كيف تشجع أطفالك على تناول الطعام الصحي

دراسة تتوصل إلى أن تقديم القليل من الفواكه أو الخضروات للأطفال يجعلهم يقبلون عليها بشراهة.
السبت 2019/09/07
لزيادة جاذبية أي شيء ضع له حدودا

تفشل أغلب محاولات الآباء والأمهات لإقناع أبنائهم بالعدول على تناول الأطعمة غير الصحية رغم الأوصاف السيئة التي يصفونها بها، وتعجز الأم خاصة عن إيجاد المدخل الصحيح لإغراء طفلها بتناول الطعام الصحي، وعلى الرغم من مديحها المتواصل له وتكرار فوائده على مسامع الطفل لا يستطيع هذا الأخير تماسك نفسه عند رؤية الأطعمة الجاهزة رغم مضارها.

نيويورك - توصلت دراسة أميركية حديثة إلى أن تقديم القليل من الفواكه أو الخضروات للأطفال يجعلهم يقبلون عليها بشراهة.  وأكدت أنه عندما يتعلق الأمر بوضع حدود للأبناء في تناول الأطعمة، يركز الآباء بشكل عام على الأطعمة والأنشطة غير الصحية، مثل الحلوى ووقت مشاهدة الشاشات، مشيرة إلى أنه قد يؤدي تقليل شيء ما، إلى زيادة قيمته، لذلك فإن الحد من الأطعمة والأنشطة غير الصحية قد يؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية.

واستنتج الباحثان ميشيل ميماران ويوفال سالانت -من أعضاء هيئة تدريس في مؤسسة “كيلوغ” الأميركية- من خلال الدراسة، أنه قد يبدو الحد من الطعام الصحي للطفل أمرا غير منطقي لأن الآباء يرغبون عادة في أن يأكل أطفالهم الكثير منه، لذا فإن معظم الآباء يتخذون تكتيكا مختلفا، حيث يعدون أطفالهم بمكافآت على تناولهم أطعمة صحية أو يحاولون التأثير عليهم من خلال شرح أن الخضروات مفيدة لنموهم، وقد ينجح الأمر أو يفشل.

وتساءل الباحثان وهما زوجان: هل يمكن أن يؤدي الحد من الأطعمة والأنشطة الصحية إلى زيادة قيمتها في عقول الأطفال أيضًا؟

وللإجابة عن هذا التساؤل قامت ميماران وسالانت بإجراء ثلاث دراسات شملت مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و5 سنوات في مرحلة ما قبل المدرسة.

وشملت الدراسة الأولى 51 طفلا، وقام الباحثان بدعوة الأطفال إلى دخول غرفة واحدة في وقت واحد وأخبروهم بأن بإمكانهم اللعب باستخدام قطع الليغو، وقيل لبعض الأطفال إنه يمكن أن يلعبوا بقطع الليغو لمدة 10 دقائق فقط؛ ولم يتم وضع أي حدود زمنية للمجموعة الأخرى.

وتوصل الباحثان إلى أن الأطفال الذين وضعت لهم حدود يلعبون لفترة أطول في المتوسط​​، بمقدار دقيقة وثلاثين ثانية، من فترة الأطفال الآخرين. وبعد اللعب بالليغو، دُعي الأطفال للذهاب إلى طاولة أخرى وضع عليها طبق من الجزر، وقيل أيضا لبعض الأطفال “هذا هو كل الجزر الذي نمتلكه”، بينما لم يقولوا أي شيء للمجموعة الأخرى.

ووجد الباحثان أن الأطفال الذين تم إخبارهم بكمية الجزر أكلوا من الجزر أكثر مما أكل الأطفال الآخرون بنسبة 50 بالمئة، وأن أكثر من نصفهم أكلوا جميع الجزر مقابل 35 بالمئة في المجموعة التي لم يعلموا أطفالها بكمية الجزر.

وعلق الباحثان عن هذه النتائج قائلين “من المثير للاهتمام أن الأطفال الذين اعتقدوا أن الجزر كانت كميته محدودة، وجدوا طعمه لذيذا جداً. وعندما طُلب من الأطفال تقييم طعم الجزر، قام 96 بالمئة من الأطفال في هذه المجموعة بتصنيفه على أنه لذيذ مقارنة بـ 67 بالمئة فقط في المجموعة الأخرى”.

الأطفال قد يختارون منتجا محدودا بسبب الخوف من فقدانه ، أو عن طريق إعطاء قيمة أعلى لحرية الاختيار عندما تكون الخيارات محدودة

وقالت ميماران موضحة “هذا هو العصر الذي يبدأ فيه الأطفال بالاستقلال واتخاذ الخيارات الخاصة بهم، ولكن لا يزال هناك مجال للتأثير عليهم. هذا يدل على أن الحد من كمية طعام بعينه يجعله أكثر استحسانًا، حتى في الأماكن التي قد لا يرغب الأطفال في تناول الطعام فيها”.

وأكدت الدراسة الثانية هذه النتيجة، حيث عرض على الأطفال الجزر والبسكويت في هذه التجربة، وقال الباحثان  لمجموعة من هؤلاء الأطفال “لدينا بسكويت ولدينا جزر”، بينما قالا للمجموعة الأخرى “لدينا البسكويت، لكن لدينا كمية محدودة جدا من الجزر”. وتناولت المجموعة الثانية من الأطفال 1.08 غرام من الجزر مقابل كل غرام واحد من البسكويت، بينما الأطفال الذين لم يتم إخبارهم بأن الجزر كان محدودا أكلوا فقط 0.5 غرام من الجزر لكل غرام من البسكويت.

وقال سالانت، أستاذ مشارك في الاقتصاد الإداري وعلوم اتخاذ القرار، “إن وصف الجزر بأنه محدود جعل الأطفال يستهلكون ما يقرب من ضعف عدد حبات الجزر”. وبالإضافة إلى ذلك، بدأ معظم هؤلاء الأطفال وجبتهم الخفيفة بتناول الجزر، وبدأت نسبة 64 بالمئة من هذه المجموعة بتناول الجزر، مقابل 34 بالمئة في المجموعة الأخرى.

وأراد الباحثان في الدراسة الثالثة، اختبار فرضيتهما دون أن يخبرا الأطفال صراحة بأن أحد الخيارات كان محدوداً. وبدلاً من ذلك، تمت دعوة الأطفال إلى أن يأخذوا معهم إلى المنزل إما كوبا صغيرا من العنب وإما كوبا صغيرا من البسكويت. كما عرضت على المجموعة الأولى كميات متساوية من أكواب العنب أو البسكويت للاختيار من بينها؛ بينما عُرضت على المجموعة الأخرى أكواب البسكويت بكميات أكبر من كميات العنب.

وكشفت الدراسة أنه بالنسبة للأطفال الذين عُرض عليهم عدد متساوٍ من الخيارات، اختار 26 بالمئة منهم العنب فقط، لكن عندما كانت أكواب العنب محدودة، اختار 52 بالمئة منهم العنب.

وأوضحت ميماران قائلة “لا تحتاج حتى إلى قول أي شيء للأطفال. يمكنك فقط تقديم الخيار لهم”، مشيرة إلى أن ذلك قد ينجح مع الأطفال الصغار الذين قد لا يفهمون التلاعب اللفظي. إذا كنت تريد منهم أن يأكلوا الفواكه أو الخضروات، فما عليك سوى تقديم القليل منها”.

وأكدت الدراسة أن التفسير النفسي وراء هذه الظاهرة ليس واضحا تماما، حيث يعرف الباحثان أن البالغين ينجذبون إلى منتجات ذات كميات محدودة ويرجع ذلك جزئيا إلى أنهم يرون في ذلك علامة على الطلب القوي وبالتالي على الجودة العالية.

ويعتقد كل من ميماران وسالانت أن الأطفال الصغار لم يروا منتجات محدودة بهذه الطريقة؛ بدلا من ذلك، قد يختارون منتجا محدودا بسبب الخوف من فقدانه وهي ظاهرة معروفة باسم “فومو”، أو عن طريق إعطاء قيمة أعلى لحرية الاختيار عندما تكون الخيارات محدودة.

ونصح سالانت الآباء والأمهات باستخدام استراتيجية التوافر المحدود لحمل أطفالهم على تناول أطعمة معينة، قائلا إن الآباء يمكنهم استخدام استراتيجيات الحد هذه لتشجيع أطفالهم على اتخاذ جميع أنواع القرارات الصحية، لافتا إلى أن هذا “قد يمتد إلى تشجيع الأطفال على خوض التجربة والاستكشاف”. وأفاد الباحثان بأن أحد الوالدين لا يريد تحديد حصص من الجزر، فقط لجعل الطفل يتناولها، وعندما يطالب بالمزيد يجد أنه لم يعد هناك المزيد منه، لذلك اقترحا تقليل أحجام الوجبات بناء على كمية الوجبة الكاملة التي يجب على الطفل تناولها.

وتابعا “لا يرغب الآباء أيضًا في تقديم الحلوى والسماح بمشاهدة الشاشات بشكل غير محدود لأطفالهم، فقط ليروا أطفالهم يستفيدون تمامًا من هذا العرض. يتطلب إيجاد التوازن الصحيح في نهاية المطاف عمل بعض المفاضلات.

وختم سالانت “نريد أن نفهم كيف يتخذ الأطفال الخيارات وكيف يمكننا تشجيعهم على اتخاذ القرارات التي تأتي في مصلحتهم. وكوننا آباء، نريد إقناع أطفالنا بأن يقوموا هم أنفسهم بأشياء تعود عليهم بالفائدة”.

21