كيف تكتب ولا تقول شيئا

الأحد 2013/09/22

الكاتب: أيها السكرتير، هات القلم والقرطاس، واخل لي الجو فلا تحوّل إليَّ أي مكالمات خارجية أو مكالمات داخلية، مهما ادّعى أصحابها من الأسباب، سأكتب عموداً في صحيفة.

السكرتير: أكتب سيّدي أكتب، من يكتب عموداً في صحيفة تزيّن صورته رأسَ الصفحةِ، وتُنشر كلماته على الملأ، عباراته تصبح حِكماً وأقوالا ًمأثورة، وينتفع الناس بعلمه ومعرفته، ويجلّه الكبير والصغير، يستوقفه المسنُّون ويقرئونه السلام، وتمرُّ به النساء ويرمقنه بإعجاب، يتطلّع إليه الأطفال باندهاش، وتخبىء المراهقات صورته في دفاترهن المدرسية، وفي المناسبات الثقافية يتزاحمن عليه بالأوتوغرافات ليفزن بتوقيعه، وتنهمر رسائل المعجبين على صندوق بريده، ومن ثم يضطر إلى قضاء يوم في الأسبوع للإجابة عنها. اكتب سيدي أكتب، فالكلمةُ هي أقوى شيء في الوجود، وصاحب الكلمة هو صاحب الفكرة، وصاحب الفكرة هو المفكر، والمفكر هو المصلح، والمصلح هو الشخص الواقف في الطليعة، لحضوره وهج، ولكلمته نفوذ. فإذا حضر، قامت إليه الناس تسأله المشورة وتلتمس لديه الفكرةَ الصالحةَ، والرأي السديدَ، وإذا غاب يوماً، ولم يظهر في محفل عام، أصيبتْ المدينةُ بقلق، فإذا كان الداعي خيراً انفرجت الأسارير، وقرّت الأعين، فالكاتب بخير، والكلمة بخير. وإذا كان الداعي وعكة صحيّة ألمّت به طار الخبر من شخص إلى آخر، ومن بيت إلى بيت وخرجت الناس لتحتشد بباب بيته، فترى النساء والأطفال والشيب والشّبان تحت شرفة منزله، صبحاً ومساء، في الحرّ والقرّ، لا يأكلون ولا يشربون، ولكنهم يتمتمون بكلمات الدعاء لله عزّ وجل أن ينهض الكاتبُ من وعكته، ويبرأَ مما ألمّ به، فهو كاتبهم. فالكاتبُ هو حامل المشعل، والهادي لشعبه في ظلام الحاضر، ينير بكلمته العقلَ، ويفتح بفكره الكوى في جدران الوجود، لينفذ الأسرى من أسرهم، ويبرأ الجاهلون من جهلهم، فالكلمة هي الشعلةُ، والكلمةُ هي البلسم الشافي من كل داء.

أكتب سيدي أكتب، كن هذا الكاتب.

الكاتب: لا أيها السكرتير، لن أكتب عموداً في صحيفة!

السكرتير: لا تكتب سيدي لا تكتب، قم واصعد الجبل المطلَّ على المدينة، وانظر في شبابيك البيوت المضاءةِ، وشبابيك البيوت المعتمةِ، ماذا تعرف عن هؤلاء الناس المتوارين خلفها حتى تكتب لهم؟ من الحزين ومن السعيد؟ من الجاهل ومن العارف؟ من الطيّب ومن الخبيث؟ من النقيّ ومن المتآمر؟ من الشريف ومن السارق؟ من المجرم ومن الضحية؟ من الخامل ومن النشيط؟ من الأمي ومن المتعلم؟ ثم من المهتم بالقراءة ومن المعرض عنها؟ إنها يا سيّدي أمة لا تستحق أن يُكتب لها، تخيّل ثلاثمائة مليون نسمة وكتابها لا يجرؤون على طباعة أكثر من ألف نسخة فقط من كتبهم؟ وصحفها لا تصدر إلا ببضعة آلاف من النسخ، وأغلبها يكسد في الأكشاك، وإذا حدث واقتنى شخصٌ صحيفة، فلن يقرأ فيها سوى ما قيل في برجه. لا تكتب سيدي لا تكتب، ولو حدث وكتبت، لن ينتفع بكتابتك إلا بعض الفضوليين والواهمين والعاطلين عن العمل، فهؤلاء وحدهم من يجدون لديهم الوقت ليقرأوا، فماذا لديك لتقوله لهؤلاء؟ من يكتب عموداً في صحيفة يحتقره المارّة ويرتاب به المجتمع، فهو مضطر إلى ممالأة هذا، ومداهنة ذاك، ومن يكتب عموداً في صحيفة تلوك الألسنة اسمَه في المجالس، ويقالُ فيه أكثر مما قال مالك في الخمر!

ولو أنت كتبت ما يمكن أن يكون له قيمة، فسيُعتبر ذلك جرأة منك، وتوضع عند اسمك علامات استفهام كبيرة!! ولو أنت جرّبت أن تأتي بجديد، فسيُنظر إليك على أنك تجريبيٌّ غير متزن، ولو أنت وجهت انتقاداً خفيفاً لشخص متنفِّذ، اعتبرت شخصاً مُقلقاً، إذ ذاك ستقلق صحيفَتك وقارئَك وزوجتك وأولادَك وسائر محبيك، فهؤلاء كلهم تهمهم مصلحتُك، وأنت تغامر بوضعك وتغامر براحةِ بالهم.

إذن، لا تكتب سيدي لا تكتب، فالكتابة عمل خطر.

الكاتب: أريد أن أكتب، ولا أريد أن أكتب!

السكرتير: حسنا تفعل سيّدي حسنا تفعل، أكتب ولا تكتب. أفعل كما يفعل الجميع، أكتب كلاماً ولا تقل شيئاً.

املأ صفحة بيضاء بكل ما يخطر في بالك، ثم دع القارئ يقرأ الصفحة ولا يصل إلى شيء! أوليس هذا هو أكثر ما يبرع فيه الكتاب العرب المعاصرون؟ افتح صحف الصباح واقرأ أول عمود يصادفك، ستقرأ عن الاستراتيجية، والعرب غير استراتيجيين، وتقرأ عن الحداثة، والعرب غير حداثيين، وتقرأ عن الديمقراطية والعرب غير ديمقراطيين، وتقرأ عن المستقبل والعرب ماضويون، وتقرأ عن الحب، والعرب نسوا جدائل ليلى، وسخروا من براءة قيس، وتقرأ عن التاريخ والعرب يملكون ذاكرة كبيرة ثقوبها كالغربال، وتقرأ عن سوريا والعرب تركوها وحيدة، وإن تذكّروها فهم لا يتذكّرونها إلا بالدموع.

أكتب سيدي أكتب، كن هذا الكاتب!

_____________________________


هامش: كتبت هذه المحاورة قبل عشر سنوات واليوم وجدتها ما تزال صالحة للنشر. وللأمانة استبدلت كلمة بكلمة: سوريا بفلسطين.

11