كيف تكون المرأة العربية شريكا فاعلا في الاقتصاد وفي حل أزماته

تتعدد المشكلات وتتزايد الأزمات، لكن تظل المرأة طوق نجاة، عكس ما يقولون عند نشوب أيّ مشكلة “فتش عن المرأة”، وعندما يتخلى الرجل عن نظرته الذكورية قد يجد لدى المرأة حلولا سحرية، تساهم في التخفيف من الأعباء الأسرية، ولأن المجتمع مكون من أسر، والمرأة عماد غالبية الأسر، بالتالي فحاصل تصرفاتها البسيطة داخل منزلها، يمكن أن ينهض بفضله مجتمع بأكمله.
الأحد 2016/09/11
المرأة هي المسؤولة الأولى عن ترشيد الاستهلاك المنزلي

القاهرة – لا تجد الرؤى المستقبلية في العديد من الدول العربية قبولاً مجتمعياً رائجاً أو آذاناً صاغية، خاصة إذا كانت تعاني من أوضاع اقتصادية متدهورة، حينئذ تتقلص الآمال وتهبط الطموحات.

ومع أن القاعدة العريضة من سيدات مصر تعيش ظروفاً قاسية، إلا أن الدعوة التي أطلقها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لهنّ بمواصلة دورهن والوقوف بجانب الدولة ودعمها لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية لاقت قبولا لدى قطاع كبير منهن. مناشدة السيسي جاءت هذه المرّة في سياق يلقي على عاتقها مهمّة ثقيلة، فمطلوب منها ترشيد الاستهلاك الأسري، أملاً في تقليص الإنفاق العام في مجالات مثل الكهرباء والمياه والسلع وغيرها، وضبط إيقاع موازنة المنزل وترشيد الاستهلاك من تدبير وشطارة في الاختيار باتت ضرورة حتمية تفرضها الظروف المتردية.

وأوضح فخري الفقي الخبير الاقتصادي أن مشكلة المجتمع الأساسية هي الموازنة بين الموارد والنفقات، وينسحب ذلك على اقتصاد الأسرة وموازنتها المالية المسؤولة عنها المرأة. وقال لـ”العرب” إن “الصّرف غير المتقن والبذخ والإسراف مثلا في الطّعام والشّراب والخدمات يرهق اقتصاد الأسرة، بما لا يتناسب مع الدخول والواردات، وهو ما ينعكس أثره سلبا على الوضع الاقتصادي العام في المجتمع والدولة”.

وفسّر الفقي كلامه بأن القوّة الشرائية في السوق ترتفع نتيجة الإنفاق والاستهلاك المرتفع، فتنخفض قيمة النقد وترتفع أسعار السّلع والخدمات، وتغرق الأسرة في الديون، كما تواجه العملة حالة من التضخّم النقديّ، ويترتب على ذلك اضطراب الوضع الاقتصادي في المجتمع ومشاكل سياسية وأخلاقية، ولكي تنتظم موازنة المجتمع الاقتصادية لا بد أن تتدبّر المرأة المسؤولية الكبرى المخوّلة لها.

وتوقع مراقبون أن ترفع المرأة رايات العصيان هذه المرة، وترفض الاستجابة للمضي قدماً في تفاصيل حياة بالغة الصعوبة على كافة المستويات، حيث لم يعد بيدها حيلة، بعد أن فاض الكيل بها، بسبب ضنك العيش.

لكن ما حدث كان على النقيض، فلم تتردد شريحة كبيرة من النساء في التعبير عن المساعدة، ليس في المنزل فقط بل بإطلاق مبادرات لدعم الاقتصاد وصفها متابعون بأنها “جسارة” من المرأة المصرية، لأنها تتخلى عن الأمان الذي في يديها في سبيل تحقيق رؤى مجهولة المعالم.

مع تردي الأوضاع الاقتصادية في السنوات الأخيرة ساهمت المرأة في تحسين دخل أسرتها، وبالتالي دعم اقتصاد الدولة

ومن المعلوم منذ عهود قديمة، أن الذهب يمثل للمرأة وسيلة أمان مما تخبئه لها الأيام، لذلك تلجأ إلى شرائه وتخزينه، لأن سعره يرتفع مع الأيام، الأمر الذي يمثل لها أمانا مع تقدم العمر. لكن أمان الدولة والنجاة بها أهم من الأمان الشخصي للمرأة، وهذا ما جعلها تطلق مبادرات منذ أيام مثل “اتبرّعي بغرام ذهب”، لدعوة السيدات للتبرع بالقليل من مصوغهن من أجل انتشال الوطن من عثرته الاقتصادية، ورفع القيمة الشرائية للجنيه المصري، من خلال ارتفاع احتياطي الذهب في البنك المركزي، جراء المساهمات التي ستقوم بها المتبرعات.

وقبل نحو عامين دشنت سيدات على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، هاشتاغا بعنوان “اتبرعي ولو بغرام”، حمل دعوة للمصريات للتبرع بالذهب لصالح اقتصاد البلاد، استجابة لمبادرة للرئيس السيسي والتي أعلن فيها عن تبرعه بنصف راتبه ونصف أملاكه للدولة. وتوالت ردود الأفعال وقتها واصفة هذا التصرف بأن “سيدات مصر بمئة رجل”، و”تجدهن وقت الشدة”، بل و”يردّوا الجميل للوطن بمجرد أن يحتاجهن”.

أمان الدولة وانتشالها من حالة اقتصادية متعثرة كان الأهم ليس من وجهة نظر الأغنياء فقط بل أيضا البسطاء، ومنهن الحاجة زينب سعد الملاح السيدة الريفية ذات التسعين عاما التي آثرت أمان بلدها على أمانها الشخصي وتبرعت لصندوق “تحيا مصر” الذي يرعاه الرئيس السيسي، بكل ما تملك وهو قرطها الذهبي الذي ورثته عن والدتها.

التبرع بالذهب لصالح دعم الدولة من جانب المرأة لم يكن السابقة الأولى، فقد فعلت ذلك من قبل الفنانة الراحلة كوكب الشرق أم كلثوم عندما تبرعت بمجوهراتها في دعم المجهود الحربي لمصر إثر هزيمة يونيو 1967.

ومع تردّي الأوضاع الاقتصاديّة في السنوات الأخيرة ساهمت المرأة في تحسين دخل أسرتها، وبالتالي دعم اقتصاد الدولة ولو بقدر محدود، فقد انتشرت ظاهرة عمل النساء من منازلهن، حيث يمارسن العديد من الأعمال مثل تجهيز وجبات الطعام والأشغال اليدويّة والحياكة وغيرها لزيادة دخل الأسرة.

وأكّدت دراسة حديثة أن هذا النوع من الأعمال يعادل ثلث إنتاج الاقتصاد العالمي، فالمرأة التي تدير مشروعاً في منزلها توفّر جزءاً كبيراً من الدخل الذي تحصل عليه، لأنّ المرأة العاملة تنفق 40 بالمئة من دخلها على المظهر والمواصلات.

وثمّن العديد من الخبراء الاقتصاديين الإنتاج الذاتي في قدرته على التطوير، كأن تصنع المرأة الخبز في المنزل وتكفي استهلاكها منه، وبذلك تكون منتجة وتساهم في الاقتصاد وترفع العبء قليلا عن الدولة بالنسبة إلى الخبز المدعم، وهو ما ينطبق على العديد من السلع الأخرى في ظل التضخم الحاصل.

وقالت آية ماهر خبير الموارد البشرية إن هذا دأب المرأة المصرية على مر العصور، حتى لو لم تكن امرأة عاملة، فدورها في تربية أولادها عمل اقتصادي غير مدفوع الأجر (الاقتصاد الهامشي) له عائد، فالمرأة ليست قوة استهلاكية فقط، وإنما هي عنصر إنتاجي كبير غير منظور ولا تحظى مقابله على أجر.

كاتبة من مصر

20