كيف تعرض أعمالا تشكيلية وتبتكر الفن العاشر

الاثنين 2014/09/08
في فن العرض الحديث تجسيد الصداقة بين الفن والأدب والفلسفة

باريس- منذ بضعة أعوام، تشهد الساحة الفنية جدلا واسعا حول مفهوم “العرض”، بعد أن هجر الأساليب القديمة في تعليق اللوحات الفنية وطرق إضاءتها، وصار يُعهد به إلى فنانين متخصصين، لكل واحد منهم أسلوب لا يسمح لغيره بتقليده، يتنافسون في ابتكار الجديد بشكل لافت، حتى أصبح النقاد يتحدثون عنه كفنّ عاشر.

بعد أشغال صيانة وترميم دامت خمس سنوات، ينتظر أن يفتح متحف بيكاسو بباريس أبوابه من جديد. وبرغم أهمية الحدث، فإن الحديث عن آن بلداسّاري، مديرة المتحف السابقة التي وقع فصلها، يفوق حديث أهل الذكر عن الفنان وآثاره.

ذلك أن بلداسّاري هذه تصرّ على “حقوق التأليف”، وتهدد برفع قضية أمام المحاكم إذا لم يقع الاعترافُ بها “مندوبة عامة”، وتسجيلُ دورها في تصميم المتحف وتعليق لوحاته. وهي محقة في مسعاها منذ أن أقرت محكمة الاستئناف بباريس عام 1977 بأن فن العرض “عمل فكري” ينبغي حماية حقوق صاحبه.

هذه المسألة سبق أن أثارها عام 1972 دانيال بورين زعيم مجموعة BMPT الطلائعية حين كتب يقول: “ثمة نزوع إلى أن يكون موضوع المعرض ليس تقديم أعمال فنية، بل عرضا يصبح فيه العرض نفسُه عملا فنيا. فلم يعد في مقدور الفنان وآثاره إلا ترك العرض لطرف آخر هو المنظِّم”.

ومنذ ذلك التاريخ ما فتئ شكل العرض يتطوّر ويتجدّد، ويبتكر له أصحابه صيغا غير مألوفة، من ذلك مثلا ما شهدناه مؤخرا في معرض بمركز بومبيدو صاغه بيير هويغ، يكاد يكون عضويا، حيث كلب حقيقي بلحمه ودمه، وقد طليت إحدى قوائمه بالوردي، يقف أمام تمثال امرأة يتكون رأسها من جمع من النحل الحيّ.

منذ عام 1980، صار يُعهَد إلى الفلاسفة بتنظيم معرض فني، كما حصل في مركز بومبيدو خلال معرض لجان فرنسوا ليوتار، مثلما صار يمكن الحديث عن معارض هذا المفوض أو ذاك

أو ما يشاهده الزائر في قصر طوكيو بباريس من أشرطة حية عن تاريخ السينما تبث على بلاطة الأروقة، وأخرى عن تاريخ الصور الشمسية تتحرك على الجدران. وهو “معرض-عمل فني” من ابتكار الفيلسوف ومؤرخ الفن جورج ديدي هوبرمان والفنان التشكيلي أرنو جيسنجير. وبذلك زالت الحواجز بين العرض والتثبيت.

والحق أن أصل هذا التوجه يجد جذوره في فقه الفن المعاصر، وكان مارسال دوشامب سباقا حين تولى بنفسه صياغة معرض السرياليين في مختلف دوراته.

في كتابها “أنموذج الفن المعاصر” تقول عالمة الاجتماع نتالي هاينيش: “لم يعد العرض يستند إلى احترام القوانين الجمالية كما في العصر الكلاسيكي، بل صار يعتمد على انتهاك القواعد. وهو ما ولّد نوعا من سوء الفهم بين الجمهور والأثر الفني. ومن ثَمّ صار للوسطاء والنقاد والمفوَّضين دور لا غنى عنه”.

ثم كان لتطوّر المعارض التي تحوم حول ثيمة محددة أثر في تغيير مكانة تلك الفئة بشكل جذري، ساهم في ظهور مفوضين مستقلين يملكون رؤية خاصة للفن.

هؤلاء المفوضون الجدد صاروا ينوبون عن مديري المعارض ويتولون إبراز العلاقة بين الآثار والفنانين، وخلق أجواء أكثر تأثيرا من تلك التي تكون فيها الأعمال معزولة بعضها عن بعض.

ومنذ عام 1980، صار يُعهَد إلى الفلاسفة بتنظيم معرض فني، كما حصل في مركز بومبيدو خلال معرض لجان فرنسوا ليوتار، مثلما صار يمكن الحديث عن معارض هذا المفوض أو ذاك، كما هو الشأن مع بيير ريستاني وجان كلير وبونتوس هلوتن وجان هوبير مارتن.

كان لتطوّر المعارض التي تحوم حول ثيمة محددة أثر في تغيير مكانة تلك الفئة بشكل جذري، ساهم في ظهور مفوضين مستقلين يملكون رؤية خاصة للفن

بل إن بعض المعارض يمكن إعادة عرضها وفق صيغتها الأولى قبل أعوام، مثل “سحرة الأرض” التي سبق عرضها عام 1989، أو “حين تصبح السلوكيات أشكالا” على المنوال الذي عرضت به في بيينال البندقية عام 1969.

يقول إريك ترونسي مدير مركز الفن المعاصر بمدينة ديجون: “كنا نقضي أشهرا، وأعواما، نحاول أن نتخيل جملة من الأعمال الفنية في فضاء محدد، فإذا ما غابت لوحة، انهار كل شيء”.

أما اليوم فالأمر يختلف، إذ صار المعرض في حدّ ذاته عملا فنيا، يخضع لمواصفات مبتكرة. وصار الصندوق الوطني للفن المعاصر يقتني “معارض بتصورات إخراجها”، كما فعل مع معرض الألماني روديغر سكوتله “حديقة- مسرح حيوانات”، أو مع معرض جان ماكس كولار “أوفشور”.

ومن العجب أن بعض الفنانين لا يبدون اعتراضا على تصاعد المفوضين وتعاظم دورهم، “ربما لأن الهيكلة الحالية لعالم الفن تفرض عليهم ذلك، فليس من مصلحتهم إدانة المفوضين”، حسب مؤرخ الفن جيروم غليسنشتاين.

في إشارة إلى أن الاعتراف بالفنانين، في وسط تشتدّ فيه المنافسة، يمرّ حتما بالمؤسسات العمومية، حيث للمفوضين سلطة نافذة. أو ربما لأن الفنانين الذين يسجلون حضورا مقنعا، يلجؤون فيما بعد إلى المفوضين لتبني أعمالهم والإشراف على معارضهم.

أما بعضهم الآخر، فيفضلون الاستفادة من النفَس الجديد، ولكن بالاعتماد على أنفسهم في وضع تصوّر خاص للمعرض الفني، كما عبر عن ذلك السويسري توماس هيرشهورن مؤخرا في قصر طوكيو بقوله: “أوجد فضاء أدعو فيه مائتي فيلسوف وكاتب وشاعر، كل واحد يمكن أن يأتي للاستماع أو لتناول الكلمة. غايتي هي تجسيد الصداقة بين الفن والأدب والفلسفة”.

16