كيف تقرأ قطر الحرب على الإرهاب

قطر أسرفت في تماديها بدعم الإرهاب وسياستها هذه لا يمكن أبدا أن تكون من قراءة متأنية لمصادر قوتها ومصالح نظامها السياسي؛ فالمغالاة في الكبرياء تفضح تناقضات سلوكها وتباينه.
الأربعاء 2018/03/28
المغالاة في الكبرياء تفضح التناقضات والتخبّط

قوة أي دولة ومدى تأثيرها لا يتأتيان فقط من امتلاكها مقاييس الجودة ضمن قراءتها الخاصة لسياستها، فذلك بعض من أوراق في كتاب متعدد الفصول يبدأ بمقدمة بسيطة وينتهي برسم العلاقات الاستراتيجية مع عالم فيه الأمن والسلام يتعكزان على مفارقة توازن الرعب النووي.

القوى الفاعلة على اختلاف موقعها ودورها تعيد النظر باستمرار في ما يساعـدها على فهم ما يفرضه الزمن كسباق تتابع وتلاحق لما يجري خارج الحدود لتعويض الإخفاق إن وجد، مع الأخذ في الاعتبار أن بقاء الحال على ما هو عليه في وسائل الإنتاج أو التفكير جزء من تراجع غير محسوب تسعى إدارات الدول لتلافيه رغم أنه غير مرئي أحيانا، لأن حركة النظام الكلية تعيق رؤية تآكل التفاصيل الدقيقة.

ترسانات الأسلحة مهما كانت بخلفيات تكنولوجية ومالية تظل حبيسة في خزاناتها الكونكريتية ومخابئها المدعمة بالحراسات والاحترازات التقنية، وهي أسيرة أيضا لتقادم سنوات السلم في انتظار لحظة استخدام ربما قد لا تأتي أبدا.

كينونة صناعة الأسلحة منذ الأزل هي في الدفاع عن الحياة وحماية المجموعات الإنسانية، فمصادر القوة في جذورها كانت تعتمد على طبيعة الأرض وكثافة السكان وبناء القلاع والأسوار، كحدود فاصلة تختزل الدولة الراعية لمواطنيها.

المتغيّرات غير المتخيّلة بعد الثورة الصناعية حرثت في مفاهيم تاريخ التعايش وأفرزت لنا حربين عالميتين أودتا بالعالم القديم إلى حتفه. الاستجابة اختلفت وتنوعت وتفاوتت في التوقيت وفي العمل على تقبّل حقيقة أن العالم تغيّر تماما وينبغي التسليم بمخاطر تعصّب واجهات النظم السياسية بعمقها الاقتصادي الذي هيمنت عليه الشركات العملاقة أو الأيديولوجيا.

الكثير من الدول التي تبنّت فكرة الدولة الاعتبارية غير المغرر بها بالقوة العسكرية اختارت طواعية الانضمام إلى محيطها الذي يوفر لها دعامات قوة وسداد رأي وحضورا فاعلا في المجتمعات الإيجابية المستقرة بأقل اشتراطات تكاليف الأمن في الدول الأخرى.

مقاطعة السعودية والإمارات ومصر والبحرين لدولة قطر عنـدما نتطلع إليها اليوم نجدها أقرب إلى انتشال أخ أو صديق من محنة انقاد إليها أو تورط فيها أو سوّغت له لحظة موقف ما خرق جدار المحددات الإجبارية التي اتسمت بها دولة قطر في نـزوع غير متوقع للتمدد في لعبة نفوذ خاسرة تمت تجربتها من شخصيات ودول بإمكانات أكبر، ومع ذلك هوت بين ليلة وأخرى لسبب لا يتعلق بقوة التسليح وإنما لأنها أصبحت مصدر قلق لجيرانها وللعالم.

مقاطعة السعودية والإمارات ومصر والبحرين لدولة قطر عندما نتطلع إليها اليوم نجدها أقرب إلى انتشال أخ أو صديق من محنة انقاد إليها أو تورط فيها أو سوغت له لحظة موقف ما خرق جدار المحددات الإجبارية

أن تتقدم قطر بأي خطوة نحو دول الخليج العربي، فهي خطوة متأخرة للاعتراف بمخاطر خذلان الأمة العربية في مفصل مصيري يهدد فيه المشروع الإيراني وجودها.

أدّت الأزمة الدولية في الشرق الأوسط إلى تصاعد طموحات الإمبراطوريات القديمة بتناغم غريب وتواطؤ مريب مع ظاهرة الإرهاب، رغم عدم تشابه الاستراتيجيات لكنها تتحرك بغاياتها بعيدا عن الالتزامات بالقوانين الدولية؛ كأن مرادها في المحصلة إيصال رسالة بالغة الخطورة مفادها إطلاق النار على حلم إنساني داعب جفون وعقول بشرية حاولت باجتهاد النفاذ من أهوال الحرب العالمية الثانية في ذلك الصيف النووي من العام 1945.

هناك ضرب تحت الحزام بين الدول. وهناك محاور تنمو في ركام منطقتنا مع تنامي صراع حذر في بحر البلطيق وتحلل مرتبك من تعهدات صارت كالأعراف.

صواريخ إيران تطلق من الحوثيين في اليمن على المدن السعودية في وقت تجتاح ميليشياتها كالجـراد الأصفر مدنا عربية أخرى برفقة مبررات الإرهاب يدا بيد مع تجريب الأسلحة عمليا في الأرض السورية كما لو كانت معرضا مفتوحا ملحقا بمصانع الإنتاج الحربي الروسي، وتحدي المجتمع الدولي في تكثيف صناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية، واندلاع الحرب الدبلوماسية بعد استخدام غاز الأعصاب لاغتيال الجاسوس المزدوج المطلق سراحه سرجي سكريبال في بريطانيا وما نتج عنه من طرد دبلوماسيين روس من أوروبا وأميركا والرد الروسي بطرد مماثل، مع مستجدات الإدارة الأميركية واقتراب الحسم في قضية الاتفاق النووي مع إيران؛ هل يبدو العالم لدولة قطر مضمارا لسباق الأرانب وحفر الأنفاق الرخوة لترقب ورصد والتقاط الاختيارات اللغوية في الإعلام أو تصيّد خيبات عملاء إيران وميليشياتها لإعادة طرحها وبث الحياة فيها من جديد كمشاريع قطرية. مقاطعة الرباعي العربي ينبغي لقطر أن تتناوشها كما لو كانت حبل نجاة أو استفاقة من السقوط في شرك وثيقة “شرف” مع النظام الإيراني.

قطر أسرفت في تماديها بدعم الإرهاب وسياستها هذه لا يمكن أبدا أن تكون من قراءة متأنية لمصادر قوتها ومصالح نظامها السياسي؛ فالمغالاة في الكبرياء تفضح تناقضات سلوكها وتخبّطه وتباينه بين المواقف الإقليمية والدولية بما يؤكد غياب عقلانية الدولة الاعتبارية التي تتبناها دول معروفة بتاريخها تتقدم على قطر بأسس سيادتها وعلاقاتها الدولية.

على أرضنا تتراكض الفيلة مع فيلة قادمة من التاريخ فقأت عيونها سهام المحاربين العرب؛ وبين وقع أقدامها الثقيلة تخسر قطر عندما تنقاد لتكديس السلاح وعسكرة أراضيها في استعراض لتوازن القوى؛ لأن نظامها السياسي أدرى وعلى يقين بأن مصادر قوة قطر في عمق محيطها الخليجي وأمتها العربية.

8