كيف تصان الحريات دون ازدراء الأديان.. سؤال عربي بامتياز

الحكم بالسجن 8 سنوات على السائحة اللبنانية منى المذبوح في مصر يثير موضوع "ازدراء الأديان" من جديد.
الثلاثاء 2018/07/10
المعادلة تنجح في الغرب وتفشل في العالم العربي

قضية محاكمة السائحة اللبنانية في مصر بتهمة ازدراء الأديان على إثر نشرها لشريط فيديو على صفحة موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تبدي فيه غضبها، وبشكل لاذع وصل حد الشتائم، مما تعرضت له من معاملات مسيئة، على حد زعمها، أثناء زيارتها للقاهرة خلال شهر رمضان، أثارت من جديد موضوع “ازدراء الأديان”، وما يمكن لهذه التهمة التي يعاقب عليها القانون أن تكون سيفا مسلطا على رقبة كل من يبدي رأيه في سلوك اجتماعي يرتبط بديانة معينة.

وقد قضت محكمة جنح مصر الجديدة بحبس اللبنانية منى المذبوح 8 سنوات، بتهمة نشر فيديو خادش للحياء وازدراء الأديان وتطاولها على الشعب المصري، عبر فيديو قامت بنشره على صفحتها الشخصية عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وتم تحديد جلسة 29 يوليو لنظر الاستئناف على الحكم.

وكان النائب العام المستشار نبيل صادق قد أمر بإحالة المتهمة منى مذبوح لبنانية الجنسية إلى المحاكمة الجنائية العاجلة لإذاعتها عمدا شائعات من شأنها “المساس بالمجتمع والتعدي على الأديان، وعرض محتوى خادش للحياء العام”.

وقد أمرت النيابة بحبسها على ذمة التحقيقات بتهمة توجيه إساءات للشعب المصري من خلال نشر فيديو عبر صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ينطوي على عبارات وألفاظ يعاقب عليها القانون. المشكلة أن قضية ازدراء الأديان لا يتجرأ حقوقيون كثيرون على المطالبة بإعادة النظر فيها من داخل النص والسعي لتعديلها بما يلائم حرية التعبير وإبداء الرأي بل يلتمسون للمتهمين بازدراء الأديان الأعذار الجانبية التي من شأنها أن تخفف من الحكم القضائي.

وفي هذا الإطار، قدم الدفاع المصري في وقت سابق، للمحكمة ما يفيد بأن موكلته تعاني من اضطرابات عصبية نتيجة إصابتها بمرض في المخ وهي في الثانية عشرة من عمرها.

الأهم من ذلك كله، هو أن يضع القانون تعريفات دقيقة  لمفاهيم الإهانة والتحريض على الكراهية، حتى لا يُساء استخدام مواده كما يحدث اليوم

وقال المحامي عماد كمال محامي منى مذبوح في تصريحات صحافية إنه قدم عدة تقارير طبية لمحكمة جنح مصر الجديدة، تكشف إصابتها بمرض نفسي يجعلها غير واعية تماما، وأن التقارير معتمدة من السفارة اللبنانية في مصر والقنصلية ووزارة الخارجية حتى تكون ذات سند أمام المحكمة.

كما قدم المحامي للمحكمة إثباتا على صحة إفادته بأن موكلته طلبت من إحدى المجلات مساعدة بقيمة 20 ألف دولار لإجراء عملية بالدماغ، مؤكدا أنه سيطالب بالإفراج الصحي عنها في جلسة الاستئناف القادمة.

وكانت السلطات المصرية قد قبضت على مذبوح أثناء محاولتها العودة إلى بلدها بمطار القاهرة بعد عدّة أيام من الحادثة رغم تصوريها لفيديو آخر اعتذرت فيه عمّا بدر منها من أوصاف مسيئة عزتها إلى غضبها. ازدراء الأديان تهمة توصف بالفضفاضة؛ أي أنها من تلك التهم التي يمكن إلباسها لأي شخص يصرح برأيه في عقيدة ما، ويبدي تذمره من سلوك يضايقه، لكنّ غيره يتمسك به كفريضة أو شعيرة دينية. القضية إذن تتأرجح بين احترام المعتقد وحرية التعبير. وفيما يتمسك بها الكثيرون نصرة لعقائدهم، يشبهها آخرون بعصا السلطات السياسية والدينية.

ويتساءل حقوقيون كثيرون: ألم يحن الوقت لشطب هذه التهمة من الدساتير؟ هل ازدراء سلوك ما، ونقد فكرة ما يعنيان بالضرورة التعدي على من يؤمن بها؟ وما هي الحدود التي تفصل النقد عن التحقير؟

قانون ازدراء الأديان في مصر، ووفق قانون العقوبات، يسلط عقوبة السجن والغرامة المالية على كل “من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية”. وهذه تركيبة مطاطية يمكن لها أن تستهدف كل صاحب رأي أو فكرة يبدي تذمره واستياءه من سلوك يضايقه باسم التدين.

ويأتي هذا الاتهام بعد سلسلة من الاتهامات ضد مثقفين في بلدان عربية وإسلامية، خصوصا في السنوات التي تلت ما يعرف ببلدان الربيع العربي، ففي شهر يناير 2016 وحده صدرت ثلاثة أحكام في ثلاث قضايا خاصة بما يسمى ازدراء الأديان، أولها ضد الباحث والكاتب إسلام البحيري، وثانيها ضد مدرس بالمنيا هو الأستاذ جاد يونان، وثالثها ضد المهندسة والشاعرة والكاتبة فاطمة ناعوت، التي حوكمت بعد ذلك بسنتين سجنا.

باب للدعاوى الكيدية وقمع للحريات الفردية

أخطر ما في قضية ازدراء الأديان وتفاعلاتها بين المؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية والقضائية هو أن ظاهرة الخوف أصبحت سوطا يلهب الظهور، وفي هذا الصدد، قال الناقد الفني المصري سيد هويدي “السلطة تخاف من المبدعين، والمتأسلمون يخافون من السلطة، والمبدعون يخافون من القضاء، والقضاء يدعي الخوف على الناس، والناس يخافون من كل هؤلاء، وهو ما يفسر عدم الإجابة حتى الآن على سؤال ‘كيف نتقدم'”.

إشارات تفسر في أكثر من اتجاه
إشارات تفسر في أكثر من اتجاه

المشكلة أن كل القوانين التي تصدرها الدول المتقدمة بغرض التقدم بالقيم الإنسانية السامية، تصبح هي نفسها في الدول المتخلفة أداة جذب إلى الخلف، وتعمل عكس الهدف الذي وجدت لأجله، وهذا الأمر ينطبق بالتمام والكمال على ما يعرف بقوانين تجريم ازدراء الأديان.

الحقوقيون العرب في أغلبهم، يجمعون على أن قوانين ما يعرف بـ”تجريم الازدراء” تتعارض في مجملها مع الفهم المعاصر لمبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير التي تحظى بقبول دولي واسع، تلك المبادئ التي يتشارك فيها البشر كافة ويقدسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

هذه القوانين التي تشجع أفرادا ومؤسسات وجماعات دينية متطرفة على تنصيب أنفسهم محامين على العقائد والديانات فيجرمون من يشاؤون، ومتى وكيفما وأينما يشاؤون أيضا، وهم بذلك يمارسون نوعا من الإرهاب المخفي، بل ويشرعون له، ذلك أن هذه القوانين فضفاضة، مطاطة ومبهمة، فقانون العقوبات السوداني، مثلا، مطاط في إمكانية إضفاء صفة “ازدراء الأديان” على أي تعبير عن الرأي، إذ لا يحدد الأفعال المكملة لأركان هذه الجريمة بل يكتفي بقوله “بأي طريقة”، والعقوبة هنا هي الحبس مدة ستة أشهر، أو الغرامة، أو الجلد 40 جلدة. إضافة إلى تلك المادة فإن القانون السوداني يضم مادة حول الردة، ويحكم بالإعدام على كل من يترك الإسلام أو يعلن ما يفيد تركه الإسلام، وهذا إذا لم يتراجع عن موقفه قبل تنفيذ الحكم، وهو الأمر الذي لا يقف عند الاعتداء على حرية العقيدة، بل يتجاوز ذلك إلى فتح الباب على مصراعيه لأي صاحب مصلحة، من الأفراد أو السلطة، كي يؤوّل تصريحات أو أقوالا لخصمه ويجعله عرضة لهذه العقوبة. يؤكد حقوقيون أن من المهم جدا أن تتم إزالة هذه القوانين من قوانين العقوبات أو على الأقل تعديلها بما أنها لا تهدد الأمن العالمي فحسب، بل أيضا وحدة المجتمعات وتماسكها في الدول التي تطبقها.

وأثبتت دراسة حول قوانين تجريم ازدراء الأديان في باكستان ونيجيريا وإندونيسيا أن الدول التي تجرم الازدراء تجنح إلى توفير بيئة يصبح فيها الإرهاب أكثر شيوعا وشرعية وغدرا.

الكثير من رؤساء الديانات أنفسهم، والذين يُتهمون بأنهم المستفيدون من قوانين ازدراء الأديان، كانوا دعوا إلى إيقاف العمل بهذه القوانين مثل ما فعل بابا الفاتيكان السابق بنديكت السادس عشر، حين دعا الباكستانيين إلى إلغاء قانون المعاقبة على التجديف في بلادهم، وأوضح أن “السبب الأهم لذلك هو أنه من الواضح أن هذا القانون بات يستخدم ذريعة لأعمال ظلم وعنف ضد الأقليات الدينية”.

ويؤكد مراقبون أن في باكستان وإندونيسيا ونيجيريا، ودول أخرى تطبق هذه القوانين، يتشابك الإرهاب وازدراء الأديان على نحو وثيق.

يستخدم المتطرفون قوانين تجريم الازدراء بشكل ممنهج ليس فقط لترويع غير المسلمين واستهدافهم، ولكن أيضا لقمع حرية الرأي والتعبير للمسلمين الذين يتحدون تفاسير المتطرفين الضيقة. وتمثل هذه القوانين أداة مثالية للمتطرفين كي يرهبوا خصومهم من دون عقاب.

يمكن من خلال النصوص القانونية المتعلقة بازدراء الأديان أن يُستهدف أي صاحب رأي ببلاغات ودعاوى كيدية، فهي لا تضع مفاهيم واضحة للمصطلحات العائمة التي تذكرها، مثل “ازدراء وتحقير الدين” أو “الإضرار بالوحدة الوطنية”، الأمر الذي قد يتيح إمكانية تفسيرها بما تقتضيه المصلحة. ففي بيان لـ”المبادرة المصرية للحقوق والحريات”، تم الحديث عن تصاعد وتيرة المحاكمات بتهمة ازدراء الأديان، وعن “وجود حالة من التربص بحرية الرأي والتعبير من قبل أفراد ومؤسسات تريد فرض وصايتها على المواطنين”.

يمكن القول إن معظم قوانين تجريم ازدراء الأديان في العالمين العربي والإسلامي تتيح بصياغتها الفضفاضة إمكانية استخدامها لقمع الحريات وتكميم الأفواه والحد من كل أشكال التعبير الفني والإبداعي، وهي بالتالي تكرس التخلف وتخنق التقدم عبر إشاعتها لأجواء خانقة من الخوف والتوجس.

نفس القوانين تحترم حريات التعبير في بلدان متقدمة

قوانين ازدراء الأديان لا تضع في نية مشرّعيها تقديس بعض الرموز الدينية ووضعها فوق الشبهات والمتابعات الجزائية كما يظن البعض، لكنها تهدف إلى تجنّب الإساءة إلى شخصيات اعتبارية، لما لها من مكانة عند أتباع ديانة بعينها، وتهدف من وراء ذلك إلى تعزيز السلم الأهلي والحماية من مخاطر الفتنة والاقتتال الطائفي. وهذه القوانين تعاقب أيضا على أفعال مثل إعاقة الصلوات الدينية وتدنيس دور العبادة وغير ذلك.

 نموذج للوقوف ضد الازدراء في البلدان المتقدمة
 نموذج للوقوف ضد الازدراء في البلدان المتقدمة

ليست المشكلة، حسب باحثين ومراقبين، في القوانين بل في آليات وحيثيات التطبيق، ففي الوقت الذي تلعب فيه قوانين تجريم ازدراء الأديان في بعض الدول دور عصا السلطة ضد أصحاب الآراء التي لا تناسبها، نرى قريناتها من مواد قوانين العقوبات في بعض الدول الأجنبية تلعب دور صون المشاعر الدينية من الشعور بالإهانة، وحماية حريتي العقيدة والتعبد، والحفاظ على السلام المجتمعي. فدول مثل الهند، أيسلاندا، اليونان، جنوب أفريقيا، إسبانيا، سويسرا وغيرها تجرّم بشكل مباشر وصريح الإساءة للأديان، ولكن من منطلق مراعاة مشاعر أهل كل دين وحمايتهم من التحريض على الكراهية أو ممارسة العنصرية.

ودول مثل كندا، البرازيل، فنلندا، الدنمارك، فرنسا وغيرها تعاقب بالحبس كل من يرتكب فعل التصريح بخطاب فيه تحريض على كراهية شخص أو أكثر بسبب لونه أو دينه أو عرقه أو انتمائه الإثني. وتتشدد ألمانيا في مراعاتها فتفرض العقوبة على الفاعل وإن لم يكن ألمانيا، وإن ارتكب هذه الجريمة خارج الأراضي الألمانية. وبذلك لا يجرم القانون هنا التعرض للأديان في ذاتها فحسب، بل التعرض بالأذى لأي فئة بسبب انتمائها الديني أو العرقي.

ويتألف الإطار القانوني المطبق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أنظمة ولوائح يمكن استخدامها لحماية التماسك الاجتماعي والأمن الوطني، وفقا لكيفية تفسير الحكومات المختلفة لهذين المصطلحين.

ومن البلدان العربية ما كانت مصيبة وموفقة في تطوير لوائح وقوانين تضمن سبل التعايش دون التضييق على الحريات الفردية، ففي دولة الإمارات على سبيل المثال، تم إصدار قانون يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها ومكافحة كافة أشكال التمييز ونبذ خطاب الكراهية. ويجرم القانون التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل. ويكافح القانون استغلال الدين في تكفير الأفراد والجماعات بعقوبات تصل إلى الإعدام إذا اقترن الرمي بالكفر بالتحريض على القتل فوقعت الجريمة نتيجة لذلك.

ويفرض القانون “عقوبات للجمعيات والفعاليات الداعية إلى ازدراء الأديان أو التمييز أو إثارة خطاب الكراهية، وتصل العقوبة إلى السجن ومليون درهم (273 ألف دولار) للدعم المالي للأفعال المجرمة بنصوص القانون”.

وقالت وكالة أنباء الإمارات إن القانون “يحظر الإساءة إلى الذات الإلهية أو الأديان أو الأنبياء أو الرسل أو الكتب السماوية أو دور العبادة وفقا لأحكام هذا القانون أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة
أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل الإثني”.

مؤيدو سن قوانین منع ازدراء الأدیان يرون أن الهدف من التجريم هو حماية المقدسات الدينية وتطويق مشاعر الكراهية للأديان، لأن انتشارها يهدد التعايش بين الأمم والحضارات بخطر كبير، إذ يؤدي إلى الإخلال بالسلم الدولي، ويشكل مساسا خطيرا بالكرامة الإنسانية، ويفرض قيودا على الحرية الدينية للمؤمنين بها.

ويضيفون أنه لا ينبغي النظر إلى تجريم ازدراء الأديان وكأنه تقييد لحرية الفكر أو كبت للحق في التعبير الذي يجب ألا يستخدم لأذى الآخرين وإهانتهم، بل كآلية للوقاية من التطرف والفتن الدينية والطائفية في المجتمعات البشرية التي يسببها التحريض على الحقد الديني والعنف.

الأهم من ذلك كله، هو أن يضع القانون تعريفات دقيقة وحاسمة لمفاهيم الإهانة والتحقير والتحريض على الكراهية وممارسة العنصرية، حتى لا يُساء استخدام مواده كما يحدث اليوم، ويصبح أداة للدعوات الكيدية والتجني على كل من يبدي رأيا أو فكرة.

12