كيف تصبح المجتمعات العربية ديمقراطية

السبت 2017/02/11
تجربة الانتقال الديمقراطي بحاجة إلى دراسة

الرباط - من منطلق التساؤل حول إمكانية الخروج من الاستبداد نحو الديمقراطية وإلى أي حد يمكن إعادة تأسيس السياسة على أنقاض اللاسياسة وتقاليد الإذعان والإذلال، يؤسس المفكر المغربي محمد نور الدين أفاية لكتابه الصادر حديثا بعنوان “الديمقراطية المنقوصة.. في ممكنات الخروج من التسلطية وعوائقه”.

ينطلق محمد أفاية، أستاذ الفلسفة المعاصرة والجماليات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالعاصمة الرباط، في الإجابة عن تساؤله من رصد الانتفاضات الشعبية التي مسّت السياسة والمجتمع والثقافة في الوطن العربي مع بداية سنة 2011 وتحولت إلى ثورات مسلحة وحروب أهلية في بعض الدول.

محمد نور الدين أفاية: التحدي الذي تواجهه البلدان العربية يتمثل في الخروج من النمط الوحيد للإدارة السياسية

يطرح الكتاب، الصادر عن منتدى المعارف ـ بيروت، لبنان إشكالية التحدي الكبير الذي تواجهه مختلف البلدان العربية بعد الربيع العربي. ويتمثل هذا التحدي في الخروج من البيئة الخاضعة لنمط وحيد للإدارة السياسية والتحول إلى مجال سياسي آخر يقبل باختلاف الآراء والمواقف وحرية التعبير، الفردية والجماعية.

وتحقيق هذا الخروج لا يمكن إلا بالانخراط في استنبات مرجعية سياسية جديدة مبنية على تفعيل ميداني لمبادئ حقوق الإنسان وثقافة الديمقراطية وسيادة القانون والسلم المدني.

وهذه العملية ليست سهلة وذلك بسبب تحديات الانتقال المرتبطة بالتحولات التي طرأت على البنيات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية طيلة العقود الماضية.

وتأتي أيضا على قائمة تحديات الانتقال طموحات الشباب وأفكاره المتمردة على الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة. فتجربة الانتقال إلى الديمقراطية تستوجب نقاشا ضروريا حول طبيعة القيم الجماعية والاختيارات السياسية المعززة بمرجعيات حقوق الإنسان.

ولا يمكن فصل الحديث عن مرجعية سياسية جديدة وثقافة مجتمعية ديمقراطية عن سياق الحوار السياسي والثقافي الذي انطلق في بعض المجتمعات، أو هو في طور التأسيس والانطلاق في مجتمعات أخرى، حول أسس العيش المشترك وقيم المجتمع الديمقراطي.

ويطرح المفكر المغربي أسئلة حارقة في ثنايا كتابه، منها: كيف يمكن الانتقال بالديمقراطية من فكرة وشعار إلى ممارسة مجتمعية وسياسية؟ وهل آليات التمثيلية الراهنة لا تزال تمتلك ما يلزم من المصداقية والمشروعية لتجسيد الإرادة الشعبية؟ وإلى أي حد يمكن الاطمئنان إلى دعوات المطالبة بالتغيير أو الإصلاح التي تطلقها جهات وتيارات وهيئات هي نفسها تحمل جراثيم الفساد وعوائق التحديث؟

فاتحة لكتابة جديدة في الشأن السياسي

ويخلص محمد نور الدين أفاية إلى أن هناك مقومات كفيلة بإنجاح الانتقال، وذلك من خلال إبراز المعوقات التي تحول دون الشراكة المنتجة للفاعلين الاجتماعيين وإطلاق حركية جماعية تملك مؤهلات وضع عقد اجتماعي يستند إلى قيم المجتمع الديمقراطي.

في تقديمه للكتاب، الذي يضم أربعة فصول، يقول الباحث المغربي عبدالإله بلقزيز، مدير مركز دراسات الوحدة العربية، أنه لا يبالغ في القول إن كتاب “الديمقراطية المنقوصة: في ممكنات الخروج من التسلطية وعوائقه” يعد فاتحة لكتابة جديدة في الشأن السياسي، وفي شأن يحتل مكانة معتبرة في الاجتماع السياسي في العالم العربي، هي مسألة الإمكان الديمقراطي وجملة ما يحف به من عوامل جاذبة.

ومردّ ذلك أن طرح محمد أفاية تأسس على أمرين متقابلين، لكنهما في نفس الوقت مترابطين؛ أولهما أن الغالب على التفكير في المسألة والكتابة فيها التسرع والخفة في الاستنتاجات والأحكام. وكان ذلك واضحا من خلال الكتابات الاحتفالية ببشارة الربيع العربي ووعوده الديمقراطية، وهي كتابات جاءت مسكونة بروح الكسل المعرفي، وتعاني نقصا في القلق الفلسفي.

والأمر هو ما ذهب إليه أفاية من مذهب في التناول التركيبي حيث جمع النظرة الاجتماعية والتاريخية للظاهرة موضوع بحثه وميله بالتحليل الثقافي لظواهر الاجتماع السياسي واستدعاءالسوابق قصد المقارنة. فمحمد أفاية لم يكتب نصا سياسيا، وإن كان موضوعه في السياسة، وإنما آثر أن يتأمل حدثا تاريخيا ببرودة أعصاب الباحث.

ويخلص بلقزيز إلى أن أفاية لم يكن عدميا وهو يمتشق سلاح النقد، بل سلم أن مجتمعاتنا العربية تشربت كثيرا من القيم الديمقراطية، وأن عمران ثقافتنا بات مأهولا في بعض أجزائه بهذه القيم، وأن مؤسساتنا الاجتماعية والمدنية تخطو الخطى الحثيثة صوب التكيف مع الأفكار والقواعد الديمقراطية، وأن دولنا أحرزت حظا -وإن كان متواضعا- في التحديث السياسي والتأقلم مع الأحكام العالمية للديمقراطية.

7