كيف تصنع بالكمبيوتر والآي باد لوحات ساحرة

يعتبر الداندي ديفيد هوكني أوسع الفنانين الإنكليز شهرة وأكثرهم رمزية وأوفرهم إنتاجا وأثراهم تجربة. جمع إلى الفن التشكيلي الحفر والرسم والتصوير الشمسي برؤية تكعيبية والتركيب باستعمال الفيديو والسينوغرافيا وتأليف الكتب.
الاثنين 2018/01/22
تصورات فنية مغايرة

يحتضن مركز بومبيدو للفن المعاصر معرضا فنيا لأشهر فنان بريطاني ألا وهو ديفيد هوكني، الذي يحتفل هذا العام بعيد مولده الثمانين، وكانت مناسبة لاكتشاف تجربته الثرية، التي وسعت الفن التشكيلي والرسم والحفر والتصوير الشمسي باستعمال كل الوسائل التقنية الحديثة ورسوم الكتب.

ديفيد هوكني من أشهر الرسامين البريطانيين. ولع بالرسم منذ نعومة أظفاره، وما كاد يبلغ العاشرة من عمره حتى التحق بمعد الفنون الجميلة ببرادفورد، مدينته التي رأى فيها النور عام 1937، حيث أثنى أساتذته على مهارته، ولكنه لم يبدأ مسيرته الفنية إلا عام 1961 عندما اختاره متحف “تيت لندن” للمشاركة في معرض للفنانين الشبان، انتقل إثرها إلى لندن حيث درس في الكوليج الملكي للفن.

الطريف في أعمال هوكني أن كل سلسلة وكل لوحة وكل استعمال للون أو تقنية جديدة هي ناتجة عن تأثره بفنانين آخرين

هناك بدأ يجرب الفن التجريدي، ولكنه سرعان ما تخلى عنه بسبب “نقص جانب الإنسانية فيه” كما قال، فمضى يستكشف أساليب أخرى، مستفيدا من أعمال الإنكليزي فرنسيس بيكون والفرنسي جان ديبوفيه من جهة مقاربتهما الخام، واستقر رأيه على أن للفن والصور دورا في المجتمع.

بعد فترة وجيزة قضاها في نيويورك عام 1963، حيث التقى بأندي وارول، انتقل إلى لوس أنجلس التي ستمثل نقطة التحول في مساره الفني، ذلك أنه اكتشف فيها صفاء الضوء وقوته، وهو الذي اعتاد على ضباب الشمال الإنكليزي وسمائه العابسة على الدوام، وأحس أنه يمكن أن يجدد تجربته بعيدا عن ضغوط تاريخ الفن الأوروبي وحركة التعبيرية التجريدية السائدة وقتها في نيويورك.

ولما كان هوكني ابن عصره، فقد فتن بالتكنولوجيات الحديثة منذ 1970، وبالإمكانات التي توفرها لخدمة الفن، بدءا بـ“البولارويد” التي كان يستعملها وفق رؤية مخصوصة، لأنه يعتبر أن التصوير الشمسي يحملنا على النظر إلى العالم بطريقة واحدة مثيرة للقلق، وأن بصرية الآلة التي يسميها عين السيكلوب تثبت الأفق المنظوري الكلاسيكي بشكل آلي، فتفرض معيارا كونيا لكل منظر.

ومن ثَمّ كان يقوم بعملية مونتاج للصور التي يلتقطها من زوايا مختلفة، ويعيد تركيبها بعضها فوق بعض ليعدد زوايا النظر على الطريقة التكعيبية، وهو أسلوب يعترف أنه استوحاه من بيكاسو بعد أن حضر معرضا أقيم له في متحف “موما” بنيويورك عام 1980، قرر إثره التخلي عن الطبيعية التصويرية نهائيا.

وفي إطار ولعه بالمستحدثات التقنية، واصل الرسم بواسطة الكمبيوتر والطابعة والـ“آي باد”، بل إنه يعترف أن لوحة “آبل” أحدثت ثورة في عمله، إذ ساعدته على تخير ألوانه وإعادة الاشتغال على أصباغه.

ديفيد هوكني من أشهر الرسامين البريطانيين. ولع بالرسم منذ نعومة أظفاره، وما كاد يبلغ العاشرة من عمره حتى التحق بمعد الفنون الجميلة ببرادفورد

وهو ما يلمسه الزائر في أعمال تعرض على شاشة كبيرة أنجزها هوكني بالـ“آي باد” وحده، وما هي في الواقع سوى مواصلة لما كان بدأه حينما عكف على استعمال الفيديو، إذ كان يعيد بناء المشهد نفسه في سائر الفصول بالتقاط صور عنه بواسطة ثماني عشرة كاميرا من زوايا مختلفة ثم يبث ذلك على شاشة ضخمة.

الطريف أن كل سلسلة وكل لوحة وكل استعمال للون أو تقنية جديدة هي ناتجة عن تأثره بفنانين آخرين، ولكن ما يوحد أعماله طريقته في تملك كل حركة، والمضي بها أبعد مما يقترحه الفنان الذي تأثر به. فالمعرض الذي يحتوي على مئة وستين عملا متنوعا معروضا بطريقة كرونولوجية، تظهر في وسطه الصفحات اللامعة للمسابح الكاليفورنية، والبورتريهات المزدوجة التي دأب عليه هوكني، إلى جانب مناظر يوركشاير التي ساهمت في ذيوع صيته، وتتجلى فيها كلها ثلاث قضايا جمالية كبرى.

أولاها انتقائية هوكني إذ عادة ما ينهل من تاريخ الفن موتيفات وألوانا، فيحولها على طريقته، بشكل ساخر أحيانا، كما هو الشأن مع بعض أعمال وليم هوغارث ورمبرانت وفرمير وفان غوخ، ومع عيون الفن الحديث كتكعيبية بيكاسو وتوحشية ماتيس وتعبيرية فرنسيس بيكون، أو الفن المعاصر كالتعبيرية التجريدية.

وثانيتها أن هوكني يضع أيضا تصورا لأثر وسائل الإنتاج التقني، وخاصة التصوير الشمسي، على الممارسة التشكيلية. وأما الثالثة، فتتمثل في نقد هوكني للأفق المنظوري الكلاسيكي، الذي ثبتته آلة التصوير الشمسي، وسعيه الدائب لابتكار طريقة مغايرة لتَمثلِ الفضاء، وهو ما قاده إلى تأكيد نظرية “الأفق المنظوري المعكوس” التي صاغها الفيلسوف وعالم الرياضيات الروسي بافل فلورنسكي.

وقد اختار منظمو المعرض عرضا كرونولوجيا حيث خُصصت كل قاعة لمرحلة من المراحل الفنية والشخصية لهوكني، وكلتاهما مترابطتان في حياته، فغدا التجول بين القاعات أشبه بجولة في حياة مليئة بالأسفار ومؤثرات الأعلام الكبار والتطور التقني والأجناس الفنية، أو فصل من سيرة ذاتية محكمة الصياغة. والخلاصة أنه معرض يهدف إلى اطلاع الزوار على تجربة ثرية تتجدد على الدوام، وتكريس ديفيد هوكني منظّرا للفضاء ولتاريخ الفن المعاصر في حقبة الإنتاج التقني.

16