كيف تقاوم ليبيا الوباء بمنح الأولوية لمقاتلي الميليشيات

واقع صعب فرضته الجماعات المسلحة والمرتزقة على المستشفيات في غرب ليبيا.
الاثنين 2020/04/13
تفاؤل ليبي رغم الأزمة

فرض تفشي فايروس كورونا في مختلف دول العالم متغيرات كبرى في مستوى التعامل مع الدول التي تشهد حروبا مثل ليبيا، حيث بات الكثير من المراقبين يتساءلون عن السبل الكفيلة بمقاومة الوباء في بلد تتنافس فيه حكومتان على السلطة. ورغم حث منظمة الأمم المتحدة الفرقاء على وقف القتال، وما رافق ذلك من حديث عن تجند الطواقم الطبية في الشرق والغرب لمواجهة كوفيد - 19، إلا أنه تم الحديث في المقابل عن ضغوط تمارسها ميليشيات موالية لحكومة فايز السراج لمنح أولوية الكشوفات والتحاليل الطبية لمقاتليها على حساب حقوق بقية المواطنين.

 القاهرة – هل يمكن أن تؤدي جائحة كوفيد - 19 إلى إنهاء الانقسام في ليبيا الغنية بالنفط؟ فالدولة التي تسودها الفوضى وجرت محاولات عديدة لتوحيد مؤسساتها العسكرية والشرطية والاقتصادية وطرحت مبادرات سياسية لحل أزمتها، لا تزال تعاني من الاقتتال في ظل انتشار كورونا الذي يهدد العالم.

وتوجد في ليبيا سلطتان تتقاتلان منذ أكثر من أربع سنوات، الأولى هي الحكومة المؤقتة في شرق البلاد، برئاسة عبدالله الثني، وتعتمد على الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، المؤيد من مجلس النواب، والثانية سلطة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في غرب البلاد، برئاسة فايز السراج، المدعومة دوليا، ومسنودة من قبل تركيا وقطر والميليشيات المسلحة التي تدور في فلكهما.

ورغم وضع المجتمع الدولي للملف الليبي على طاولة المفاوضات بحثا عن حل، غير أن الاهتمام تراجع لانشغال عواصم كبرى بمشاكلها الصحية بعد تفشي وباء كورونا، مع ذلك حثت الأمم المتحدة الليبيين على وقف القتال لتمكين النظام الصحي من الاستعداد لمواجهة تداعيات الفايروس المميت.

خالد المحجوب: الميليشيات هي التي أدخلت الفايروس إلى البلاد
خالد المحجوب: الميليشيات هي التي أدخلت الفايروس إلى البلاد

وقال خالد المحجوب، مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني الليبي، لـ”العرب”، إن المشكلة التي تعاني منها البلاد ما زالت تكمن لدى “هؤلاء المسلحين.. فهم من خلقوا الفوضى، وهم من تسببوا في دخول فايروس كورونا إلى ليبيا عبر المطارات”، في إشارة إلى قوات السراج التي سمحت لهم بالدخول، وأشرفت تركيا على شحنهم من سوريا وتصديرهم إلى ليبيا عبر أراضيها.

في المقابل يحمّل السراج الطرف الآخر، دون أن يشير إلى حفتر باسمه كما ورد في آخر بيان مصور ألقاه لليبيين قبل يومين، مسؤولية استمرار الحرب، وبالتالي صعوبة التفرغ لمواجهة وباء كورونا.

ومع ذلك “لا يزال الليبيون متفائلين للغاية” بسبب قلة عدد المصابين بكورونا في بلادهم، كما يقول وولفجانج بوتشاي، رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية الليبية، وهو مجلس استشاري مقره واشنطن.

وتحولت الكثير من المراكز الطبية في مدن كبرى مثل طرابلس، ومصراتة، وبنغازي، إلى خلايا نحل، ومعظم هذه الجهود تطوعية من أبناء الأطقم الطبية، أو ما يعرف بـ”الجيش الأبيض”، والسبب في هذا التفاؤل، وفقا لبوتشاي، أن الليبيين يرون أن بلادهم لم تسجل سوى حالات محدودة من حالات الإصابة بالفايروس.

وأضاف بوتشاي أن الجانبين (الثني والسراج)، فرضا حظر تجوال في ليبيا، “لكن، واستنادا إلى تجارب الدول الأخرى التي احتوت الفايروس بشكل أو بآخر، فإن هذه الإجراءات في ليبيا ليست صارمة إلى حد بعيد.. ليست صارمة بما فيه الكفاية”.

قرارات متضاربة

يبلغ إجمالي عدد المصابين بكورونا، المعلن عنهم في ليبيا حتى الآن، نحو 30 حالة، لكن إذا زاد عدد الحالات الخطيرة والحرجة جراء الإصابة بالفايروس، ويرى بوتشاي أن “النظام الصحي الليبي غير جاهز لتوفير عدد كافٍ من الأسرّة في وحدات العناية المركزة”. ورغم ظروف الانقسام الصعبة في ليبيا، إلا أن “الجيش الأبيض” في جل المدن بدأ العمل مبكرا، محاولا تجاوز الخلافات بين سلطات الشرق والغرب، وسهلت وسائل التواصل الإلكترونية تبادل الخبرات، وتمكن أطباء وممرضون في مراكز طبية مشتتة، في مدن تتقاتل في ما بينها، من فتح قنوات للتعاون في مواجهة  كوفيد - 19.

وولفجانج بوتشاي: الليبيون متفائلون بسبب قلة عدد المصابين بكورونا
وولفجانج بوتشاي: الليبيون متفائلون بسبب قلة عدد المصابين بكورونا

وأكدت مصادر ليبية أن هناك لجنتين حكوميتين تتخذان إجراءات للسيطرة على الفايروس، واحدة تابعة لحكومة الشرق في بنغازي، والأخرى تابعة لحكومة الغرب في طرابلس.

يتابع “الجيش الأبيض” كل ما يصدر عن هاتين اللجنتين من تعليمات وإرشادات، دون الالتفات إلى تنافسهما السياسي لكسب ود الرأي العام، سواء محليا أو دوليا.

وأوضح بوتشاي، أن أول حالة تم اكتشافها في ليبيا تعود إلى يوم 5 مارس الماضي، وهي لشخص كان عائدا من الخارج، ووصل إلى بلدة “الجميل” التي يبلغ عدد سكانها حوالي 120 ألف نسمة، وتقع على بعد 100 كيلومتر غرب طرابلس.

ولم يتم الكشف عن هذا الشخص إلا في يوم 24 مارس الماضي، في طرابلس، حيث ظهر أنه مصاب، ومحتمل أن يكون تسبب في إصابة آخرين كثيرين من قبل، ولا تعني النسبة البسيطة لعدد المصابين ممن جرى الكشف عنهم في ليبيا، مقارنة بدول أخرى، أنها بعيدة تماما عن الأزمة الصحية.

وأصبح وباء كورونا اليوم يثير الشبهات من الغرباء الفارين من الاقتتال، فعدد النازحين داخليا يقدر بحوالي 150 ألفا، ومعظم هؤلاء يعيشون في مقار مؤقتة تعد مثالية لنشر العدوى، لهذا يجب أن يحمل التفاؤل قدرا من الحذر.

وتبلغ مساحة ليبيا نحو مليوني كيلومتر مربع، وتصل بين معظم المدن طرق صحراوية طويلة، وتوجد أربعة موانئ جوية تربط ليبيا بالعالم الخارجي، هي مطار معيتيقة بطرابلس، ومطار مصراتة، ومطار بنينا في بنغازي، ومطار طبرق.

ويقع المطاران الأول والثاني تحت سلطة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الذي ما زال يسيطر على بضع مدن في شمال غرب ليبيا، منها مصراتة، بينما تسيطر الحكومة المؤقتة على المطارين الآخرين في الشرق.

محمود القناشي: الحكومة المؤقتة منعت دخول أي ليبي خوفا من كورونا
محمود القناشي: الحكومة المؤقتة منعت دخول أي ليبي خوفا من كورونا

وأعلنت الحكومتان أنهما قررتا إغلاق هذه المطارات أمام الرحلات الخارجية، وبينما تتسم قرارات الحكومة المؤقتة في الشرق بالصرامة، يبدو أن قرارات حكومة الوفاق في الغرب لم تنفذ بالحسم المطلوب. ويعتبر العميد المحجوب، أن المجلس الرئاسي لم يقدر على تنفيذ القرارات التي سبق وأن أعلن عنها، ومن بينها إغلاق منافذ الدخول إلى ليبيا، فقد صدر القرار لكن الطائرات ما زالت حتى الآن تصل إلى البلاد، ومطار معيتيقة ما زال يعمل.

والأربعاء الماضي حطت طائرة في مطار مصراتة، كما أن الموانئ البحرية في غرب البلاد مثل ميناء مصراتة، وميناء طرابلس، وميناء الخُمس، ما زالت تعمل.

أما المنافذ البرية مع كل من تونس ومصر، فقد تكدس فيها مئات من الليبيين الذين كانوا في طريق عودتهم إلى بلادهم دون أن يكون لدى معظمهم يقين بأن السلطات الحاكمة في الغرب والشرق قررت اتخاذ تدابير مشددة تؤخر اجتيازهم للحدود.

وتسعى حكومة طرابلس إلى ضمان سلامة الليبيين القادمين من تونس عبر منفذ رأس جدير، وجرى بالفعل ترتيب عملية إسكان أكثر من 1500 ليبي من العالقين في تونس، إلى أن يتم إنهاء إجراءات عودتهم إلى أرض الوطن لاحقا.

ولم تكن حدود ليبيا الشرقية مع مصر أفضل حالا، حيث قال محمود القناشي، أحد المتطوعين لإسكان الليبيين قرب حدود بلادهم، قبل الانتهاء من إجراءات عودتهم إلى ليبيا، “الحكومة المؤقتة اتخذت قرارا بعدم دخول أي ليبي أصلا في هذا التوقيت، خوفا من أن يكون حاملا للفايروس”.

وأوضح القناشي، كان هناك حوالي 4500 ليبي يستعدون للتحرك من القاهرة والإسكندرية ومرسى مطروح في اتجاه منفذ السلوم البري للعبور إلى داخل ليبيا، وهو ما خلق أزمة كبيرة على الحدود، لكن من خلال المتطوعين والاتصالات وبالتنسيق مع مسؤولي الشرق الليبي، أمكنت السيطرة على الوضع حتى الآن.

الكشف وفقا للانتماء

إجراءات مشدّدة
إجراءات مشدّدة

تضغط بعض جماعات مسلحة في طرابلس على مختبرات ومراكز طبية من أجل أن تكون أولوية الكشف لفائدة عناصرها، وهي غير عابئة بآلام المواطنين، المهم التركيز على عناصرها، وسط صمت من قبل حكومة السراج.

وحاول مسؤولون في مختبر بالعاصمة قبل أيام، الالتزام بأن يكون الكشف بأسبقية الحضور، إلا أن هذا لم يعجب عناصر في ميليشيات “الصمود”، فتجرأت على اختطاف عدد من أعضاء الطاقم الطبي في المختبر، وجرى تسليم ثلاثة من هؤلاء الأعضاء إلى ميليشيا أخرى ذات نفوذ في قلب العاصمة، هي ميليشيا “النواصي”.

يقول مسؤول في الشرطة رافضا ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن ميليشيتي “الصمود” و”النواصي” كانتا تريدان توقيع الكشف دفعة واحدة على حوالي 250 عنصرا تابعا لهما للتأكد من أنهم غير مصابين بفايروس كورونا، ويتابع “بطبيعة الحال هذا عدد كبير، وطاقة المختبر لم تكن قادرة على استيعاب فحص كل هذه العينات في وقت وجيز”.

ويضيف المسؤول، أنه بالتحقيق في الأمر تبين أن أعضاء المختبر الطبي لا ذنب لهم، لأن المختبر المرجعي نفسه ليس لديه إلا ثلاثة أجهزة لاختبار الحالات، وتحليلها، وتدخلت الجهات المختصة لدى ميليشيا “النواصي” لإخلاء سبيل الأطباء كي يتمكنوا من مواصلة عملهم.

وتعمل المستشفيات والمراكز الطبية في ظروف صعبة، خاصة في شمال غرب ليبيا، بسبب انتشار الجماعات المسلحة، وحالة الحرب التي يشارك فيها المرتزقة من أولئك الذين ترسل بهم تركيا للقتال مع قوات السراج.

ولدى عدد من الميليشيات في طرابلس سجون سرية تضم مئات الأفراد، بما في ذلك السجن الموجود في قاعدة معيتيقة، لذلك هناك مخاوف من أن ينتشر وباء كورونا بينهم، وهي لا تخضع لسلطة النيابة ولا سلطة قضائية أخرى، وتفتقر إلى الرعاية الطبية.

وأشار المصدر الشرطي إلى أن سوريين، ممن يعملون مع قوات السراج تحت اسم “القوة المساندة”، يشتبه في إصابتهم بالفايروس، ويقول العميد المحجوب، على الجانب الآخر، “المعلومات التي وصلتنا تؤكد وجود نحو 17 من المرتزقة السوريين يشتبه في إصابتهم بكورونا في طرابلس وحدها”.

ومن الصعب على المستشفيات أن تعمل وسط احتراب أهلي، إلا أن الكثير من الأطباء والممرضين يصرون على ارتداء مآزرهم البيضاء، ووضع الكمامات لاستقبال المشتبه في إصابتهم بكورونا، هذا ما حدث في مستشفى الهضبة الواقعة قرب منطقة اشتباكات على طريق المطار.

قصة مستشفى الهضبة

تجنّد لمواجهة الوباء
تجنّد لمواجهة الوباء

قصف الجيش الوطني مواقع في طرابلس مؤخرا، ما أدى إلى مقتل شخص يدعى عمر، يشغل موقع معاون في ميليشيا “مجلس ككلة العسكري”، وسريعا ما بدأت هذه الميليشيا بتوجيه قذائفها ضد قوات الجيش للانتقام، إلا أن قذائفها وصلت إلى مستشفى الهضبة، فأصيب الأطباء والممرضون بالذعر، بينما ظل المرضى داخل المبنى لا يعرفون ماذا يفعلون.

وأكد العميد المحجوب، أن الميليشيات استغلت قيام الجيش بضرب مناطق يتمركزون فيها، وتوجد فيها مخازن تابعة لهم في غابة النصر بطرابلس، فردوا بضرب مستشفى الهضبة، فأصابت القذائف حديقة المستشفى.

ولم تسجل إصابات بين من كانوا في المستشفى جراء القذائف، لكن عموما توجد مخاوف من أن يتسبب استنفار الجماعات المسلحة في طرابلس ومصراتة في عرقلة جهود مواجهة فايروس كورونا.

وشدد بوتشاي على أنه “لا توجد نية في الحقيقة لدى هذه الجماعات لإعاقة جهود الطواقم الطبية، لكن المعركة مستمرة ولا تجعل الجهود أسهل”.

وبشأن ما الذي يمكن أن يقدمه المجتمع الدولي لمساعدة الليبيين على معالجة فايروس كورونا؟ يجيب بوتشاي، أن هناك العديد من الإجراءات، من بينها زيادة دعم عدد الاختبارات، والذي يعد أمرا أساسيا للحصول على صورة أفضل عن عدد الحالات المصابة في مختلف أنحاء ليبيا، ويتابع “بالطبع ليبيا بحاجة إلى معدات طبية ومواد استهلاكية، وكذلك بحاجة إلى إنشاء المزيد من الأسرّة في وحدات العناية المركزة”.

أكد بوتشاي، أن التوصل إلى وقف لإطلاق نار محلي في طرابلس، سيكون مفيدا، لكن هذا الخيار ما زال مستبعدا في الوقت الحالي، “لأن كل طرف يعتقد أن الطرف الآخر قريب من نقطة الانهيار، وبالتالي لا يريد أن يمنحه الوقت للتعافي”.

7