كيف تم اختطاف الديمقراطية في بريطانيا وأميركا

يقدم تقرير نشرته كارول كادولادر في صحيفة الغارديان البريطانية معلومات صادمة عن قدرة شركات المعلومات على قلب ديمقراطيات بأكملها رأسا على عقب باستخدام المعلومات بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات. ويأتي التقرير ضمن حملة تقودها الغارديان لكشف ملامح ما وصفته كادولادر بعملية عالمية مريبة تتعلق بالبيانات الضخمة وأصدقاء ترامب أصحاب المليارات والقوى المتباينة لحملة مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي أثّرت كلها على نتيجة الاستفتاء، ليطرح سؤالا محيّرا: في الوقت الذي تتوجه فيه بريطانيا إلى صناديق الاقتراع ثانية هل مازالت العملية الانتخابية تصلح للغرض؟
الاثنين 2017/05/15
من يملك المعطيات يفوز

لندن- “وسائل الاتصال التي تعد صميم العولمة يمكن أن تستغلها دول لها نيّة عدائية لخدمة أهدافها.. والمخاطر المحتملة عميقة وتمثل تهديدا كبيرا على سيادتنا”، بهذا التصريح الذي أدلى به ألكس يونغر، رئيس جهاز الاستخبارات البريطاني “إم.آي6″ في شهر ديسمبر 2016، استهلت كارول كادولادر الصحافية والمحللة في صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا مطولا يكشف، بالأسماء والأرقام، كيف تم خداع الناخبين البريطانيين والأميركيين في استفتاء بريكست وفي انتخاب دونالد ترامب.

تعود كارول بالتاريخ إلى يوم 13 يونيو 2013، حيث تقول إن طالبة أميركية شابة في المرحلة الثالثة تدعى صوفي كانت تعبر، في ذلك اليوم لندن عندما اتصلت هاتفيا بمدير شركة كانت قضت فيها فترة تدريبية من قبل. وتوضح أن الشركة واسمها إس.سي.آل إلكشنس اشتراها روبرت مرسر، وهو مليونير كتوم يعمل في مجال صناديق التحوّط وأصبحت تسمى كامبريدج أناليتيكا وحققت شهرة سيئة بوصفها شركة تحليل المعلومات التي لعبت دورا في الحملتين الانتخابيتين لترامب وبريكست. والحديث عن هذا الموضوع وكل ذلك سيأتي لاحقا.

تبقى في سنة 2013، حيث مازالت لندن تتدفأ على شفق شمس الألعاب الأولمبية. وتقول عن ذلك التاريخ “حينها لم تنظّم بريطانيا بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، والعالم لم يتحول بعد". وتنقل عن موظف سابق في شركة كامبريدج أناليتيكا، أطلقت عليه اسم بول، أن “ذلك حدث قبل أن نصبح شركة معلومات بائسة قدمت ترامب للعالم. كان ذلك في وقت مازلنا فيه مجرد شركة حرب نفسية”.

سألت كارول بول “هل هي حقا حرب نفسية”. فأجاب “بالضبط. عمليات نفسية، وهي الطرق ذاتها التي يستخدمها الجيش لإحداث تغيير كبير في المشاعر. ذلك ما يقصدونه بعبارة كسب ‘القلوب والعقول’. كنا نفعل ذلك فحسب للفوز بالانتخابات في البلدان النامية التي لا توجد فيها الكثير من القوانين”.

وسألته أيضا لماذا يرغب شخص ما في قضاء دورة تدريبية في شركة حرب نفسية. لتقول بعد ذلك إن بول نظر إليها وكأنها معتوهة. وأجابها “كان أشبه بالعمل لفائدة جهاز إم.آي 6. لكننا هنا بصدد إم.آي 6 للاستئجار. لقد كانت مؤسسة أنيقة جدا، على الطريقة الإنكليزية النمطية، تحت إدارة أحد قدماء كلية أيتون الشهيرة وعليك أن تقوم بأشياء لطيفة جدا. تسافر إلى كل أنحاء العالم. تعمل مع رئيس كينيا أو غانا أو أي بلد آخر. الأمر لا يشبه الحملات الانتخابية في الغرب. عليك القيام بكل أنواع الأشياء المجنونة”.

تقول كارول إن صوفي قابلت، في ذلك اليوم من شهر يونيو 2013، المدير التنفيذي لشركة إس.سي.آل ألكسندر نيكس وأعطته بذرة فكرة. وقالت “عليك حقا أن تتوغل في المعلومات”. لقد أدخلت الفكرة إلى ذهن ألكسندر واقترحت أن يتقابل مع هذه الشركة التي كانت تنتمي إلى شخص سمعت عنه عن طريق أبيها.

بريطانيا تربط مستقبلها بأميركا

تشير الصحافية البريطانية إلى أنها تحدثت مع موظفين سابقين في شركة كامبريدج أناليتيكا على مدى أشهر وسمعت العشرات من القصص وصفتها بالمرعبة. وتضيف أن لكل شخص منشغل بالاستطلاع أصبحت كلمة “بلانتير” حاليا كلمة محفّزة. شركة التنقيب في المعطيات تربطها عقود مع حكومات في كافة أنحاء العالم، وهي على ملك بيتر ثيال، المؤسس الشريك لشركة إ.باي وشركة بايبال الذي أصبح أول مساند مسموع الصوت لترامب في وادي السيليكون.

وتؤكد كارول كادولادر، على خلفية التحقيق المطول الذي أجرته، وما جمعته من معطيات، أن ما يحدث في الولايات المتحدة وما يحدث في بريطانيا شيئان متشابكان. بريكست وترامب متشابكان. الروابط التي تجمع إدارة ترامب مع روسيا وبريطانيا مترابطة.

وتوضح أن شركة كامبريدج أناليتيكا هي إحدى نقاط التركيز التي يمكن عبرها أن تتوضّح كل هذه العلاقات فيما البريطانيون مقبلون على الانتخابات العامة، حيث تربط بريطانيا مستقبلها بأميركا وهي تمر بعملية إعادة تشكيل (بطريقة جذرية ومنذرة بالخطر) من قبل ترامب.

توجد ثلاثة تفرّعات لهذه القصة، وهي كما تحددها كارول: كيف توضع أسس دولة استخبارات سلطوية في الولايات المتحدة؟ وكيف يتم تقويض النظام الديمقراطي البريطاني من خلال خطة تعاون سرّية وبعيدة المدى مكّنها ملياردير أميركي؟ وكيف نمر بعملية سطو هائلة على السلطة من قبل مليارديرات عن طريق معطياتنا؟ وهي معطيات يتم جمعها وحصادها وتخزينها بصمت. وكل من يملك هذه المعطيات يملك المستقبل.

بدأت نقطة دخول كارول إلى هذه القصة مع بحث على غوغل، كما هو الأمر بالنسبة إلى الكثير من الأشياء. وتتحدث الصحافية عن تجربتها قائلة إنها وقعت في شهر ديسمبر الماضي في ثقب دودي لمقترحات غوغل الكاملة وانتهى بها إلى سؤال “هل حدثت المحرقة؟”، ثم صفحة كاملة من النتائج التي ادعت بأن ذلك لم يحصل.

تقول الصحافية البريطانية إنه وقع التلاعب بخوارزميات غوغل من قبل مواقع متطرفة. واكتشفت ذلك بمساعدة جوناتان أولبرايت، أستاذ الاتصالات في جامعة إلون من ولاية شمال كارولينا. وكان هو أول من وضع خارطة لنظام بيئي كامل لأخبار ومعلومات اليمين البديل والكشف عنها، وكان هو من عرفني على كامبريدج أناليتيكا.

تعتبر كارول الشركة نقطة مركزية في “الآلة الدعائية” للاتجاه اليميني، وهي عبارة اقتبستها بالرجوع إلى عملها لفائدة حملة ترامب الانتخابية وحملة استفتاء المغادرة. وتصف كامبريدج أناليتيكا بأنها عقدة مركزية في شبكة الأخبار والمعلومات البديلة التي اعتقدت أن روبرت مرسر وستيف بانون، المساعد الأساسي لترامب وكبير مفكريه الاستراتيجيين، كانا بصدد إنشائها. ووجدت أدلة بأنهما كانا في مهمة استراتيجية لسحق الإعلام السائد واستبداله بإعلام يحتوي على وقائع بديلة وتاريخ مزيّف ودعاية يمينية.

الاستخبارات تتحكم في رغبات الناس

وتنقل كارول عن بول أن تلك لم تكن مجرد علاقة بين كامبريدج أناليتيكا وأغرغيت.آيكيو، بل كانتا متشابكتين بشكل حميمي وعقدتين أساسيتين في إمبراطورية روبرت مرسر الموزعة. يقول بول “كان الكنديون مكتبنا الخلفي. كانوا يعدون البرامج لنا ويأوون قاعدة البيانات التابعة لنا. إذا كانت أغرغيت.آيكيو معنية، كانت كامبريدج أناليتيكا كذلك. وإذا كانت كامبريدج أناليتيكا معنية كان روبرت مرسر وستيف بانون معنيان. عليك بإيجاد كريس وايلي”.

وتوضح كارول أن ما فات التغطية الإعلامية الأميركية لشركة تحليل المعطيات هذه هو فهم من أين أتت الشركة؟ والجواب هو من عمق المركب الصناعي العسكري. زاوية بريطانية عجيبة منه مأهولة بالمحافظين من المدرسة القديمة، وذلك في الواقع هو حال المؤسسة العسكرية في بريطانيا.

تأتي على سيرة جوفري باتي، وكيل وزارة دولة سابق لمشتريات الدفاع ومدير أنظمة ماركوني الدفاعية، مشيرة إلى أنه كان في مجلس الإدارة، وكان اللورد مارلند المبعوث التجاري السابق المؤيد لبريكست لدى ديفيد كاميرون أحد المساهمين. كما كان ستيف تاتهام رئيسا للعمليات النفسية لدى القوات البريطانية في أفغانستان. وتذكر كارول أن مجلة ذي أوبزيرفر نقلت رسائل تعبر عن التأييد له من وزارة الدفاع البريطانية ووزارة الخارجية وحلف الناتو.

وتضيف أن شركة سي.آل.سي أو كامبريدج أناليتيكا لم تكن شركة مبتدئة من إحداث رجلين باستعمال كمبيوتر باور بوك لشركة ماكينتوش، بل هي بالفعل جزء من المؤسسة العسكرية البريطانية. وهي الآن أيضا جزء من المؤسسة العسكرية الأميركية، حيث انضم مؤخرا لشركة لوتا غلوبل وهي شريك لمجموعة إس.سي.آل ضابط قيادي سابق في مركز عمليات البحرية الأميركية اسمه كريس نايلر.

وتؤكد أن هذه ليست مجرد قصة عن علم النفس الاجتماعي وتحليل المعلومات، بل يجب فهمها في سياق متعاقد عسكري يستعمل الاستراتيجيات العسكرية على مجموعة سكانية مدنية. وتنقل عن ديفيد ميلر، أستاذ علم النفس في جامعة باث وهو مرجع في العمليات النفسية والدعاية، قوله إنها “فضيحة غير عادية أن يحدث هذا في أي مكان بالقرب من نظام ديمقراطي. مصدر المعلومات يجب أن يكون واضحا أمام الناخبين، وإذا لم يكن مصدرها شفافا ومفتوحا تثار مسألة ما إذا كنا بالفعل نعيش في ديمقراطية أم لا".

توضح كارول أن بول ودايفيد، موظف سابق آخر في شركة كامبريدج أناليتيكا، يعملان في الشركة عندما أدخلت جمع معلومات واسع النطاق من أجل تقنيات حربها النفسية. وتنقل عن دايفيد قوله “جمعت بين علم النفس والدعاية والتكنولوجيا في هذه الطريقة المستحدثة القوية”.

وتضيف أن شركة فيسبوك هي التي جعلت من ذلك ممكنا، حيث حصلت كامبريدج أناليتيكا من فيسبوك على أكبر مجموعة من البيانات بدرجة أولى. وفي وقت سابق جمع مختصون في علم النفس من جامعة كامبريدج معطيات فيسبوك (بطريقة قانونية) من أجل غايات بحثية ونشروا عملا مدققا حول تحديد خاصيات الشخصية والانتماء الحزبي والحياة الجنسية والكثير من المعلومات الأخرى من “إعجابات” الناس على موقع فيسبوك.

حرب معلومات

يذكر تقرير الغارديان أن إس.سي.آل/ كامبريدج أناليتيكا تعاقدت مع عالم في الجامعة اسمه د. ألكسندر كوغان لجمع معلومات جديدة من فيسبوك. وفعل ذلك عن طريق دفع المال للأشخاص لقاء الإجابة عن استجواب شخصيات مكّن من حصاد ملفاتهم الخاصة على فيسبوك، فضلا عن ملفات أصدقائهم، وهي عملية كانت هذه الشبكة الاجتماعية تسمح بها، وفق كارول كادولادر.

وتخلص إلى أن فيسبوك مكان صدر الأفكار النفسية التي خولت لشركة كامبريدج أناليتيكا استهداف الأفراد، كما كانت أيضا الآلية التي مكنتهم من توزيعها على نطاق واسع. وتضيف أن الشركة اشترت (بشكل قانوني تماما) مجموعة من البيانات عن المستهلكين حول كل شيء انطلاقا من اشتراكات في المجلات إلى السفر الجوي، وأضافت هذه المعلومات بشكل فريد إلى المعطيات النفسية لـملفات الناخبين. وقامت بربط كل هذه المعلومات بعناوين الأشخاص وأرقام هواتفهم وغالبا عناوين بريدهم الإلكتروني.

ويعلق ديفيد بالقول “الغاية هي التقاط كل جانب من جوانب بيئة المعلومات لكل ناخب، والمعلومات عن الشخصية مكنت كامبريدج أناليتيكا من كتابة رسائل فردية”، فيما تقول كارول إن العثور على ناخبين “يمكن إقناعهم” شيء أساسي لكل حملة انتخابية، وبفضل كنزها من المعلومات يمكن لشركة كامبريدج أناليتيكا أن تستهدف أناسا ذوي تنبّه عصبي مفرط مثلا بصور لمهاجرين “يغمرون” البلاد. ويتمثل المفتاح في إيجاد محفز عاطفي لكل ناخب منفرد. وعملت كامبريدج أناليتيكا على انتخابات في عدة دول رئيسية لفائدة لجنة عمل سياسي جمهوري. وتمثل الهدف الأساسي، بحسب مذكرة اطلعت عليها مجلة ذي أوبزيرفر، في “تخلي الناخب عن الالتزام” و”إقناع الناخبين الديمقراطيين بالبقاء في بيوتهم”. ويعد هذا تكتيكا مثيرا للإزعاج. وادعى بعضهم في السابق أنه تم استخدام تكتيكات منع في الحملة لكن هذه الوثيقة تقدم أول دليل فعلي على ذلك.

تكفلت تمسين شو، أستاذة مساعدة في الفلسفة في جامعة نيويورك، بمساعدة كارول على فهم السياق. بحثت في تمويل الجيش الأميركي للبحث النفسي واستعماله في التعذيب. وتنقل عنها كارول قولها إن “إمكانية استخدام هذا العلم في التلاعب بالعواطف مسألة ثابتة جيدا. نحن إزاء تكنولوجيا بتمويل عسكري سخّرها نظام حكم أثرياء عالمي وتُستعمل حاليا للتأثير على الانتخابات بطرق لا يمكن للناس رؤيتها ولا يدركون حتى حدوثها معهم”.

وتابعت شو “يتعلق الأمر باستغلال ظاهرة موجودة مثل النزعة القومية ثم استخدامها بعد ذلك للتلاعب بالناس الموجودين على الهامش. إن امتلاك هذا القدر الكبير من المعلومات في يد مجموعة من الحكّام الأثرياء الدوليين ليصنعوا بها ما شاؤوا، لشيء تقشعر له الأبدان". وأضافت “نحن في حرب معلومات وأصحاب المليارات يشترون هذه الشركات، ثم تُستخدم لتعمل في صميم الحكومة. إنه لموقف مزعج جدا”.

تختم كارول كادولادر التقرير الصادم، مشيرة إلى أنه في الولايات المتحدة توجد قوانين صارمة تلزم الحكومة فيما يخص نوعية المعلومات التي بإمكانها جمعها عن الأفراد. لكن بالنسبة إلى الشركات الخاصة كل شيء متاح. وتتساءل "أليس من المنطقي أن نرى في ذلك البدايات الممكنة لدولة رقابة سلطوية؟ دولة تأتي بمصالح الشركات الكبرى إلى قلب الإدارة". تروي الوثائق تفاصيل عن تورط كامبريدج أناليتيكا مع مليارديرات آخرين ذوي ميول يمينية بمن في ذلك روبرت مردوخ. وتشير إحدى المذكرات إلى محاولة كامبريدج أناليتيكا وضع مقال مع صحافي في مجلة وول ستريت التابعة لمردوخ وتبيّن ارتباط الشركة به.

6