق المغلقة يمكن اختراقها

لندن- بعد العملية الإرهابية التي هزت ساحة البرلمان بالقرب من قصر وستمنستر في وسط لندن يوم 22 مارس 2017، والتي أوقعت أربعة قتلى، لم يكن السؤال المطروح في بريطانيا يتعلق بإمكانية تعرض البلاد إلى هجوم إرهابي جديد بقدر ما كانت الصيغة الأصح للسؤال متى سيكون الهجوم المقبل وأين؟. لم يتأخر الرد كثيرا، وجاء عبر تفجير هز مدينة مانشستر يوم 22 مايو 2017، الذي أسفر عن مقتل 22 شخصا وإصابة العشرات.

ولم تكن بريطانيا بمعزل عن مخططات الجماعات المتطرفة في خضم موجة الإرهاب العابر للقارات والتي ضربت العالم منذ مطلع الألفية الماضية. فقد استُهدفت المملكة المتحدة في أكثر من مناسبة كان أبرزها التفجيرات التي استهدفت شبكة النقل في لندن في يوليو 2005 والتي أسفرت عن مقتل 52 شخصا، وأيضا طعن الجندي البريطاني لي ريغبي حتى الموت في مايو 2013، وعملية وستمنستر.

لكن هجوم مانشستر وخلفياته يحملان أبعادا تتجاوز التساؤل عن سياسة مكافحة الإرهاب في بريطانيا ونجاعة تعاطي أجهزة الأمن والاستخبارات في بريطانيا مع المخاطر الإرهابية، ليطال التساؤل عن القصور في هذه السياسات وعلاقتها من جهة بالتغيرات الطارئة على المجتمع البريطاني وسياسات الاندماج ومن جهة أخرى مدى مواكبة تطور “عقلية” أجهزة الأمن ووسائله مع “عقلية” التنظيمات الإرهابية ووسائلها.

تم رصد اتجاه متصاعد لدى المتطرفين في بريطانيا للانضمام إلى التنظيمات الإرهابية خارج بؤر الصراعات في الشرق الأوسط

مدينة التسامح

تعرضت مانشستر في منتصف التسعينات من القرن الماضي إلى هجوم إرهابي نفذه أحد أفراد الجيش الجمهوري الأيرلندي؛ حيث انفجرت شاحنة محملة بطن ونصف من المتفجرات في قلب المدينة، فأحالته إلى ركام. يستحضر الكاتب البريطاني بين شو هذا الحادث الذي وقع يوم 15 يونيو 1969 ويقارنه بالهجوم على قاعة حفلات بالمدينة الواقعة شمال غرب بريطانيا وتبناه تنظيم الدولة الإسلامية.

وعلى عكس هجوم عام 1996، الذي لم يسقط فيه قتلى، ولكن أحدث أضرارا مادية جسيمة بلغت 700 مليون جنيه إسترليني، فقد قتل حتى الآن 22 شخصا وأصيب 59 آخرين، لكن الجريمة تخطت كل الأعراف هذه المرة؛ إذ أنّها استهدفت شبابا مراهقين وأطفالا يحضرون حفلا غنائيا وآباء وأمهات كانوا في انتظار أبنائهم.

ويصف بن شو، في مقاله بصحيفة اندبندنت، مدينة مانشستر بأنها مثال على أنّ الثورة الصناعية نعمة كبرى. فمازال الإرث الصناعي للمدينة يتركز في المستودعات العتيقة التي كان يستخدمها تجّار القطن في الحقبة الفكتورية، لكن اقتصاد المدينة أصبح يعتمد على الخدمات أكثر الآن، وبات محط أنظار العديد من الجهات الدولية، فيما جرى تحويل المستودعات إلى شقق سكنية، وزاد عدد سكان مركز المدينة 20 بالمئة منذ مطلع الألفية الجديدة، وهو أكبر توسع تشهده مدينة بريطانية بعد لندن. وقد أمنت مانشستر موقعها كثاني أهم مدينة في المملكة المتحدة من الناحية الاقتصادية.

ويتساءل شو كيف ستتأثر العلاقات الاجتماعية في مدينة مثل مانشستر بجريمة داعش؟ وكيف سيتعامل اقتصاد الخدمات في المدينة مع الأزمة؟ ليجيب أنّ المدينة ستصمد بنفس الطريقة المدهشة التي صمدت بها لندن في أعقاب هجمات القطارات التي وقعت في عام 2005. ويؤكد أنها لن تتخلى عن تنوعها الثقافي. إنّ في المدينة جامعتين تعجّان بطلاب من كافة الأعراق والديانات حول العالم، ولطالما تميزت المدينة بالتسامح، وستبقى كذلك. وإنّ عجلة الاقتصاد في المدينة تدور بسرعة قصوى تجعل من الصعب على مجنون محمل بأفكار من القرون الوسطى أن يعطلها.

لكن عندما تلتقي الشعبوية ورفض الآخر مع تقصير في سياسات السلطات البريطانية في مواجهة الإرهاب، من المؤكد أن الفرصة ستكون متاحة أمام مجانين يحملون أفكار القرون الوسطى لينشروا رعبهم وإرهابهم. وقد شكل هذا الأمر الثغرة التي اخترق من خلالها التنظيم المجتمع البريطاني وهزه مرتين.

استُهدفت المملكة المتحدة في أكثر من مناسبة كان أبرزها التفجيرات التي استهدفت شبكة النقل في لندن في يوليو 2005 والتي أسفرت عن مقتل 52 شخصا

يرجع المختصون تصاعد المخاطر الإرهابية إلى تصاعد حواضن التطرف بالبلاد نتيجة سياسات الحكومة في التساهل مع الجماعات المتطرفة، عبر التعاون معهم كجزء من جهود مكافحة الدعوات المتطرفة في أوساط تجمعات المسلمين فضلا عن غض الطرف عن نشاطات الإخوان في البلاد والفشل في تحديد سياسة واضحة لتعامل مع المتشديين.

مظاهر التقصير

ينقل تقرير لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة عن مراجعة للإحصاءات الرسمية الصادرة عن جهاز الأمن الداخلي ومجلس العموم في بريطانيا، أن مظاهر القصور في تعاطي الجهات الأمنية والسلطات البريطانية المسؤولة تتمثل أساسا في:

* تراجع عدد المحاكمات: من بين المتهمين البالغ عددهم 79 لم تتم محاكمة سوى 31 منهم، ولم تصدر أحكام قضائية بالإدانة إلا على حوالي 28، من بينهم 7 متهمين تمت تبرئتهم من اتهامات الإرهاب، في مقابل إصدار أحكام قضائية ذات طابع جنائي ضدهم، وهو ما يكشف مدى بطء وتيرة إجراءات التقاضي في قضايا الإرهاب.

* تصدُّر ذوي الأصول الآسيوية: ذوي الأصول الآسيوية لا يزالون في صدارة المتهمين بارتكاب عمليات إرهابية في بريطانيا، وهو ما يرجع إلى حالة الاغتراب التي يعاني منها المواطنون من أصول باكستانية وأفغانية.

وفي ما يتعلق باتهامات الإرهاب لغير البريطانيين يتصدر المهاجرون من الجزائر وباكستان والعراق وأفغانستان وإيران والهند قوائم المتهمين بجرائم إرهابية خلال الفترة بين عامي 2001 و2016.

* تهديدات الإرهاب المحلي: 74 بالمئة من المتهمين في قضايا إرهابية خلال الفترة من عام 2016 حتى مطلع عام 2017 كانوا من ذوي الجنسية البريطانية، وهو ما يؤكد تصاعد تهديدات الإرهاب المحلي.

* التركيز على الإرهاب بالخارج: قام تقرير جهاز الأمن الداخلي البريطاني بتصنيف المتهمين بالإرهاب وفقا للنطاق الجغرافي لعملياتهم الإرهابية، وتصدّر ارتكاب عمليات إرهابية بالخارج قائمة الاتهامات بالإرهاب بنسبة 78 بالمئة، تليها الاتهامات بتدبير عمليات إرهابية في داخل بريطانيا بنسبة 133 بالمئة، وهو ما يكشف عن وجود اتجاه متصاعد لدى المتطرفين في بريطانيا للانضمام إلى التنظيمات الإرهابية خارج بؤر الصراعات في منطقة الشرق الأوسط.

7