كيف تنأى تونس عن الشعبوية في الحرب على الفساد

السبت 2017/05/27

ارتفعت نسب الدعم لحكومة يوسف الشاهد، وبشكل مفاجئ، إلى أكثر من تسعين بالمئة لمجرد اعتقال عدد قليل من المتهمين بالفساد، بعد أن كان هذا الدعم محدودا وتتقاذفه التجاذبات السياسية.

وبالتأكيد لن تبقى نسبة الدعم الموجهة للحكومة في حدود 93.6 بالمئة وفق أرقام أوردتها جريدة المغرب التونسية، فستعود للانخفاض ليس لأن الحكومة ستتراجع عن الحرب تحت الضغوط، أو أنها مناورة لاستعادة الالتفاف الشعبي حولها بعد أن أربكتها الاحتجاجات والاعتصامات كما يتوقع بعض خصومها الذين لا يعجبهم العجب في رجب. ولكن لأن سقف الانتظار الشعبي عال جدا في مواجهة ظاهرة نخرت البلاد منذ تشكل الدولة الوطنية في 1956.

وتعرف حكومة يوسف الشاهد أنها إذا جارت الرغبة العامة في الشارع، وإذا أرادت أن تكسب إلى صفها بعض الثوريين الذين يتهمون مؤسسات الدولة ومسؤوليها ورموزها بالفساد، فإنها لن تحقق شيئا، لأن هؤلاء لن يرضوا عنها ولو أدخلت نصف التونسيين إلى السجون.

ولذا على الحكومة أن تغير بوصلتها وتضع الشعارات وراءها، وأن تفتح معركتها مع الفساد وفق إستراتيجية طويلة المدى تراعي قدراتها واستمرارها والتوازنات المحلية، وإلا كانت كمن يسعى لهدم البيت التونسي على رأس ساكنيه.

ولا يمكن أن نفتح معركة الفساد في وسائل الإعلام لأن الحكومة ستسقط في الشعبوية والمزايدة وستنخرط شاءت أم أبت في تصفية الحسابات، وسيحقّ لخصومها أن يتهموها بتصفية شق من الفاسدين لفائدة شق آخر كما يروج الآن وعلى نطاق واسع.

ليست هناك مؤسسة أولى بفتح هذه المعركة من مؤسسة القضاء على أن توفر له الحكومة الملفات التي بين أيديها، ثم تتنحى جانبا. والخوف هنا أن يكون الاستنجاد بقانون الطوارئ (قانون 1978)، الذي يجيز للحكومة وضع من ترى أنه يهدد أمن الدولة تحت الإقامة الجبرية، بغاية الاستثمار السياسي.

وكان على حكومة الشاهد أن تصدر بيانا تفصيليا تقول فيه كيف أن الذين وضعوا تحت الإقـامة الجبرية يمثلون خطـرا على أمن الدولة، وهل هم فعلا، أو بعضهم، مورطون في تنظيم اعتصام تطاوين بهدف وقف الإنتاج النفطي وزيادة الضغوط الشعبية على الحكومة حتى لا تفتح ملف الفساد، أم أن المقصـود بأمن الدولة هو إغراق البلاد بالسلع المهربة وعقد صفقات خارجية بديلا عن الدولة ما يهددها بالإفلاس.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الأحزاب والمنظمات التي أصدرت بيانات داعمة للخطوة الحكومية ضد الفساد لا يمكن أن تقبل أن تتسع الحملة لتشملها، حتى وإنْ كانت حملة لتدقيق الحسابات كما يفرضها قانون الأحزاب، ذلك أن الجميع يدعم الحرب على الفساد حين يكون المعني بالأمر خصمه أو شخصا آخر بعيدا عنه.

ويمكننا أن نشير إلى أن بعض الأحزاب، وبعضها مصنف ثوريا، رفضت الاستجابة لدائرة المحاسبات التي طالبت بعض مرشحي الانتخابات بإعادة الأموال التي صرفتها لهم الدولة خلال الحملة الانتخابية طالما أنهم لم يحصلوا على ثلاثة بالمئة من الأصوات، مثلما يشترط القانون. وهناك مرشحون للانتخابات الرئاسية الأخيرة ثارت شكوك كثيرة بشأن الجهات التي مولتهم، لكن لم تجرؤ أي جهة حكومية أو قضائية أو مالية على فعل ذلك.

من حق الحكومة استثمار نتائج الحملة في رصيدها السياسي، لكن عليها أن تتجهز للنتائج التي لا تراها الآن، وبينها أن الحملة تخدم بالدرجة الأولى الأحزاب والشخصيات التي دأبت على رفع سقف مطالبها خاصة في الفترة الأخيرة تمهيدا للانتخابات المحلية (البلدية). وستجد الحكومة نفسها في وضع من يخدم هؤلاء على تثبيت أحزابهم في المناطق الداخلية ليحتجوا عليها في ملفات أخرى، خاصة وهي لا تمتلك رؤية للنهوض بالتنمية في تلك المناطق التي توصف بالمحرومة والمهملة، وهي إلى الآن تعتمد أسلوب إطفاء الحرائق بإطلاق وعود ومشاريع لا تقدر على الالتزام بها، وربما تحيلها إلى حكومة قادمة مثلما فعلت الحكومات السابقة لها.

ولا شك أن مستشاري رئيس الحكومة التونسية قد أخطأوا قراءة المشهد الحالي إذا كانوا قد راهنوا على التوظيف السياسي، ذلك أن رفع سقف شعار الحرب على الفساد لا يُفهم إلا كونه نتاجا لموجة الاحتجاجات التي أجبرت الحكومة على تقديم تنازلات مؤلمة في معركة الفساد، ويمكنها أن تقدم تنازلات أخرى في ملف التشغيل، وخاصة إغراق المؤسسات الحكومية بانتدابات جديدة تحت ضغط الاعتصامات العشوائية، فضلا عن الاعتصامات والإضرابات المسيرة من اتحاد الشغل للزيادة في الرواتب والمنح (العلاوات).

قد تفهم الرسالة بشكل خطأ خاصة أن الاحتجاجات التي تتخفى وراءها شخصيات وأحزاب تدفع نحو الأقصى، وقد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى أن تكون في صف الذين يرفعون شعار "مانيش مسامح" (لست بمسامح)، وهم أنفسهم الذين يقفون وراء حملة أين البترول والذين يطالبون بالتأميم وتوزيع جزء رئيسي من عائدات النفط على المناطق التي ينتج فيها.

وقد ظهر التلكؤ والارتباك حين تم الدفع بالجيش لحماية آبار النفط والغاز حين أعطيت له أوامر مجتزأة وغامضة حتى شجع على الاجتراء على الجيش ليجد نفسه مجبرا على التراجع واستدعاء قوات الأمن. إن السماح بالاجتراء على المؤسسة العسكرية أو الأمنية سيحول الأمر إلى ظاهرة سرعان ما تتسع دائرتها لتشمل مختلف المناطق والمحافظات، وهو ما يعقد مهمة هذه القوات في حماية الأمن مستقبلا.

لا يمكن لحكومة توافق وطني ترفع مهمة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد وترتكز خطتها على اتخاذ إجراءات تقشف قوية أن تبحث عن إرضاء هذه الجهة أو تلك.

إن معركة الفساد مهمة في استعادة ثقة الناس بالدولة، لكنها قد تتحول إلى معيق رئيسي لمساعي الحكومة لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية، إذا غلب عليها الطابع الشعبوي، فضلا عن أنها لا يجب أن تكون تحركا ظرفيا أو انتقائيا سرعان ما تعود بعده ظاهرة الفساد أقوى وأكثر صلابة.

كاتب وصحفي من تونس

9