كيف تشعل فتنة طائفية

الاثنين 2016/08/01

هذا المقال ليس معنيا بالطبيعتين السياسية أو الدينية للوقائع التي سترد فيه، كأمثلة، بل بالتناول الإعلامي، سواء في الصحافة أو في مواقع التواصل الاجتماعي. وللكاتب موقف مبدئي في مثل هذه الأمور، يقوم على إيمانه بأن “المواطنة هي الحل” لهذه المشكلات، التي لن تكف عن الاشتعال ما بقي هناك مواطنون يعتبرون أنفسهم، أو يعتبرهم آخرون مخالفون لهم في الفكر أو العقيدة، أقلية داخل مجتمع ما، يضم فريقين أو أكثر.

في الأسبوع الماضي انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، حتى حقق نصف مليون مشاهدة في ساعات معدودة. وكان الفيديو مصحوبا بتعليق من ناشره، على فيسبوك، يزعم فيه أنه التُقط في جلسة صلح عرفية بين أقباط ومسلمين، في إحدى قرى محافظة بني سويف (100 كيلو متر تقريبا جنوب العاصمة المصرية القاهرة).

وشهدت الأسابيع الماضية حوادث اعتداءات جماعية متفرقة من مسلمين على مسيحيين في محافظتي المنيا وبني سويف في صعيد مصر، تطلق عليها وسائل إعلام مصرية “فتنة طائفية”. وقوبلت هذه الاعتداءات بردود أفعال متراخية من السلطات المصرية تجاه مرتكبيها، وكان أغلبها يقوم على الدعوة إلى جلسة صلح عرفية.

ويظهر في الفيديو المشار إليه رجل يقول إنه جاء ليمد يده بالسلام، فإذا امتدت يد الطرف الآخر بالسلام كان ذلك خيرا، وإذا امتدت بالاعتداء قطعها، ثم يدخل في حديث فخر مطول عن عائلته وحجمها وأمجادها وقوتها، وسطوتها في قرية “العقال” وبقية أنحاء البلاد، حتى يخيل إليك أن المتحدث هو عمرو بن كلثوم. وزعم ناشر الفيديو أن الرجل هو ممثل المسلمين في جلسة الصلح، واستغل في ذلك تزامن النشر مع جلسة صلح عرفية تعقد في الوقت نفسه.

وكان من السهل أن نتبين زيف ارتباط هذا الفيديو بالوقائع التي تجري على الأرض، فعملية بحث أولية وبسيطة على شبكة الإنترنت تثبت، على الفور، أن القرية التي يذكرها المتحدث في الفيديو ليست موجودة في النطاق الإداري الذي وقعت فيه الأحداث الجارية، بل في محافظة أخرى تقع على بعد 200 كيلو متر، وأن الفيديو نفسه مقتطع من جلسة صلح بين قبيلتين، وليس بين مسيحيين ومسلمين، ولكن أحدا لم يبحث أو يتحقق، واكتفت الأغلبية بالمشاركة، حتى قبل المشاهدة، ودون فحص حساب الشخص الذي نشر الفيديو للمرة الأولى لاستعراض انحيازاته السابقة وميوله السياسية أو العقائدية.

منحت مواقع التواصل الاجتماعي صوتا لمواطن يحتاج أن يكون له صوت في بلاد اعتادت سلطاتها على أن تكتم أنفاسه، ومنحته منصة لنشر آرائه ومشاهداته، ولكنها لم تمنحه أدوات، ولم تكسبه مهارات للتحقق.

من هنا تأتي خطورة الاكتفاء بمواقع التواصل الاجتماعي كمصادر للأخبار، لأن بإمكان أي شخص ذي غرض أن يسكب الزيت على النار لتزداد اشتعالا.

ليس عليك كصانع فتنة، أو راغب في زيادة اشتعال نارها سوى أن تعثر على نصف حقيقة، ثم تضعها في سياق أحداث جارية، ليتحقق لك ما تريد.

ورغم ضعف تطبيق المعايير المهنية والأخلاقية في الكثير من المؤسسات الصحافية العربية، فإن الصحافة المؤسساتية ستبقى، ربما لزمن طويل قادم، هي مصدر الأخبار الموثوق، ليس لأنها حرفية أو ذات مصداقية عالية، ولكن لأنها تمتلك الحد الأدنى من مهارات التحقق قبل النشر، ولأن صحافة المواطن أمامها وقت طويل حتى تنضج، وربما يصح القول بأنها تحتاج إلى أن ينضج المواطن أولا.

كاتب مصري

18