كيف تفصح التقنيات الحديثة بدقة عالية عن أسرار البشر القدامى

العلماء يأملون في معاينة القطع الأثرية عن بعد والتكنولوجيا تتفوق على الوسائل التقليدية في التعامل مع الآثار.
الاثنين 2018/03/12
الأدوات الحديثة تقدم رؤية أكثر وضوحا

لندن –  طور باحثون من جامعة كاليفورنيا ومن رواق الفنون الوطنية في واشنطن العاصمة تكنولوجيا تكشف كواليس عملية فنية عمرها قرون.
وعادة ما تكشف المومياوات أو اللوحات الفنية أو الآثار القديمة التي يتم العثور عليها عن مظهر خارجي قد يساعد الباحثين في تحديد الفترة الزمنية والطبقة الاجتماعية، فمثلا استطاع الباحثون تحديد عمر امرأة بالنظر إلى وجهها وبعض التفاصيل الأخرى، وهي امرأة متوفاة بلغ عمرها قرابة ألفي عام لكنها تشع بتفاصيل براقة.
 وتبدو عيني هذه المرأة كبيرتان وسوداويتان وحاجباها غليظان وشفتاها مليئتان وعلى رقبتها توجد قلائد بألوان زاهية وملابسها أرجوانية ثرية، لذلك فمن المرجح أنه في زمن ما من القرن الثاني بعد الميلاد تم طُلب هذا الرسم لتزيين الجسد المحنط لامرأة من النبلاء في مصر القديمة لتظل محافظة على ملامحها إلى الأبد، وهذا الرسم محفوظ في رواق الفنون الوطنية بكندا.
وتجمع رسوم الفيوم، التي تأخذ تسميتها من كونها وجدت بمنطقة الفيوم في مصر، بين الأسلوبين المصري والإغريقي الروماني، وهي ما انفكت تدهش المؤرخين في الحقيقة. ويستخدم العلماء تقنية التصوير الشعاعي لإماطة اللثام عن أسرار هذا العمل الفني.

مزج ثلاث تكنولوجيات

فيما يبدو رسم الفيوم التابع للرواق الوطني في حالة جيّدة، فهل كانت الأصباغ نقية أم ممزوجة، وما هي البضائع القابلة للتماسك مع الطلاء؟
وعلى أمل تسليط الضوء على هذه العملية الفنية التي تعود إلى قرون مضت، فقد تضافرت ملفات علماء الرسم على الفيوم.
واستعملت تقنيات التحاليل الطيفية في تقييم محدد في مجال البحث العلمي في جامعة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.

 

تمكن العديد من الباحثين وعلماء الآثار بالاعتماد على التقدم التكنولوجي من اكتشاف المزيد من المعلومات تكون أكثر دقة من مجرد معاينتها بالعين المجردة حول حقائق أمم عاشت منذ الآلاف من القرون، دون الاضطرار إلى نزع أي عيّنات قد تتسبب في إتلاف أو تدمير بعض القطع الأثرية بالغة الأهمية

ووفقا للصحافية برجيت كاتز بموقع “SMITHSONIAN.COM“، قالت إيوانا كاكولي، الأستاذة المختصة في علم المواد والهندسة في جامعة كاليفورنيا، “عند جمع هذه التقنيات تصبح قوية جدا، ويمكن لهذا التحليل المساعدة على تفكيك التكنولوجيا القديمة عن طريق تحديد لا لبس فيه للمواد التي تكوّن الشيء الخاضع للفحص“.
ولكن الأمر المهم هو كون تكنولوجيا التصوير الشعاعي الجديدة غير ضارة، حيث تمكّن الباحثون من الكشف عن كمّ هائل من المعلومات عن رسم الفيوم دون نزع عينة واحدة من الطلاء.
وتكشف نتائج البحث المنشور في مجلة “التقارير العلمية” أن الفنان الذي أبدع في رسم الصورة كان يمتلك درجة عالية من البراعة، حيث مزج عدة مواد لإنتاج طيف من الألوان النابضة بالحياة. وعلى أساس الاختلافات في سطح الصورة، يمكن للباحثين أيضا تحديد أن الرسام وضع الدهن بواسطة ثلاث أدوات مختلفة، وهي على الأرجح فرشاة من شعر ناعم، وأداة حفار نقاش وملعقة معدنية.
وبحسب جون ديلاني، عالم تصوير كبير في الرواق الوطني للفنون بواشنطن، يريد الخبراء معرفة معلومات عن تركيبة الرسم لسببين اثنين، الأول لغاية حفظه، والسبب الثاني هو معرفة التكنولوجيا التي كان الناس ينجزون بها هذه الأعمال الفنية القديمة.
ومن بين النتائج المهمة الأخرى هو أن شمع النحل المذاب كان موزعا بشكل واسع على كامل العمل، وهذا يشير إلى أن الفنان اعتمد على تقنية تتضمن خلط الشمع بأصباغ للحصول على دهن شبيه بعجينة اللصاق. وكان الباحثون قد شكوا في أن الرسم أنجز بهذا الأسلوب، وجاء التحليل الطيفي ليساعد على تأكيد شكوكهم.
وكانت اكتشافات أخرى أكثر إثارة للاستغراب ومن ذلك أن الفنان استوحى عمله من سيناريوهات من الواقع، مثلا اللون الأرجواني المفعم بالحياة لرداء المرأة تم تكوينه من صبغ الفوّة (عصير جذور نبات الفوة الشائع والذي يستخدمه المصريون القدامى لصناعة أصبغة النسيج ذات اللون القرنفلي).
وتم خلط ملح النحاس بشمع النحل المسخن للحصول على الدرر الخضراء في قلادتها، وهي العملية نفسها الموصوفة في الكتب القديمة التي أعطت التوجيهات حول صبغ الأحجار حتى تشابه الجواهر الحقيقية.
ونجح الباحثون قبل تحليلهم لصورة الفيوم في تطبيق تصوير شعاعي متعدد الوسائط على نطاق كبير على لوحات نفيسة قديمة، لكنهم تمسكوا بصفة خاصة بتجربة هذه التكنولوجيا الجديدة على رسم قديم بما أن الأعمال الفنية التي تعود إلى قرون خلت هشة وثمينة إلى درجة أن دراستها قد تكون صعبة جدا أو مستحيلة.
ووفقا لكاكولي، فإن هذه الأشياء فريدة من نوعها ثم إن المشرفين عليها لا يسمحون بأخذ العينات وإذا ما فعلوا تكون العينة محدودة.
وبيّن الباحثون أن التصوير الشعاعي الذي لا يمس الرسم يمكن أن يقدم معلومات قيّمة عن الأساليب الفنية القديمة.
وتعتبر كاكولي أن إمكانية الحصول على هذه المعلومات دون أخذ عينات من الرسوم أمر مثير جدا للإعجاب والدهشة.

ولى زمن أخذ عينات
ولى زمن أخذ عينات 

ويأمل الباحثون من أجل التقدم أكثر في تكييف التصوير متعدد الوسائط على نطاق كبير حتى يكون متاحا أكثر للخبراء الذين يدرسون أشياء مثل الرسوم الجدارية وفن المقابر، وهي أعمال قديمة ليست مقتصرة على جدران مجموعة من المتاحف فقط.
وأفاد ديلاني أن “السؤال هو كيف نأخذ هذه التكنولوجيا التي توجد في فضاء مختبراتنا ونحولها إلى معدات عملية يمكننا حملها إلى الميدان، وتلك هي الخطوة القادمة”.
وساعدت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كشف غموض كتاب “مخطوطة فوينيتش”، الذي باءت الكثير من محاولات فك شيفرته بالفشل الذريع طوال عدة قرون.
ووصفت الوثيقة البالغة من العمر 600 عام بأنها “الكتاب الأكثر غموضا في العالم في القرون الوسطى”، نظرا للرسوم التوضيحية التي تحويها، والتي تصور نباتات غريبة ونجوما وشخصيات بشرية غامضة. ويذكر أن مخطوطة فوينيتش عثر عليها في دير إيطالي عام 1912.
ودرست المخطوطة على أيدي العديد من المحترفين وعلماء التعمية، منهم أشهر علماء التعمية من البريطانيين والأميركيين في الحرب العالمية الثانية، وقد فشلوا في تفسير حرف واحد.
ووفقا لمصادر إعلامية، قال غريغ كوندراك، عالم الكمبيوتر من جامعة ألبرتا الكندية، إن المخطوطة الغامضة كتبت باللغة العبرية القديمة التي تعتمد على الخلط بين ترتيب الحروف في كل كلمة وإسقاط حروف العلة.
واستخدم كوندراك وفريقه خوارزمية إحصائية يعتقد أن دقتها تبلغ 97 بالمئة، بيّنت أن العبرية هي الأقرب للغة المخطوطة الغامضة.
ولا يقتصر نجاح الاستعانة بالتكنولوجيا في إزاحة النقاب عن الأدوات المستعملة في الرسوم والكتابات منذ الآلاف من القرون بل مكنت أيضا من فتح المجال أمام العلماء لمعرفة أسرار آثار مصر القديمة.

مصر تبوح بأسرارها

صرح باحثان في لندن أن بإمكانهما المساعدة في اكتشاف البعض من أسرار مصر القديمة باستخدام تقنيات جديدة للتصوير متعدد الأطياف.

العلماء يعتبرون أن الرؤية التكنولوجية الجديدة للآثار تقدم إجابات أكثر دقة من مجرد المعاينة البصرية

وأكد الباحثان، وهما طالب الدكتوراه سيريس جونز والبروفيسور آدم غيبسون من كلية لندن الجامعية، أن الطريقة التي طوراها ستمنع الضرر الذي يمكن أن يلحق بالقطع الأثرية الثمينة أثناء التحليل.
وتلتقط أجهزة الاستشعار في تقنية التصوير متعدد الأطياف بيانات الصورة عند أطوال موجية محددة عبر الطيف الكهرومغناطيسي.
وأوضح جونز أن هذه التقنية تسمح للشخص بأن يرى صفات وملامح وخصائص “لا ترى عادة بالعين البشرية المجردة وحدها”.
وطوّر جونز وغيبسون تقنية سمحت لهما بالرؤية النافذة إلى طبقات متعددة مما يسمّى بـ“الكارتوناج”، وهي المواد المستخدمة في الأقنعة الجنائزية المصرية القديمة.
وقبل أكثر من 2000 سنة، كانت الكتابة على الأقنعة والتوابيت غالبا ما تكون مخفية تحت العجائن والمواد اللاصقة.
ويقول الباحثان إن طريقتهما ستسمح بالحفاظ على سلامة القطع الأثرية، مع السماح بإمكانية تحليل كل جزء منها بنفس الجودة التي تسمح بها الأساليب الأخرى التي يمكن أن تتسبب في إتلاف أو تدمير القطع الأثرية.
ويعمل الباحثان بشكل وثيق مع شركاء في متحف بتري للآثار المصرية المجاور لمختبر التصوير الخاص بهما في وسط لندن. ويحتوي متحف بتري على أكثر من 80 ألف قطعة والتي تعتبر من بين المجموعات الرائدة في العالم للمواد المصرية القديمة.
وفحص جونز وزميلته الدكتورة كاترين بيكيت نعشا يعود إلى 3000 سنة معروضا في قلعة بمقاطعة كنت جنوب شرق إنكلترا. وحتى ذلك الحين، كانت هوية صاحب النعش لغزا للجميع، لكن جونز وبيكيت تمكنا من اكتشاف اسمه وهو “إيريثورو” بعد فحص لوح قديم في تابوته مكتوب باللغة الهيروغليفية. وإيريثورو هو اسم شائع في مصر القديمة ومعناه “عين حورس ضدهم”.
وبحسب ما جرى عليه العرف المصري القديم، فإن جثمان إيريثورو تم لفه ووضعه في تابوت مزين ثم دفنه في المقبرة.

تقنيات جديدة للتصوير متعدد الأطياف
تقنيات جديدة للتصوير متعدد الأطياف

ويبدو أن البحث في جذور الماضي عبر الاستعانة بالتطور التكنولوجي والتقدم التقني سيفرز الكثير من الحقائق ويعيد كتابة تاريخ القدامى، حيث أثبتت دراسة حديثة من خلال الاعتماد على تقنية التصوير ثلاثي الأبعاد أن بشرة الملكة المصرية الفرعونية نفرتيتي بيضاء لا سمراء كما كان يعتقد من قبل، وهو ما فجر جدلا واسعا.
ووفقا لمنتقدي هذه الدراسة التي أجراها عالم مصريات في جامعة بريستول البريطانية، فإن النموذج المعروض يُزيف الشهادات التاريخية، لأنه مخالف بشكل صارخ للتمثال النصفي الحقيقي للملكة المصرية، الذي عُثر عليه في مقبرة أمنحتب الثاني في وادي الملوك في أواخر القرن السابع عشر.
واستغرقت الدراسة حوالي 500 ساعة حتى توصلت إلى التصور ثلاثي الأبعاد لتمثال الملكة نفرتيتي الذي نحتته الفنانة المتخصصة في الأعمال التاريخية إليزابيث دانيس في حين صمم فنانون من بيت الأزياء والموضة الفرنسي كريستيان ديور مجوهرات شبيهة بتلك التي كانت ترتديها نفرتيتي.
وحصل أيديان دوسون، أستاذ المصريات في جامعة بريستول، على تصريح من وزارة الآثار المصرية بإزالة الغطاء الزجاجي الواقي لمومياء نفرتيتي وفحصها بتقنية البعد الثالث “دي 3”.
وأثارت النسخة المقلّدة للتمثال سخرية واستهجان الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبحسب ما ورد في موقع “بي بي سي” البريطاني، قالت الصحافية أليكسيا مكاي في تغريدة نشرتها مع صورة لنفرتيتي “هذا هو الوجه الحقيقي للملكة نفرتيتي الذي اكتشف في مصر. نعم إنها امرأة سمراء. المصريون كانوا جميعا سمر البشرة، شعبا وملوكا وملكات”.
وسخر ستفين ديول، أحد المعلقين على الاكتشاف الأخير، من عرض نفرتيتي ببشرة بيضاء بينما يعرف الجميع أنها ذات بشرة سمراء. وكتب في تغريدته “إنكم تمزحون، نفرتيتي كانت أفريقية سمراء البشرة. وكل من له قيمة في تاريخ البشرية كان أفريقيا أسمر البشرة”.

الرؤية التكنولوجية الجديدة للآثار تقدم إجابات أكثر دقة من مجرد المعاينة البصرية، بقطع النظر عن تصديق الناس لما يتوصلون إليه من عدمه

كما يرى بعض المعلقين أن نتائج الدراسة تعد اكتشافا عظيما، ومن بينهم راي جيل الذي غرد قائلا إنه “حصاد سنوات من العمل”.
ويعتبر العلماء أن الرؤية التكنولوجية الجديدة للآثار تقدم إجابات أكثر دقة من مجرد المعاينة البصرية، بقطع النظر عن تصديق الناس لما يتوصلون إليه من عدمه.

أول من رسم الوشم

قال المتحف البريطاني إن باحثين اكتشفوا أقدم وشوم تعبيرية في العالم على أذرع اثنتين من المومياوات المصرية.
وظهرت الوشوم كبقع داكنة في الضوء الطبيعي، لكنّ باحثين في المتحف البريطاني وكلية الدراسات الشرقية بجامعة أكسفورد اكتشفوا الوشم في عام 2017 من خلال التصوير بالأشعة تحت الحمراء.
وقال دانييل أنطوان، أمين إدارة الأنثروبولوجيا في المتحف البريطاني، إنها “في الواقع تقدم رؤية جديدة تماما لاستخدام الوشم”، مضيفا “مكان هذه الوشوم يشير إلى أنها رسمت لتكون مرئية بشكل واضح”، مشيرا إلى أن الاكتشافات أقدم بألف سنة من اكتشافات الوشوم في أفريقيا.
وأفاد الباحثون بأن وشم مومياء المرأة ربما كانت له دلالة على وضعها الاجتماعي أو شجاعتها أو معرفتها بالسحر في حين يبدو الوشم على مومياء الرجل وكأنه رمز للقوة والخصوبة على الأرجح.
وقبل الاكتشاف كان علماء الآثار يعتقدون أن الوشوم في مصر ترسم على أجساد النساء فحسب، إذ صورت الوشوم على تماثيل الإناث من هذه الفترة فحسب.
وطورت البعثات العلمية الرامية إلى دراسة واكتشاف الآثار الفرعونية من أساليب بحثها عبر الاستعانة أكثر بالتقدم التقني بدل الاعتماد فقط على الحفريات بأدوات تقليدية، حيث أعلنت مصر، منذ فترة وجيزة، عن إجراء مسح راداري للتأكد من وجود فجوات بمقبرة الملك الفرعوني الشهير توت عنخ آمون بمحافظة الأقصر، أقصى جنوبي مصر.

12